صديقي في “المتنبي”

صديقي في “المتنبي”
جواد ابو رغيف
يبدو أن التطرف الفكري الذي يمثل مشكلة العراق الأزلية مشكلة بنيوية متجذرة في سايكلوجية الإنسان العراقي منذ القدم.
وكما أثبتت الدراسات أن الإنسان العراقي ولد على ظهر الأرض، وهو مهدد من الطبيعة ومن الجوار،على عكس الإنسان المصري في مقارنة لأحدى الدراسات.ففيضانات النيل كانت خير على المصريين لأنها تمتد بمسافة عشر كيلو متر بارتفاع يسمح بزراعة الرز على ضفتيه،.كذلك كانت الطبيعة متمثله بالبحر سدا منيعا لمصر من الغزو الخارجي.
عكسها تماماً في العراق،ففيضانات دجلة والفرات الذي يهيج فيكتسح كل ما أمامه من حرث ونسل،فضلا عن الطبيعة السهلة المنبسطة للعراق جعلته عرضة و باستمرار إلى الغزو الخارجي.
التطرف الذي يعني أقصى اليسار أو أقصى اليمين دون السير بطريق الوسطية والاعتدال الذي تحث عليه جميع الأطروحات السماوية وفي مقدمتها الإسلام ،إضافة الى الأطروحات المادية العقلائية.هو بيت الداء الذي نعاني منه كعراقيين،والغريب ان يصر البعض على التطرف رغم تطور الحياة وثورة المعلومات ويعيش سطحية فكرية عجيبة، فيصبح وعاء أجوف دون (فلاتر) وحافظة.
بالأمس اتصل احد الأصدقاء وهو (يزبد ويرعد) على خلفية منشور بصفحتي الشخصية،رغم أني لست الوحيد الذي يتبنى تلك الرؤية،فكثير من الواعين من مختلف المشارب الفكرية والدينية يدركون ما وراء المؤتمر السعودي (أرجو متابعة يوتيوب الإعلامي الفلسطيني عبد الباري عطوان).
صديق الصبا بدأ كلامه بالثناء والمديح والأوصاف (الأخلاقية والفكرية)،ثم تفضل عليَ بعدم حضري من صفحته الشخصية على خلفية رأي نشرته، ثم طالبني بالرحيل إلى إيران.
أقول لصديقي العلماني أن مشكلتنا هي البحث عن نقاط الخلاف دون نقاط اللقاء، وهذا بسبب قلة الوعي او عدم الرغبة بالوعي.
صديقي العزيز إذا كنا لا نلتقي بالجوار الفكري والجوار الديني،فتعال نلتقي بجوار الوجود،فجميعنا نستفيء بظل الوطن العراق، واعلم ان ذلك ليس مستحيل اذا كنا نفكر بوعي.
صديقي هل تعلم أن المفكر الإسلامي العراقي الشيعي “محمد باقر الصدر” يلتقي (بالأفكار دون لقاء) مع المفكر الإسلامي السني التونسي “راشد الغنوشي” فيما يتفق مع مقاصد الشريعة”(التي تؤكد أن الإنسان ولد حراً ولا فضل لعربي على أعجمي ولا اسود على وابيض ألا بالتقوى).(والتقوى هنا حرمة الإنسان على الإنسان)،فجاء البعثيون والقوميون،فتركوا مقاصد الشريعة ،واتجهوا الى العنصر(العروبة)،وتحت يافطة العروبة قُتل من قُتل وسُفر من سُفر.
ثم جاء اليساريون فأزاحوا الاثنين معا ازاحوا العروبة تحت شعار (لا نقاء لأي عرق)!، وأزاحوا الشريعة الإسلامية لأن فيها “مايفرق “وشعارهم (بعد شهر ماكو مهر)!!.
المشكلة ان البعض يتبجحون بالحريات لكن بمجرد تسلمهم السلطة يمارس أبشع أنواع التسلط والدكتاتورية!.
السؤال الكبير هو كيف نبني أيدلوجيتنا دون تطرف؟.
أقول بمحبة عالية للجميع أن ما يجري في العراق من تجربة رغم تحفظاتنا كإسلاميين وعلمانيين،افرز قضية جدا مهمة يمكن إن ترسم ملامح وطن وتؤسس لأيدلوجية معتدلة تضمن الرفاه والاستقرار في وطن يكفل للجميع ممارسة حرياته المسئولة.
وخير دليل التجربة التونسية التي كتب دستورها الإسلاميون والعلمانيون مستندين الى رؤية المفكر الإسلامي “راشد الغنوشي”،واوجدوا نقاط الشراكة في الوطن عبر مقاصد الشريعة.
في العراق أمكانية تحقق ذلك أكثر من تونس بعدما انخرط الشيعة في دعم النظام الديمقراطي.(برغم تقاطعه من نظرية نص الإمامة) بفتوى السيد السستاني المستندة إلى رأي السيد المحقق (الخوئي) في (المباحات)”ان العقلاء أذا اقروا أمر فان على الأمة الطاعة”، والعقلاء قالوا ب (الديمقراطية)ولذا أفتى السيد السستاني بالمشاركة الانتخابية وهو من مدرسة “الحسبة” وليس “ولاية الفقيه”.
والعقلاء هنا إسلاميون وعلمانيون. كذلك أفتى سماحته (الجهاد الكفائي)،وهو من مدرسة الحسبة وليس الولاية المطلقة، ليجعلك تنعم صديقي بارتياد شارع المتنبي وتمارس حياتك الطبيعية ويكفيك شر (جراد داعش) .
أذن هناك مرونة يتمتع بها الإسلاميون ، فمتى نرى مرونة العلماني لنبني وطن.
وما عدى ذلك، فنحن نلعب لعبة القط والفأر!.
صديقي العلماني أتمنى ان تحفظ علاقتي كما حفظتها ولا تسفرني خارج العراق فهو الهواء الذي احيى به، اذا تسلمت السلطة فــــ “اصدق الكلام ماقيل بالهزل”.