حديث في الطريق

حديث في الطريق

عبد الكاظم حسن الجابري

تمثل وسائط النقل بشقيها العام والخاص, وسيلة من وسائل اللقاء والتواصل المباشر مع الناس. هذا التواصل يكون نوعيا أحيانا وأحيانا أخرى يكون سمجا, بحسب الرفقاء الذين تجمعنا الصدفة معهم, ولا تخلوا الرحلات من فائدة معينة في جانب ما. كنت ذات يوم مسافرا إلى بغداد, بمعية الصديق الكاتب الأخ عباس الكتبي, ولأن طريق مدينتنا الشطرة في محافظة ذي قار يحتاج من 3 الى 4 ساعات للوصول إلى بغداد لذا خرجنا مبكرين, قبل آذان الفجر رغم برودة الطقس الشتوي وقتها. استقللنا سيارة تكسي أو ما تعرف (بالجارجر), وقد عرفني سائق السيارة, لكنني عرفت شكله ونسيت أسمه ولا أتذكر أين ألتقينا, لكنني تذكرت ذلك خلال الطريق. كنا نرغب باستغلال ساعات السفر للنوم خلال الطريق, لكن مع بدء انطلاقتنا بدا صاحبنا السائق متذمرا وممتعضا! وهو ينادي بصوت عالي “كلهم حرامية بهذلونة” وما إلى ذلك من هذه الإسطوانة المشروخة التي نكاد نسمعها عدة مرات يوميا. كنت أجلس بالمقد الأمامي قرب السائق, فألتفتُ إليه وقلت له “يا أخي أنت شبيك معصب من الصبح كول يا الله” وأكملتٌ ” يا أخي ليس المسؤولون وحدهم لصوص وسرّاق فأنا وأنت سراق أيضا” إلتفت إلي مستغربا وقال “لا حاشاك” قلت له “أنا أقول لك كيف إننا سراق فانت كسائق حينما تأخذ الركاب من خارج “الكراج” كي لا تدفع “الدلالية” فأنت سارق, والموظف الذي لا يلتزم بوقت الدوام سارق أيضا, وصاحب المحل في السوق الذي يضع بضاعته على الرصيف ويعيق المارة سارق أيضا, ثم اضيف لمعلوماتك شيئا آخر أ لسنا ننقد السياسيين؟! لكن أستحلفك بالله لو أتى أحد المسؤولين إلى مناسبة عندكم كأن تكون مجلس فاتحة أو زواج, ألا يقوم أعمامك من الشيوخ والوجهاء بتقديره وتبجيله واستقباله بحفاوة؟! قال نعم! قلت له هذا عين الفساد, فلو تركنا الفاسد ليعرف قدره ولم نوله الاهتمام لما تجرأ ليفسد, فالفساد يا أخي هو صنيعة المجتمع, فرد علي صاحبي السائق قائلا “استاذ على حجيك هذا جا محد يكضيلي شغل وما تمشي هواي أموري”. هنا توقفت وقلت له وصلنا للنتيجة, هو إننا من نعين على الفساد, ونجامل لحساب مصالحنا الشخصية, “إذ نرضى بالفاسد اللي يخلص شغلنا وننتقد الفاسد الما يخلصلنا شغل” والفساد منتشر! لكن بأشكال مختلفة, وما نراه من فساد السياسيين ما هو إلا نتاج تناقضات في المجتمع, أفضت إلى هذا الواقع الإداري والخدماتي المزري. بعدها سكت صاحبنا وخلدت انا للنوم….