أكراد العراق بين البارزانيين والطالبانيين..صراع العوائل قد يتفجر

أكراد العراق بين البارزانيين والطالبانيين..صراع العوائل قد يتفجر

في منتصف تسعينيات القرن الماضي، نشبت في شمال العراق حرب أهلية بين الأكراد. كانت تلك الحرب بقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني وزعيمه مسعود بارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني وزعيمه الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني، نفس الحزبان اللذان افترقا خلال الأزمة الأخيرة في كركوك بين بغداد وأربيل فاتهم الأول منهما الثاني بالخيانة.

وبعد أن سيطر جلال طالباني بمسلحي حزبه، وبدعم من إيران، على مدينة أربيل التي كانت تخضع لسيطرة بارزاني، ناشد الأخير الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين لدعمه ضد خصمه، فأرسل الحرس الجمهوري إلى أربيل واقتحمها في 31 أغسطس عام 1996 ضمن عملية سمّاها “آب المتوكل على الله”.

ورغم أن الولايات المتحدة الأميركية جمعت الخصمين الكرديين على أراضيها ودفعتهما نحو إبرام اتفاق سلام عام 1998، إلا أن الخصومة بينهما استمرت حتى بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003 وتحالفهما ودخولهما في الحكومات العراقية المتعاقبة.

صراع قديم

عام 1943، قاد ملا مصطفى بارزاني حركة كردية استقلالية ضد الدولة العراقية، لكن القوات العراقية والقوات البريطانية أجبرته ومقاتليه على الانتقال إلى إيران حيث أنشأوا جمهورية مهاباد الكردية التي كان بارزاني قائداً عاماً لقواتها المسلحة، قبل أن تسقط ويلجأ إلى الاتحاد السوفييتي.

في السنة التي توفي فيها ملا مصطفى (1979) تولى صدام حسين حكم العراق وبارزاني الابن رئاسة الحزب الديمقراطي الكردستاني، ليتحالفا في الحرب الأهلية الكردية (1994-1997) ضد جلال طالباني الذي استعان بإيران.

ويُعتبر حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الذي كان يتزعمه جلال طالباني والآن زوجته هيرو أحمد، من الأحزاب التي تأسست وهي تحمل ذات الشعار الذي حملته الأحزاب الكردية الأخرى بشأن تقرير مصير الشعب الكردي.

وجاء تأسيس الحزب في الأول من يونيو 1975 كمحاولة من طالباني لتعويض النتائج السلبية التي أنتجها اتفاق الجزائر بين العراق وإيران التي كانت تدعم الحركات الكردية، ما تسبب بانهيار الحركة الكردية التي كان يتزعمها ملا مصطفى.

ولم تخلُ العلاقة بين طالباني وبارزاني الأب من الخلافات والتشنجات حتى قبل تأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني، عندما كان الرئيس العراقي الراحل عضواً في اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكردستاني.

مؤسسات دولة أم مؤسسات عائلية؟

كان لحكم العشيرتين البارزانية والطالبانية سطوة كبيرة على مؤسسات حكومة إقليم كردستان العراق، ونجح كل من زعيمي الحزبين الكرديين في ترسيخ نفوذ عائلتيهما داخل تلك المؤسسات، خاصة الأمنية والاقتصادية.

ورغم أن بارزاني وخصمه الراحل طالباني تحدثا كثيراً عن “حكم المؤسسات” و”الديمقراطية” وانتقدا ما يحدث في بغداد من محسوبية ومحاصصة، إلا أنهما زجّا بأولادها وأقاربهما في مناصب الأقليم العليا وفي بعض الأحيان داخل الحكومة الاتحادية في بغداد.

ورغم الحديث في إقليم كردستان عن وجود حكم “ديموقراطي” خاضع للانتخابات، إلا أن المعطيات على أرض الواقع تشير إلى عكس ذلك، فبارزاني وطالباني رسّخا حكمهما العائلي داخل مؤسسات الإقليم.

وتقول النائبة عن كتلة التغيير المعارضة للحزبين الكرديين تافكه ميرزا لرصيف22 إن “إقليم كردستان العراق يعاني من حكم العائلات، وكأن مؤسسات الإقليم صارت بأسماء أشخاص وأسر معينة”.

عمل مسعود بارزاني للسيطرة على كل المؤسسات المهمة في إقليم كردستان، فوضع ابن شقيقه نيجرفان في رئاسة حكومة الإقليم، وابنه منصور قائداً للقوة الأولى وقوة كولان الخاصتين في الإقليم، بينما تسلم نجله الثاني مسرور رئاسة مجلس الأمن القومي في الإقليم.

وغير هؤلاء، هناك بارزانيون لا يرتبطون بمسعود بارزاني بقرابة من الدرجة الأولى في مواقع مسؤولية، وهم سيروان بارزاني، القائد في قوات البيشمركة الكردية، وسيوان بارزاني، ابن عمه الذي عُيّن سفيراً للعراق في روما ثم سفيراً في لاهاي.

وكان خال مسعود بارزاني هوشيار زيباري، وزيراً لخارجية العراق بين عامي 2006 و2014 السنة التي نُصب فيها أيضاً وزيراً للمالية قبل أن يُقيله البرلمان العراقي.

ولأن عائلة بارزاني وزيباري يربطها التصاهر، فإن رئيس أركان الجيش العراقي السابق كان من عائلة زيباري (بابكري زيباري)، ومنها أيضاً كان المتحدث باسم اللجنة الخاصة بالرد على التقارير الدولية في حكومة إقليم كردستان ديندار زيباري.

ويقول المحلل السياسي الكردي عدنان الجاف لرصيف22: “للأسف هناك محاصصة كبيرة داخل مؤسسات الإقليم، ولعبت دوراً سلبياً في تحقيق ما يصبو إليه المواطن الكردي”.

تجربة الطالبانيين في المؤسسات

لم يختلف الحال مع جلال طالباني إذ اتبع ذات مسار خلق شبكة عائلية داخل مؤسسات الإقليم. ويتولى قوباد طالباني، نجل الرئيس السابق، منصب نائب رئيس حكومة إقليم كردستان، بينما يدير ابنه بافل الذي ظهر مؤخراً على الساحة، كل المؤسسات الحكومية التي فيها مدراء ومسؤولين تابعين للاتحاد الوطني الكردستاني.

ويرأس لاهور شيخ جنكي طالباني، ابن شقيق جلال طالباني، جهاز مكافحة الإرهاب في حكومة الإقليم، بينما يتولى آراس شقيق لاهور، منصباً قيادياً في جهاز الأمن والمعلومات بمحافظة السليمانية الخاضعة لسيطرة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني.

ولم يخلُ الموضوع من وجود النساء ضمن الخارطة العائلية بمؤسسات الإقليم، فبيكرت طالباني، ابنة شقيق الرئيس السابق، تولت منصب رئيسة كتلة الاتحاد الوطني الكردستاني في برلمان الإقليم، وكان عديل طالباني (زوج شقيقة زوجته) لطيف رشيد وزيراً للموارد المائية العراقية ومستشاراً لطالباني.

مؤشرات الصراع بين الأبناء

أظهرت أزمة الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان، في 25 سبتمبر الماضي، وجود خلافات عميقة بين أبناء بارزاني وطالباني. فابن شقيق الأول وأولاده كانوا يدفعون باتجاه إجراء الاستفتاء الذي تعارضه الحكومة الاتحادية، بينما وقف أبناء الرئيس العراقي الراحل في موقف مضاد.

ولم يقف الحال عند مرحلة الاختلاف في وجهات النظر أو المواقف، بل تعدى ذلك بكثير، بعد نشوب الأزمة بين بغداد وأربيل واتخاذها بعداً عسكرياً. فأم بافل طالباني بانسحاب قوات البيشمركة التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني من كركوك لتفسح المجال أمام القوات الاتحادية العراقية للسيطرة عليها، وهو ما وصفه أنصار بارزاني بـ”الخيانة”.

يقول اللواء الركن المتقاعد عماد علو لرصيف22 إن “مؤشرات الصراع موجودة، وما يؤكد ذلك هو تطور المعارضة السياسية التي تعارض التسلط العائلي والعشائري للبارزانيين والطالبانيين في الإقليم”.

وزاد مصطلح “الخيانة” الذي استُخدم بعد الاستفتاء من عمق الأزمة بين قيادات الجيل الجديد، وعاد الصراع إلى ما كان عليه في تسعينيات القرن الماضي، لكن هذه المرة من دون سلاح، بل عبر الإعلام التابع لبارزاني والذي كثيراً ما تحدث عن “خيانة” عائلة طالباني التي تحدث إعلامها عن “الذين يريدون الحرب لكردستان”، في إشارة إلى مسعود بارزاني.

واحدٌ من المؤشرات على احتمال حدودث الصراع هو تلك العلاقة التي وطدها الاتحاد الوطني الكردستاني مع الحكومة الاتحادية في بغداد، على العكس من الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي شعر بضعف موقفه بعد التراجع عن الاستفتاء.

وقال الباحث في الشأن الكردي سامان نوح لرصيف22 إن “الصراع قد يمتد داخل الحزبين الرئيسيين أو داخل العائلتين، فهناك محاولة للاستحواذ على رئاستي الحزب بعد طالباني وبارزاني من قبل الأبناء أو أبناء الأشقاء”.

علاقات الأبناء بالدول المؤثرة في العراق

لن يكون الأبناء أو أبناء الأشقاء بعيدين عن العلاقات التي كانت تربط بارزاني وطالباني بالدول المؤثرة في العراق، فهما كانا يجهّزان الأرضية لمَن سيأتي بعدهما للاستمرار بتلك العلاقات الوثيقة، وإن كانت تضطرب في لحظات معينة.

يرتبط نجيرفان بارزاني بعلاقات قوية مع تركيا وأميركا ودول الخليج. ويتزايد الحديث عن علاقاته التجارية مع مقربين من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وهو ما لا يعجب قوباد وبافل طالباني اللذين يُعتبران جزءاً من العمق الإيراني في العراق.

وبرأي الكاتب الكردي دولفان برواري، “لعبت العلاقة التي تأسست بين الحزبين الكرديين وتركيا وإيران دوراً مهماً في الساحة السياسية العراقية، خاصة بعد عام 2003، فالدولتان الجارتان للعراق نفّذتا سياساتهما عن طريق الحزبين”.

ورغم أن تركيا وقفت في وجه الانفصال الذي سعى إليه بارزاني، إلا أن نيجرفان لم يتخلَّ عنها فواصل حراكه وتواصلت اتصالاته مع إدارة أردوغان في محاولة لكسب التأييد بتزعم الإقليم بعد عمه.

وتحدث مصدر كردي مقيم في أربيل وطلب عدم ذكر اسمه لرصيف22 عن وجود فوضى داخل الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يريد إعادة إنتاج علاقاته الخارجية، ويحاول كسب مَن وقفوا ضد الاستفتاء، وعن أن نيجرفان بارزاني يجري اتصالات حتى مع حلفاء طالباني الذين كانوا يعتبرون خصومه قبل فترة وجيزة.

هل يعود الإقليم إلى الإدارتين؟

الحديث عن عودة الإقليم إلى الإدارتين وارد جداً، وتُتداول هكذا أفكار داخل غرف الأحزاب السياسية الكردية، وربما وضع الاتحاد الوطني الكردستاني حساباته لتلك اللحظة، فمؤيدوه ينتقدون ما يسمّونه “ديكتاتورية” بارزاني الذي وصل الأمر به عام 2015 إلى منع رئيس برلمان الإقليم يوسف محمد صادق من دخول أربيل وعطّل عمل البرلمان لأكثر من سنتين.

في الحقيقة، الإدارتان في الإقليم لم تتوحدا، وإن عمل الحزبان تحت إدارة واحدة. على الأرض، لطالما كانت هناك إدارة تابعة لبارزاني وأخرى لطالباني. فمناطق نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني لا يمكن أن تتدخل بها أية قوة عسكرية أو إدارية تابعة للاتحاد الوطني الكوردستاني.

وأي خلاف يتطور إلى نزاع مسلح سيعيد بشكل ظاهر نظام الإدارتين، وستكون هناك خطوط تماس بين مناطق نفوذ الحزبين الكرديين مثلما كان الحال في تسعينيات القرن الماضي، فالسلاح موجود، والمال كذلك، والتعبئة الخارجية أيضاً.

وكان الإقليم يُدار بإدارتين مختلفتين منذ بداية الحكم الذاتي الذي حصل عليه إقليم كردستان العراق عام 1992 وحتى عام 2006 عندما توحدتا. وبموجب ذاك النظام، أدار الحزب الديمقراطي الكردستاني محافظتي أربيل ودهوك، بينما أدار الاتحاد الوطني الكردستاني محافظة السليمانية، وكأنهما في دولتين متجاورتين.

وتقول النائبة الكردية تافكة ميرزا إن الإقليم مهدد بالعودة إلى نظام الإدارتين، “فالمؤسسات التي تُدار من قبل أسر وأفراد متمسكين بالحكم، لا يمكن أن تنتج دولة حقيقية، بل صراعات محتدمة، ونتمنى أن لا يعود الحال إلى ما كان عليه في تسعينيات القرن الماضي”.


المصدر: رصيف 22