مصر والصراع الإقليمي: من يكسب الرهان على الطبقة الوسطى؟

مصر والصراع الإقليمي: من يكسب الرهان على الطبقة الوسطى؟

د.أحمد موسى بدوي

الطبقة الوسطى هي بلا شك قاطرة التنمية في أي مجتمع من المجتمعات، والدولة التي تراهن على الطبقة الوسطى، غالباً ما يحالفها الفوز في صراعاتها الإقليمية، ومعاركها السياسية والاقتصادية والثقافية. ورغم وفرة الدراسات حول بنية الطبقة الوسطى المصرية إلا أنه من النادر وجود دراسات طبقية تضع مصر في مقارنة مع غيرها من البلدان غير العربية في الشرق الأوسط. وفي هذه الدراسة سوف نتعرف على المتغيرات الديموجرافية والثقافية والاقتصادية المحددة لحجم الطبقة الوسطى في كل من مصر وتركيا وإيران وإسرائيل، وقد اعتمدنا على التقارير الحديثة لمنظمة العمل الدولية واليونسكو والأجهزة الإحصائية الوطنية.

أولاً- الخصائص الديموجرافية المؤثرة في تركيب الطبقة الوسطى

1- معدل النمو السكاني ومتغير الريف- الحضر

يظهر من جدول (1) أن مصر وإيران وتركيا يمتلكون ميزة نسبية في حجم السكان، حيث تحتل مصر المرتبة الخامسة عشر عالمياً، ثم تركيا وإيران في المرتبتين السابعة عشر والثامنة عشر عالمياً. بينما تبقى إسرائيل ضمن الدول الصغيرة سكانياً، بفارق كبير. لكن الميزة النسبية إذا ارتبطت بمعدلات نمو سكاني عالية، تتحول إلى نقطة ضعف تلتهم الموارد الاقتصادية.

جدول (2) سكان مصر والبلدان غير العربية  وفق التوزيع الحضري الريفي ومعدل النمو تقديرات عام2015
الدولة مجموع السكان بالمليون حضر

%

ريف

%

معدل النمو السكاني%
مصر 84.62 56.7 43.3 2.52
تركيا 76.6 73.3 26.7 1.22
إيران 79.4 73.4 26.6 1.29
إسرائيل 7.9 92 8 1.59

 

وفي هذا الإطار، نجد أن إيران وتركيا وإسرائيل نجحت في ضبط معدل النمو السكاني وخفضه إلى أقل من المعدل العالمي، بينما أخفقت مصر في سياسات الحد من النمو السكاني، ما يفرض صعوبات وتحديات على الدولة في توفير الخدمات اللازمة لاستيعاب السكان الذين يزدادون سنوياً بهذا المعدل المرتفع. وعليه فإن القوة البشرية في الحالة الإيرانية والتركية، تعد قوة رشيقة قادرة على تعظيم القدرات الاقتصادية، في حين أن القوة البشرية الهائلة في مصر (95 مليون نسمة الآن)، مثقلة بمعدل إعالة اجمالي كبير( تحسب الإعالة الكلية بعدد السكان تحت 15 عام، وفوق 65 عام بالنسبة لعدد السكان في سن العمل) يرهق قوة العمل من جهة، ويقلل من جودة الحياة، ويزيد أعباء الدولة من جهة أخرى، وخاصة في مجالات البنية الأساسية وقطاع الخدمات الاجتماعية.

أما توزيع السكان وفق متغير الحضر- الريف، فيعد أيضاً من المؤشرات الهامة المساعدة على فهم طبيعة التركيب الطبقي لأي مجتمع، فمن المعلوم أن التجمعات الخدمية والصناعية الحديثة تتركز داخل وحول المناطق الحضرية، وكلما زادت نسبة سكان الحضر، كلما حدث توسع وزيادة في حجم الطبقة الوسطى. وبناء على البيانات الواردة في جدول (1) يتضح أن تركيا وإيران وإسرائيل يمتلكون ميزة نسبية قوية عن مصر، حيث تتراوح نسبة السكان في الحضر في تلك البلدان بين 73% الى 92%، وتقل نسبة سكان الحضر في مصر عن البلدان الثلاثة بفارق ثلاثة عشر نقطة مئوية، ما يعني احتمال انخفاض حجم الطبقة الوسطى في مصر عن كل من تركيا وإيران وإسرائيل.

 2- التوزيع العمري للسكان:

بيانات التوزيع العمري للسكان تقربنا قليلاً من فهم ملامح التركيب الطبقي في البلدان المذكورة. فكلما ارتفعت نسبة السكان في الفئة العمرية (15-64عام) تنخفض نسبة الإعالة الكلية، وتنخفض تكاليف الخدمات المقدمة  للفئات غير القادرة على العمل (أقل من 15عام، وفوق 65 عام)، أما في حال ارتفاع نسبة الفئة العمرية غير القادرة على العمل، مصحوباً بعدم قدرة الدولة على تدبير الموارد للصرف على الخدمات، فإن المردود المباشر لذلك هو تدهور خدمات التعليم وارتفاع نسبة الأمية، وانخفاض الحجم الكلي للطبقة الوسطى.

ويتضح من جدول(2) أن التوزيع العمري لسكان إيران وتركيا وإسرائيل، يقدم لهذه البلدان ميزات نسبية قوية مقارنة بمصر، حيث نجد أن نسبة السكان أقل من 15 سنة في إيران وتركيا وإسرائيل، تنخفض عن المعدل العالمي لهذه الفئة العمرية لتصل الى أقل 30% من جملة السكان. بينما ترتفع مصر عن المعدل العالمي، وارتفاع نسبة هذه الفئة العمرية في مصر، يعني انخفاض في الفئة العمرية القادرة على العمل (15-64عام) ما يعطي ميزة نسبية أخرى لبلدان إيران وتركيا وإسرائيل على مصر.

جدول (2) سكان مصر والبلدان غير العربية في الشرق الأوسط وفقاً للتركيب العمري تقديرات 2015
الدولة مجموع السكان

(مليون نسمة)

التركيب العمري %
0-14 15-64
مصر 84.62 31.1 64.5
تركيا 76.6 24 67.8
إيران 79.4 23.4 70.9
إسرائيل 7.9 27.9 61.2

 

ثانياً- متغيرات التعليم والأمية

نتناول في هذا الجزء، معدلات الأمية في الفئة العمرية فوق 15سنة، وكذلك معدلات الأمية للفئة العمرية الشابة (15-24 عام)، لما لهذين المتغيرين من تأثير مباشر في التعرف على الشرائح المرشحة للبقاء ضمن الطبقة العاملة والفلاحية. كما سوف نتناول البيانات الإحصائية الخاصة بمعدل القيد الصافي في المرحلة الأساسية والمرحلة الثانية، ومن خلاله نستطيع التعرف على الشرائح المرشحة للدخول ضمن شرائح الطبقة الوسطى في المستقبل.

1- معدل الأمية

يتضح من جدول (3) أن تركيا وإيران وإسرائيل يتفوقون جميعاً وبفارق كبير عن مصر في انخفاض معدل أمية السكان فوق 15 عاما، أما أمية  الشباب (15-24عام) فلم تتجاوز النسبة 2% من جملة هذه الفئة العمرية. ما يقدم لنا ثلاث استنتاجات مبدئية، الأول: أن الدول الثلاث لديها سياسات وبرامج قوية لمحو أمية الكبار، الثاني: أن هذه الدول تمتلك تعليم قبل جامعي عالي الجودة قادر على خفض النسبة لتصل للمعدلات العالمية. الثالث: أن هذه الدول تمكنت من التغلب على المشكلة المزمنة الخاصة بتعليم الاناث. وعليه فإننا نتوقع أن يكون هذا العامل مؤثر بشكل أساسي في تركيب الطبقة الوسطى. وعلى العكس نجد أن مصر لم تنجح في تطبيق برامج فعالة لمحو أمية الكبار، ما أدى إلى ارتفاع نسبة الأمية بين الكبار إلى 27% من جملة السكان فوق 15 عام، مع ارتفاع نسبة الأمية بين الإناث الى 34%. بينما يتضح أن مشكلات التعليم قبل الجامعي في مصر، وتدهور الأحوال الاقتصادية، أدى إلى رفع معدل أمية الشباب الى أكثر من 10%.

جدول(3) معدل الامية في مصر والبلدان غير العربية (2014-2015)
الدولة نسبة الأمية في الفئة العمرية فوق 15 عام نسبة أمية الشباب

(15-24عام)

ذكور اناث جملة ذكور اناث جملة
مصر 20.6 34.5 27.55 8.4 12.2 10.2
تركيا 1.3 7.1 4.2 0.85 0.2 0.52
إيران 8.9 16.9 12.9 1.73 2.23 1.97
إسرائيل 5.04 11.33 8.24 0.95 1.95 1.44

 

2- معدل القيد الصافي بالتعليم قبل الجامعي

يعرف معدل القيد الصافي بعدد الطلاب المقيدين في مرحلة تعليمية بشرط أن يكون الطالب في سن التعليم الرسمي لهذه المرحلة، وهو من المؤشرات الإحصائية الهامة للتعرف على ملامح الطبقة الوسطى في المستقبل القريب، وخاصة معدل القيد الصافي في المرحلة الثانوية.

يتضح من جدول (4) ارتفاع معدل القيد الصافي في مرحلة التعليم الأساسي في كل من إيران وتركيا وإسرائيل ومصر، إلى ما يقرب من 95% وهي نسبة مرتفعة، غير أن هذه الدول تمتلك ميزة نسبية عن مصر، بسبب انخفاض معدل القيد الصافي للإناث في مصر الى 90%، ما يعني وجود 10% من الاناث في عمر المرحلة الأساسية خارج منظومة التعليم.

وتظهر قدرة الدولة على تهيئة تعليم قبل جامعي مستمر وجيد، بقياس معدل القيد الصافي في المرحلة الثانوية، وهنا يظهر تفوق إسرائيل وتليها إيران وتركيا، فنسبة المقيدين لا تقل عن 80% ، تصل إلى أكثر من 96% في إسرائيل، ما يعني أن هذه النسبة مرشحة بعد إنهاء التعليم والحصول على فرصة عمل ملائمة للدخول ضمن شرائح الطبقة الوسطى. أما مصر فإن 68% من الفئة العمرية في عمر المرحلة الثانوية هم فقط المنتظمون رسمياً في التعليم، ما ينعكس سلبا على خصائص الطبقة الوسطى مقارنة بهذه الدول، فالمفترض بناء على هذا المتغير فقط أن ينخفض حجم الطبقة الوسطى في مصر بمقدار 12 نقطة مئوية عن تركيا وإيران وإسرائيل.

جدول (4) معدل القيد الصافي في المرحلة قبل الجامعية في مصر والبلدان غير العربية (2014-2015)
الدولة – المجموعة الاقليمية المرحلة الاساسية المرحلة الثانوية
ذكور اناث جملة ذكور اناث جملة
مصر 96.4 90.7 95.6 69 67 68
تركيا 94.5 95.2 94.9 79.4 80.2 79.8
إيران 99.1 99.5 99.3 80.3 81.1 80.7
إسرائيل 96.2 97.2 96.7 96 96.6 96.3

 

ثالثاً- خصائص قوة العمل المؤثرة في تركيب الطبقة الوسطى

ويظهر من جدول (5) أن إسرائيل تملك عدة ميزات نسبية، فلديها أكبر نسبة قوة عمل مقارنة بحجمها السكاني، وأكبر نسبة نساء عاملات، وأقل معدل للبطالة، تليها تركيا ثم مصر، وتأخرت إيران إلى المرتبة الرابعة، لأن لديها مشكلة ثقافية واجتماعية في تشغيل النساء. وعلى مستوى قوة العمل الكلية فإن الميزة النسبية لتركيا التي تملك ما يقرب من 26 مليون عامل بعد خصم العاطلين عن العمل، تليها مصر ثم إيران ثم إسرائيل.

جدول(5) توزيع القوى العاملة لسكان مصر والبلدان غير العربية 2015
الدولة مجموع السكان

(مليون)

الفئة العمرية (15-64)

(مليون)

القوة العاملة من جملة السكان (مليون) القوة العاملة بالنسبة للفئة العمرية 15-64 حصة النساء من حجم القوة العاملة    % معدل البطالة

%

قوة العمل   بخصم العاطلين

(مليون)

مصر 84.62 54.6 27.7 50.7 24.1 13.2 24.0
تركيا 76.6 57.9 29.7 51.3 31.1 12.6 25.9
إيران 79.4 55.9 24.6 44.1 13.2 11.1 21.9
إسرائيل 7.9 5.0 3.8 75.4 47 5.9 3.6

 

رابعاً- توزيع القوى العاملة وفقاً للقطاعات الاقتصادية

توزيع القوة العاملة على القطاعات الاقتصادية المختلفة، من المؤشرات التي تعطينا صورة كيفية أيضاً عن التركيب الطبقي لبلدان الشرق الأوسط، فمن المعروف أن التركيب الطبقي الحديث يتشكل من خلال العاملين والمالكين في قطاعي الصناعة والخدمات، ويبقى القطاع الزراعي في بعض البلدان مصدراً لنشأة الطبقة الوسطى الزراعية وشرائح العمال المشتغلين بالزراعة أو الرعي أو صيد الأسماك. ومن المهم أن يحدث توازن في توزيع القوة العاملة على القطاعات الاقتصادية، وهناك خطورة من تركز القوة العاملة الحديثة في قطاع الخدمات على حساب القطاعين الزراعي والصناعي، لأن قطاع الخدمات الاجتماعية، كخدمات الصحة، المرافق والاسكان، التعليم، رعاية الشباب، ومختلف الخدمات الحكومية، الخ، تقتات – ان صح التعبير-  على ما تقدمه باقي القطاعات. وعندما يتدهور الانتاج السلعي الزراعي والصناعي، أو الانتاج الخدمي، فلن يستطيع قطاع الخدمات الاجتماعية  مع الوقت استيعاب النمو السنوي في القوة العاملة، أو حتى الوفاء بالاحتياجات المجتمعية.

يظهر من جدول (6) أن تركيا تمتلك بفارق كبير ميزة نسبية قوية في توزيع القوة العاملة على القطاعات الاقتصادية، حيث يتسم التوزيع بالتوازن ويظهر فيه التفوق التركي في قطاع الصناعة، ورشاقة قطاع الخدمات، بالإضافة إلى حصة لا تقل عن 20% للقطاع الزراعي. بينما يغلب الطابع الخدمي في توزيع القوة العاملة في إيران وإسرائيل ومصر، وإن تميزت إيران في القطاع الصناعي بفارق خمس نقاط مئوية عن كل من مصر وإسرائيل. ربما يعود هذا التميز الى الصناعات البتروكيماوية في إيران.

جدول(6) توزيع القوى العاملة لسكان مصر والبلدان غير العربية وفقاً للقطاعات الاقتصادية
الدولة قوة العمل الفعلية (مليون) توزيع القوة العاملة على القطاعات الاقتصادية %
  قطاع الزراعة   قطاع الصناعة   قطاع الخدمات
مصر 24.0 23.4 12.2 64.4
تركيا 25.9 20.6 27.2 52.2
إيران 21.9 18 17.5 64.4
إسرائيل 3.6 1.1 12.8 86.1

 

خامساً- الطبقة الوسطى وفقاً لتوزيع المهنة

في الأجزاء السابقة من الدراسة حاولنا الاقتراب من سمات وملامح التركيب الطبقي في الشرق الأوسط، ونحاول فيما يلي التعرف على حجم الطبقات، وإذا اعتمدنا التقسيم الطبقي الكلاسيكي (الطبقة العليا، الطبقة الوسطى، الطبقة العاملة، الفئات اللاطبقية)، فإن حساب الطبقة العليا يحتاج إلى أدوات منهجية أخرى، ولكننا مبدئياً سوف نعطي قيمة افتراضية لهذه الطبقة، والتي لا تزيد وفقاً للدراسات العالمية عن 2% من السكان. وسوف نقصر الفئات اللاطبقية على العاطلين عن العمل، على الرغم من وجود فئات لا طبقية كادحة تعمل أعمال موسمية ولكن هذه الفئات أيضاً تحتاج إلى أدوات منهجية خاصة.

تقدم لنا تقارير منظمة العمل الدولي، وتقارير الإحصاء الوطنية، توزيع القوة العاملة وفق المهنة، وقد قمنا بحساب الطبقة الوسطى بناء على هذه المهن، بحيث تضم مهن الطبقتين المركزية والوسطى، أصحاب المناصب العليا في الدولة، وأصحاب الأعمال والشركات، والمشرعون والمدراء، والاختصاصيين والفنيين، والكتبة والعاملين في مجالات المحاسبة والبيع  والخدمات. وعند خصم 2% القيمة الافتراضية لحجم الطبقة العليا، يتبقى لنا الحجم الكلي للطبقة الوسطى, في حين أن البيانات في هذه التقارير تتضمن بدقة حجم الطبقة العمالية والفلاحية: وهم المشتغلون  بالزراعة والرعي وصيد الأسماك، ومشغلو الآلات، وعمال الخدمات والنقل، واصحاب الحرف، وأصحاب المهن البسيطة.

يتضح من  جدول (7) أن حجم الطبقة الوسطى في إسرائيل يوفر  لها ميزة نسبية على مصر وتركيا وإيران، وقوة الطبقة الوسطى في إسرائيل يرتبط بثلاثة أمور: الأول الانخفاض الكبير في حجم الطبقة العاملة الزراعية، حيث لا تمثل سوى 1,1% من القوة العاملة الإسرائيلية، والثاني ارتفاع مستوي القيد في المرحلة الثانوية، والانخفاض الحاد في معدل الأمية، والثالث: انخفاض معدل البطالة بحيث لم يتجاوز 6%. هذه الأوضاع تؤدي مجتمعة إلى ارتفاع حجم الطبقة الوسطى الإسرائيلية لتصل إلى 67% من السكان.

جدول (7) التركيب الطبقي  في مصر والبلدان غير العربية وفقاً لمهن قوة العمل
الدولة القوة العاملة

(مليون)

الطبقة المركزية المتحكمة

(افتراضي)(%)

المشتغلون بمهن شرائح الطبقات الوسطى   (%) المشتغلون بمهن الطبقة العاملة   (%) الفئات اللاطبقية

%

مجموع النسب

 

مصر 27.7 1.7 31.1 53.8 13.4 100
تركيا 29.7 1.7 45.9 39.6 12.8 100
إيران 24.6 1.8 43.1 44.2 11.0 100
إسرائيل 3.8 1.9 67.4 25.0 5.8 100

 

كما تمتلك تركيا ميزة نسبية في التوازن بين الطبقات يتسق مع البيانات السابقة الخاصة بتوزيع القوة العاملة على القطاعات الاقتصادية، لكنها تعاني من ارتفاع نسبة الفئات اللاطبقية العاطلين عن العمل، ويقترب حجم الطبقة الوسطى التركية من 45% من السكان. تليها إيران، التي تتساوى فيها الطبقتين الوسطى والعاملة تقريبا مع ارتفاع نسبي في الفئات اللاطبقية. أما مصر، فقد حدث فيها انكماش في حجم الطبقة الوسطى لعدة أسباب منها انهيار النشاط السياحي في الأعوام السابقة، وارتفاع معدل البطالة بين المتعلمين. فضلاً عن ارتفاع نسبة الأمية، وانخفاض نسبة القيد في المرحلة الثانوية مقارنة بتركيا وإيران وإسرائيل.

وبصفة عامة، فإن مصر تستطيع زيادة حجم الطبقة الوسطى بمقدار عشر نقاط مئوية، في حال تحسن الأحوال الاقتصادية ونمو سوق العمل، حيث أن الفئات اللاطبقية معظمها مرشحة للدخول ضمن الطبقة الوسطى في حال حصولها على فرصة عمل رسمية في القطاع الحكومي أو الخاص، حيث تشير بيانات منظمة العمل الدولية إلى أن 82% من العاطلين عن العمل من الحاصلين على الشهادة الثانوية وما فوقها. كما أن أعداداً كبيرة من المرشحين للدخول ضمن الطبقة الوسطى، يضطرون بسبب ندرة فرص العمل، إلى الانخراط في أعمال الطبقة العاملة في القطاع الصناعي وكذلك في قطاع الخدمات الانتاجية وخاصة السياحة. في حين أن تركيا وإيران تستطيعان زيادة حجم الطبقة الوسطى بمقدار يقترب من خمس نقاط مئوية، حيث أن 44% من العاطلين في تركيا و 46% من العاطلين في إيران من الحاصلين على الشهادة الثانوية وما فوقها. بينما فرص توسيع قاعدة الطبقة الوسطى في أثيوبيا محدود؛ لأن 15% فقط من العاطلين هم من الحاصلين على الشهادة الثانوية وما فوقها.

سادساً- نقاط القوة في المتغيرات المؤثرة في حجم الطبقة الوسطى

أدرجنا في جدول (8) ترتيباً للدول الأربعة بناء على نقاط القوة التي سبق عرضها في الدراسة لكي نعطي للقارئ صورة اجمالية، لأن الرهان على الطبقة الوسطى يجب ان يرتبط بتحسين نقاط الضعف في كافة المتغيرات الديموجرافية والثقافية والاقتصادية. ويتضح من الجدول أن مصر حلت في المركز الأول في حجم السكان فقط، ثم حلت في المرتبة الثالثة، في متغير نسبة السكان في عمر العمل، ونسبة النساء في قوة العمل، ثم  تقهقرت للمركز الرابع في بقية المتغيرات. والترتيب العام لنقاط القوة وفقاً لهذه المتغيرات يبدأ بتركيا ثم إسرائيل ثم إيران وينتهي بمصر.

جدول (8) ترتيب البلدان بحسب نقاط القوة في التركيب الطبقي والمتغيرات المؤثرة فيه
ترتيب الدول وفقاً لنقاط القوة حجم السكان

تنازلي

سكان الحضر تنازلي الفئة العمرية (15-64) تنازلي معدل  النمو السكاني تصاعدي أمية النساء فوق 15عام تصاعدي أمية كلا الجنسين فوق15عام تصاعدي القيد الصافي في المرحلة الثانوية تنازلي حصة النساء في قوة العمل تنازلي العاملين في قطاع الصناعة تنازلي حجم الطبقة الوسطى تنازلي الترتيب وفق دليل التنمية البشرية   تصاعدي
1 مصر إسرائيل إيران تركيا تركيا تركيا إسرائيل إسرائيل تركيا إسرائيل إسرائيل
2 إيران إيران تركيا إيران إسرائيل إسرائيل إيران تركيا إيران تركيا تركيا
3 تركيا تركيا مصر إسرائيل إيران إيران تركيا مصر إسرائيل إيران إيران
4 إسرائيل مصر إسرائيل  مصر مصر مصر مصر إيران مصر مصر مصر

 

وعود على بدء، فإن مصر وفقاً للحقائق والبيانات الواردة في هذه الدراسة، تحتل موقعاً متخلفاً عن تركيا وإيران وإسرائيل في خصائص الطبقة الوسطى وغالبية المتغيرات المؤثرة فيها، وبما أن الطبقة الوسطى هي قاطرة التنمية في المجتمعات الحديثة والتي يمكن أن توفر للدولة قوة رمزية ومادية، فإن توازن القوى بناء على التركيب الطبقي ليس في صالح مصر. وبطبيعة الحال فإن تغيير هذا التوازن لا يرتبط فقط بإعادة التفكير في تغيير المعادلات الاقتصادية وانما السياسية والثقافية والاجتماعية التي تعيد الاعتبار للطبقة الوسطى لكي تمارس دورها في التنمية المستدامة، ليصبح الرهان عليها رهان رابح.