البحث عن الطاقة ح2 1-1-

البحث عن الطاقة ح2 1-1-

الفناء : كلما تعمق اكثر , وتوسعت تجاربه , اصطدم بحاجز الموت من أي جهة سار فيها , وأعتقد جزئيا ان فيه الفناء , ونهاية الطريق , او الطريق المسدود , الطريق الذي تتساقط وتتوقف عنده كل الآمال والاطماع الطموحة. لذا اعتبر ان عودة الجسد الى الارض بعد الموت هو شكل من اشكال الاتحاد مع الطبيعة , حيث عودة الجزء الى الكل , هكذا تتكامل دورة الحياة , فيتحول الجسد الى مادة تؤكل من قبل الحشرات والبكتريا الى ان يتلاشى بالكامل , ويختفي عن الوجود , فاسحاً المجال الى مخلوق بشري اخر يحل محله . 1- لا يتوقف الامر فيما تقدم , بل استمر بالبحث عن متعة (طاقوية) ليست محدودة , لا تنتهي ولا يوقفها شيء , متعة خالية تماما من كل المنغصات مهما كانت صغيرة وتافهة . بعد ان ادرك الجسد انه لا يمكنه من الوصول اليها , عاد الى ذاته , والطاقة الكامنة فيه , الروح , فسلمها الادارة واصدار الاوامر , وترك لها الخيار في البحث عن الغاية المنشودة : 2-1- الالهة : فطريا , أدرك وجود قوة لا متناهية في الكون , مهيمنة على كل شيء , طاقاتها لا تنفد , وعطاءها غير محدود , فلو استطاع التوصل اليها والاندماج معها لتخلص من مشكلة الفناء التي يواجه , ونال صفة الخلود التي ينشد , فشرع بالبحث عن “الإله” في محورين : 2-1-1- الاله كما أعتقد : أختلف في اعتقاده بالإله من جيل الى جيل ومن قوم الى قوم , فرأى في ذلك عدة آراء منها : 2-1-1-1- أعتقد ان الإله طاقة ايجابية لا تشوبها شائبة , لذا توجه لها بالعبادة , مستزيدا منها بتزلفه الى الاله , وكان فيما أعتقد ان الجهة المخالفة للإله هي مصدر الطاقة السلبية المتمثلة بالشيطان. لابد ان يكون الاله قادر ومقتدر , بقدرته خلق الطاقة الايجابية , ووزعها في الكون الفسيح . 2-1-1-2- أعتقد ان الاله لا ينبغي الا ان يكون طاقة سلبية , فالطاقة الايجابية لطيفة ونافعة في جميع الظروف , وهي مصدر الخيرات والبركات , اما الطاقة السلبية فهي ضارة وفيها المنغصات والعقوبات , فمن عصاها تنزل فيه العقاب الذي قد يكون شديدا حسب نوع الجرم , لذا أعتقد انه بعبادته للطاقة السلبية يكون قد استكفى شرها وضرها . طالما وان الاله قد خلق الطاقة الايجابية , فلابد ان ينبثق منها او من زاوية من زوايا الكون طاقة معاكسة لها , تمثل الفيض او فرط الطاقة الايجابية , كما هو الحال في الفيض المغناطيسي المتولد نتيجة سريان التيار الكهربائي في الاسلاك الناقلة للتيار , او كما هو الحال في الفيض المغناطيسي حول حجر المغناطيس , لكي يتوازن الكون توجب توفر قطبين , طالما هناك قطبا للطاقة الايجابية , فلابد ان يكون هناك قطبا للطاقة السلبية , وبعبارة اخرى , أينما وجدت الطاقة الايجابية في مكان ما , ظهرت طاقة سلبية في مكان اخر , وهو مصداقا لقولك “لا توجد نعمة دائمة , ولا توجد نقمة دائمة” , لا الخير يدوم ولا الشر يدوم , انما هي تناوب بين الامرين. وربما كانت الطاقة السلبية غير موجودة بالفعل , او ليس لها وجود حقيقي , لكنها تظهر كنتيجة لانعدام الطاقة الايجابية , كما النور والظلام , حيث ان النور له وجود , اما الظلام فليس له وجود , او وجوده غير حقيقي , لكنه يظهر بسبب انعدام النور , فيكون مصيره مرتبط بخفوت ضده . 2-1-1-3- ينبغي للإله ان يجمع الطاقتين (الايجابية والسلبية) معا , فبالإيجابية يثيب ويحسن الى المحسنين , وبالسلبية يعاقب المسيئين . من هذه المنطلقات , شرع وجد في البحث عن الاله المفترض , معتمدا على نفسه من اجل معرفته وايجاده , دون الحاجة الى مرشد او دليل , مكتفيا بخبراته وطاقته العقلية المحدودة , فسار في عدة طرق : أ‌) الطريق الاول (عباد الافلاك) : أعتقد ان الاله يجب ان يكون بعيدا جدا , لا ينال بالأيدي , ولا يمكن الوصول اليه بالأقدام او على ظهور الدواب , فتوجه نحو الفضاء “الفلك” , بعضهم عبد الشمس , وبعضهم اختار القمر , وأخرون اختاروا النجوم , ولكل فلسفته الخاصة التي خطتها ايدي الكهنة , عبدوا الشمس لأنها تشرف على رعاياها في النهار , ثم تخلد للراحة في الليل , وعبدوا القمر لأنه يشرف على عباده في بعض الليالي بينما يعتكف في ليال اخرى , كما وأن الشمس تمثل حاجبه ووزيره , وعبدوا النجوم لبعدها , فكلما كان الاله ابعد كان مستحقا للعبادة دون غيره , مع لحاظ ان الههم لابد له من راحة واعتكاف , فكانت راحة النجوم في النهار كما ظنوا. ب‌) الطريق الثاني (عباد الضخامة) : اعتقد اصحاب هذا الطريق ان الاله لابد ان يكون قريبا منهم , يمكنهم لمسه والوصول اليه مشيا او على ظهور الدواب , لكن ينبغي ان يكون هذا الاله كبير الحجم , كي يستوعب كثرتهم , وايضا يمكنه ان يشرف عليهم رغم بعد المسافات. ت‌) الطريق الثالث (عباد الاحجام الصغيرة): اصحاب هذا الطريق اختاروا لأنفسهم آلهة صغيرة الحجم , واعتقدوا ان الاله ينبغي ان يكون صغيرا , حيث ان الامور العظام تبدأ من الصغر , او ان الصغر كان هو بداية لكل شيء كبر حجمه , فالجبل تكون من صخور واحجار صغيرة , والبحر كان نهرا والنهر كان قطرة , وهكذا. ث‌) الطريق الثالث (عباد الجعل “التصنيع”) : أصحاب هذا الطريق اختاروا لأنفسهم طريقة الصنع , أي صنع الالهة من الحجر والخشب وغيرها من المواد , فنحتوها على اشكال معينة , قد تكون بشرية او حيوانية او خرافية , واعتقدوا انها بحد ذاتها جوفاء , لكن روح الالهة سوف تحل فيها وتسكنها , الامر الذي اعتقدوا به انها مستحقه للعبادة من اجله “على حسب بعض الديانات الوثنية” . ج‌) الطريق الرابع (عباد الطبيعة) : اعتقد وظن هؤلاء ان الطبيعة هي الرب , او ما ينبغي التوجه اليه بالعبادة , لسببين او اكثر : ج)1- الطبيعة اوجدت الانسان , او الانسان وجد نفسه في احضان الطبيعة , فلابد ان تكون هي امه التي ولدته. ج)2- الطبيعة هي التي احتضنت الانسان وربته وغذته حتى ترعرع ونضج بين ثناياها. ح‌) الطريق الخامس (عباد الفلسفة) : عباد الفلسفة تفلسفوا وعبدوا نتاج فلسفتهم التي ظنوها هي الافضل والاجدر بالعبادة والتوجه , تفلسفوا في الافعى , وجعلوها رمزا للحكمة , فعبدوها كإله للحكمة والطب , وهكذا . خ‌) الطريق السادس (عباد الرموز): هؤلاء اختاروا رموز قومهم , فأنزلوهم منزلة الالهة , وهم على صنفين : 1- صنف جمع الدين والسياسة : حيث احتفظ الملك او الشيخ بمنصب الالهة وكذلك أحتفظ بزعامة القوم , أي جمع السلطتين معا الدينية والسياسية , ذلك قد يستحيل , فأن برع في سلطة ما لابد وان يقصر في السلطة الاخرى , كفرعون مثلا , حيث جمع السلطتين معا السياسية والدينية , فبرع في الاولى , لكنه تخبط في الثانية , كما يخبرنا القرآن الكريم ساخرا من ربوبيته المزعومة {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ }”4″ , أبطلت هذه الآية الكريمة ربوبية فرعون وسخرت منها في ثلاثة موارد : أ‌) الرب لا ينام , وان نام فقد غفل عن رعيته . ب‌) الرب لا يرى الرؤية , بل الحقيقة ماثلة امامه . ت‌) الرب لا يحتار في شيء , فكيف بك اذا احتار الرب في تعبير رؤيا ما على بساطة الامر , لجأ الى القوم لعلهم يعبرونها له , وهم الرعية المربوبين وهو الرب المفترض. مع ذلك , لم يفكر القوم بمصداقية ربوبية فرعون , وهو من جانبه لم يفكر ببطلان دعوته بالربوبية. 2- صنف فصل الدين عن السياسة: في هذه الصنف , أحتفظ الزعماء بمناصبهم السياسية وأوكلوا مهمة الربوبية الى شخص اخر , الذي ينبغي ان ينسجم مع السلطة السياسية ويؤيدها في كل الاحوال والظروف . د‌) الطريق السابع (عباد الملائكة والجن والشياطين): أعتقد ارباب هذا الطريق على وجوب خفاء الرب عن الانظار , فهو يرى رعاياه من حيث لا يرونه , فكانوا في محورين : 1) صنف عبدوا الجن والشياطين : حيث ألتمسوا فيهم القوى والسحر والشعوذة. 2) صنف عبدوا الملائكة : حيث التمسوا فيهم النورانية , واعتقدوا انهم الموصلين الى القوى السماوية الهائلة , لكنهم ألبسوا الملائكة صفتين غير لائقتين بهم ( الانوثة والضعف) . ذ‌) الطريق الثامن (عباد الهوى) : اتباع هذا الطريق على شاكلتين : 1- بعضهم سار وفقا للقاعدة التي تقول (ان كنت في روما , فأفعل كما يفعل الرومين) , أن عبدوا إلها ما , أعبده انت ايضا , فأينما حللت في مدينة او قرية , فأعبد الرب الذي يعبده سكانها . 2- والبعض الاخر سار وفقا الى اهواءه وظنونه في اختيار الاله , فتارة يعبد شيء ما , ثم يعدل عنه الى إله اخر حسب ما تمليه عليه اهواءه تارة اخرى . ر‌) الطريق التاسع (تثنية الالهة “الثنوية”) : اعتقدوا ان هناك إلهين , إله للخير وإله للشر , او إله للنور وإله للظلام . ز‌) الطريق العاشر (تعدد الالهة) : اتباع هذا الطريق جمعوا الطرق السابقة جميعها , وقالوا بتعدد الالهة , فاتخذوا وجعلوا لكل شيء إله او إلهين , إله للخير وإله للشر لكل مادة في الكون , وهكذا بلغ عدد الهتهم المليارات , كديانة الشنتو . مع كل ذلك , أستمر في تفكيره وتعمقه في تجريد الحقيقة , فأكتشف : 1- ان الانسان هو الانسان , في مشارق الارض او مغاربها , فلماذا هذا الاختلاف في الالهة المختارة ؟ . 2- جميع الالهة المجعولة تلك وان حظيت باحترام القوم , الا انها لا تحظى باحترام غيرهم , ان خشوها هم , فلا يخشاها الاخرون . ذلك وأكثر دفعه للتفكير بطرق مختلفة , حتى رست به سفينة الافكار في ميناءين: الاول/ الالحاد : رأى ان كثرة الالهة دليلا على عدم وجودها الا في مخيلة اتباعها , فأنكرها جميعا جملة وتفصيلا . الثاني/ وحدة الإله : أعتقد بضرورة ان يكون هناك إله واحدا فقط , لا غير , في هذا الكون , لا ينبغي ان يكون له ولد او شريك , وهذا ما جاءت به الديانات السماوية الحقة , وهو يمثل الطريق الحادي عشر (الديانات السماوية) , حيث ليس للمرء فيها حرية اختيار الإله او ان يبث كيفما شاء في شأنه , الإله واحد وأرسل رسله للبشر معلمين ومرشدين ومبشرين بالثواب ومنذرين بالعقاب , كثرة الرسل والانبياء “ع” دلّت على وحدة الخالق , ووحدة الكون دلّت على وحدته ايضا . 2-1-2- اله المصلحة : شرع لنفسه آلهة خاصة في محورين : 2-1-2-1- إله لطلب منفعة: لجلب الخير والخصب والنماء , يستنزل به الغيث للزرع , ويسد به رمقه , ويقضي له حوائجه . 2-1-2-2- إله لدفع مضرة: خوفا من تقلبات الطبيعة , جعل لكل ظاهرة مرعبة إله , ظنا منه ان ذلك الإله سوف يكفيه شرها , كإله للرياح يتوسل به عندما تشتد وتهتاج فتصبح خطرة عليه وعلى ممتلكاته , وإله للبحر او للنهر يمنع الفيضان , وإله للمطر يتوجه اليه عندما تكون الامطار غزيرة الى درجة انها تلحق به الضرر , وهكذا , فقدم القرابين تزلفا لتلك الإلهة المجعولة . *** يتبع ان شاء الله حيدر الحدراوي