وسائل حماية المستهلك الالكتروني في الفقه الاسلامي والقانون

وسائل حماية المستهلك الالكتروني في الفقه الاسلامي والقانون

دراسة تحليلية مقارنة

تأليف

رزاق مخور داود الغراوي

الباحث في العلوم الاسلامية

1438هـ – 2017م

الوصف: C:UserspcDesktopزخارفimages (12).jpg

)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ    ولا تقتلوا أنفَسكُم إنَّ الله كانَ بكم رحيماً(

صدق الله العلي العظيم

                                      سورة النساء آية (29)

إهداء

الى مَن اقتدوا بنهضة سيد الشهداء وأهل بيته وأصحابه “عليهم السلام”

الذين استرخصوا دماؤهم  في الدفاع عن المقدسات ،فاثبتوا أنهم بحق أنصار الأمام الحسين “عليه السلام “.

اولئك الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله تعالى عليه،

 شهداء الحشد الشعبي ،الذين هم” أكرم منا جميعاً”.

اهدي هذا الجهد المتواضع.

المؤلف

محتويات البحث

الموضوع

الصفحة

المقدمة

1-11

أولاً: فكرة البحث

2

ثانياً:تساؤلات البحث

3

ثالثاً: أهمية البحث

3

رابعاً: أهداف البحث

3

خامساً: نطاق البحث

4

سادساً: منهج البحث

5

سابعاً: دراسات سابقة

5

ثامناُ: خطة البحث

10

مبحث تمهيدي للكتاب

تطور وسائل حماية المستهلك في الفقه الاسلامي والقانون

12-36

المطلب الأول: تطور وسائل حماية المستهلك في الفقه الاسلامي

13

المطلب الثاني : تطور  وسائل حماية المستهلك في القانون

28

الفصل الأول

مفهوم المستهلك والعقود في التجارة الالكترونية

في الفقه الاسلامي والقانون

37-85

المبحث الأول:مفهوم المستهلك في الفقه الاسلامي والقانون

39

المطلب الاول:مفهوم المستهلك في الفقه الاسلامي

40

الفرع الاول:المستهلك وحمايته في الاستعمال القرآني والسنة النبوية

40

الفرع الثاني:تعريف المستهلك

43

الفرع الثالث:شروط اكتساب صفة المستهلك

46

المطلب الثاني:مفهوم المستهلك في القانون

46

الفرع الاول:تعريف المستهلك

46

الفرع الثاني: شروط اكتساب صفة المستهلك

49

المطلب الثالث:المقارنة بين مفهوم المستهلك في الفقه الاسلامي والقانون

49

المبحث الثاني: مفهوم العقد الالكتروني في الفقه الاسلامي والقانون

51

المطلب الأول: مفهوم العقد الالكتروني في الفقه الاسلامي

51

الفرع الأول: تعريف العقد الالكتروني

51

الفرع الثاني : أركان العقد الالكتروني

52

الفرع الثالث: مجلس العقد

60

المطلب الثاني: مفهوم العقد الالكتروني في القانون

62

الفرع الاول: تعريف العقد الالكتروني

62

الفرع الثاني: خصائص العقد الالكتروني

63

الفرع الثالث: أركان العقد الالكتروني

66

الفرع الرابع : مجلس العقد

69

المطلب الثالث :مقارنة بين مفهوم العقد في الفقه الاسلامي والقانون

70

المبحث الثالث: مفهوم التجارة الالكترونية في الفقه الاسلامي والقانون

72

المطلب الأول: مفهوم التجارة الالكترونية في الفقه الاسلامي

73

الفرع الأول: مفهوم التجارة

73

الفرع الثاني: موقف الفقه الاسلامي من أنشطة التجارة الالكترونية

74

الفرع الثالث: آداب التجارة في الفقه الاسلامي

78

المطلب الثاني : مفهوم التجارة الالكترونية في القانون

79

الفرع الأول: تعريف التجارة الالكترونية

79

الفرع الثاني: خصائص التجارة الالكترونية

80

الفرع الثالث: أنشطة التجارة الالكترونية

82

المطلب الثالث:المقارنة بين مفهوم التجارة الالكترونية في الفقه الاسلامي والقانون

84

الفصل الثاني: وسائل حماية المستهلك في التجارة الالكترونية

في الفقه الاسلامي والقانون

86-158

المبحث الأول: الالتزام بالإعلام الالكتروني للمستهلك

في الفقه الاسلامي والقانون

88

المطلب الأول: الالتزام بالاعلام الالكتروني ومدى ارتباطه بخيار الوصف في الفقه الاسلامي

88

الفرع الأول: مفهوم الالتزام

89

الفرع الثاني: موارد العقود

90

الفرع الثالث: التفاوض قبل العقد وعلاقته بخيار تخلف الوصف

93

الفرع الرابع: الالتزام بتزويد المشتري(المستهلك) معلومات عن السلعة قبل التعاقد ومدى ارتباطها بخيار الوصف أو الرؤية

94

 الفرع الخامس: ضوابط شرعية لرفع الغرر والضرر عن المستهلك الالكتروني

98

المطلب الثاني: الالتزام بالإعلام الالكتروني للمستهلك في القانون

99

الفرع الاول: مفهوم الاعلام الالكتروني

100

الفرع الثاني: جزاء الاخلال بالالتزام بالإعلام الالكتروني

103

الفرع الثالث: شرعية الالتزام بالإعلام قبل التعاقدي وتمييزه عن الالتزام بالإعلام التعاقدي

103

الفرع الرابع: محل الالتزام بالاعلام الالكتروني

104

المطلب الثالث:المقارنة بين الالتزام بالاعلام في الفقه الاسلامي والقانون

107

المبحث الثاني: منح المستهلك خيار الرجوع في الفقه الاسلامي والقانون

107

المطلب الأول: منح المستهلك خيار الرجوع ومدى ارتباطه بالعقد غير اللازم في الفقه الاسلامي

108

الفرع الأول: تعريف العقد غير اللازم

108

الفرع الثاني: استخدام العقد غير اللازم كوسيلة لحماية المستهلك في عقود الاستهلاك الالكتروني

109

المطلب الثاني: منح المستهلك خيار الرجوع في القانون

113

الفرع الأول: مفهوم خيار الرجوع

115

الفرع الثاني: مجال تطبيق خيار الرجوع

119

الفرع الثالث: استثناءات ممارسة خيار الرجوع

120

المطلب الثالث:المقارنة بين خيار الرجوع في الفقه الاسلامي والقانون

120

المبحث الثالث: حماية المستهلك من الشروط التعسفية وعيوب الارادة في الفقه الاسلامي والقانون

121

المطلب الاول: حماية المستهلك من الشروط التعسفية وعيوب الارادة   في الفقه الاسلامي

122

الفرع الأول: حماية المستهلك من الشروط التعسفية

122

الفرع الثاني: حماية المستهلك من عيوب الارادة

129

المطلب الثاني: حماية المستهلك من الشروط التعسفية وعيوب الارادة

في القانون

143

الفرع الأول: حماية المستهلك من الشروط التعسفية

144

الفرع الثاني: حماية المستهلك من عيوب الارادة

147

المطلب الثالث:المقارنة بين وسائل حماية المستهلك من الشروط التعسفية وعيوب الارادة في الفقه الاسلامي والقانون

155

الخاتمة

159-161

المصادر والمراجع

162-180

الملحق

181

المقدمة

      إنَّ المحركَ الأساسي لأيّ تحّولٍ یشهده عالمنا المعاصر یقوم أساساً على المعرفة والتراكم العلمي بوصفهما الأساس المتین للتقدّم الاجتماعي والاقتصادي اللذین یشكلان حجر الزاویة لعملیة التقدم لأيّ مجتمعٍ، وفي إطار ذلك انطلقت في أواخر القرن الماضي ثورة جامحة وجدیدة في مسمّاها، وهي ثورة تكنولوجيا المعلومات.

    وقد أفرزت تلك الثورة تطورات لم یسبق لها مثیل في مختلف مجالات الحیاة المعاصرة، إذ أحدثت تغییراً في أسلوب الحیاة بالعمق والشمول والسرعة التي يشهدها العالم، وتفاعلت مع القطاعات والمؤسسات كافةً، فقد أدخلتنا إلى عصر العولمة و تدویل الإنتاج، و یعود الفضل في إحداث هذه الثورة إلى التزاوج الشهیر الذي تمَّ بین أنظمة الحوسبة وأنظمة الاتصالات وما نتج عنه، بما یعرف بـ”شبكة الإنترنت” .

    ونظراً للخصائص التي تتمتع بها “شبكة الإنترنت”، فإن ذلك جعلها قادرة على تقديم خدماتها إلى قسم كبير من فئات المجتمع المختلفة من حكومات ومؤسسات على اختلاف أنواعها وانتهاءً بالجمهور عامة، وهذا ما جعلها تشكّل ظاهرة تقنية واجتماعية وثقافية وتجارية.

      وقد كان لثورة تكنولوجيا المعلومات أثرٌ كبیرٌ على المعاملات التجارية، فقد ظهر مفهوم التجارة الإلكترونية التي تعرف بأنَّها “ممارسة النشاط والعمل التجاري عن بعد ومن خلال وسائل الكترونیة”، وهي تشمل بهذا المعنى الأنشطة التجارية بأنواعها المختلفة الموجودة في الوقت الحاضر وما یستحدث مستقبلاً، وتستوعب في الوقت نفسه أيَّ وسیلةٍ الكترونیة أخرى تبتكر في المستقبل بفعل التطور التكنولوجي ودون التقيد بوسيلة معینة فقط.

     ونظراً لإمكانية الدخول إلى الأسواق العالمية من خلال ما توفّره “شبكة الإنترنت” وبفضل التغلب على الحدود الجغرافية، و عامل الوقت الذي یقید في كثیر من الأحيان حركة التجارة التقليدية، الأمر الذي أدى إلى تحقيق عائد أكبر من الذي تحققه ممارسة النشاط التجاري بشكله التقليدي، وهذا الأمر قد حَّولَ العالم إلى سوق مفتوح أمام المشتري (المستهلك) للتسوق من أجل إشباع حاجاته من سلع وخدمات، من دون أن یكون هناك وجود مادي لطرفي العقد.

     ونجد ان الفقه الاسلامي لم يكن بمعزل عن هذه التطورات بل ان المعاملات في الفقه الاسلامي المعاصر وصلت إلى مرحلة قد واكبت التطور الهائل في مختلف العلوم الانسانية والحياتية، إذ تصدّى فقهاء الاسلام لمختلف المسائل والقواعد التي لها صلة في تكليف وعمل المسلم، من تكييف المصطلحات والمفاهيم لما يخدم المجتمع الاسلامي ووضع الأحكام وتبيين الحلال والحرام، مع جعل الوسائل والمعالجات وفق الاجتهادات الشرعية لكلّ مسألة، باعتبار ان المجتمع الاسلامي يختلف كثيراً عن المجتمعات الأخرى، -عقائدياً وعبادياً وأخلاقياً وثقافياً وحضارياً، لذلك بات من الضروري دراسة وبحث هذه المسائل المستحدثة التي ناقشها وبينها وعالجها الفقه الاسلامي لمعرفة مفاهيمها وأحكامها، ومن بين هذه المسائل حماية المستهلك في التجارة الالكترونية.

      وضعت القوانين الوضعية مجموعة من الوسائل والطرق لحماية المشتري (المستهلك) من تحكُّم البائع (المهني) في المعاملة إلاّ انَّها ظلت قاصرة عن تحقيق العدالة لطرفي المعاملة، في حين نرى ان الفقه الاسلامي قد ارسى الوسائل والقواعد الكفيلة لتحقيق العدالة لطرفي العقد وبصورة موضوعية.

      يُعنى هذا الكتاب بدراسة موضوع “وسائل حماية المستهلك الالكتروني في الفقه الاسلامي والقانون – دراسة تحليلية مقارنة-“، وجاءت منهجية البحث على وفق الآتي:

أولاً: فكرة البحث

    نظراً لوجودِ عقودٍ (معاملات) يتمُّ ابرامُها عبرَ “شبكة الانترنت” يكون أحد طرفيها المشتري (المستهلك) الذي يُعد الطرف الضعيف في المعادلة التي تربطه بمنتجي ومزودي ومسوقي السلع والخدمات الذين يستعملون مختلف وسائل الدعاية والإعلان، والعروض المبهرة والمبالغ فیها في بعض الأحيان، التي تؤثر في توجیه إرادة المستهلك وتدفعه إلى التعاقد، هذا فضلاً عن أن التعاقد یتمُّ في فضاء إلكتروني، مما یجعل المستهلك غیر قادر على معاينة السلع والخدمات للتأكد من نفعها وسلامتها، لتلبية احتياجاته بالشكل المطلوب، لذا لابدَّ من بيان أحكام تلك التعاملات الالكترونية بياناً شافياً و توفير الوسائل اللازمة لحماية المستهلك التي تحفظ حقوقه وتصونها.

ثانياً: تساؤلات البحث

   يثير البحث مجموعة من التساؤلات المهمة، منها:

  1. ما الآليات والقواعد التي وفّرها المشرع (الإسلامي والقانوني) لحمایة المستهلك في التعاقد عبر وسائل الاتصال الحديثة، لاسيَّما “شبكة الإنترنت”؟
  2.  هل عمل المشرعان (الاسلامي والقانوني) على إیجاد قواعد شرعية وقانونیة تراعي خصوصية الآلية التي یتمُّ من خلالها إبرام العقد الالكتروني؟ أو أنَّه اكتفى بالتدابير والوسائل التي نص علیها المشرع لحمایة المستهلك في العقود التقليدية؟
  3.  هل هذه الوسائل قادرة على توفير الحمایة اللازمة للمستهلك الذي یتعاقد عبر شبكة الإنترنت؟

هذه التساؤلات سيحاول البحث الإجابة عنها من خلال إتباع المنهج التحليلي والمقارن.

ثالثاً: أهمية البحث

     تتأتى أهمية البحث الحالي من أهمية التعاملات الإلكترونية في عصرنا الحاضر، فقد وصل عدد الممارسين للتجارة الإلكترونية عبر الإنترنت إلى مئات الآلاف، وإجمالي المبالغ التي يتم إنفاقها سنوياً مليارات الدولارات، ومن المنتظر أن يرتفع هذا المبلغ إلى أضعاف مضاعفة خلال السنوات القادمة، لذا فانَّ البحث يمكن أن يُفيد في بيان الوسائل والأحكام لهذا النوع من التعاملات بياناً شافياً ورصد الإشكالات كافة التي تثيرها حمایة المستهلك في التعاقد عبر شبكة الإنترنت.

رابعاً: أهداف البحث

  1. تتبع تطور وسائل حماية المستهلك في الفقه الاسلامي و القانون، ومعرفة الجذور الاسلامية لها من جهة الاسبقية والتنظيم.
  2. دراسة مفهوم حماية المستهلك، وبيان وسائل تلك الحماية في الفقه الاسلامي.
  3. دراسة مفهوم التجارة والعقود الالكترونية مع بيان أحكامها في الفقه الاسلامي والقانون.
  4. عرض قوانين حماية المستهلك من خلال دراسة الحلول والوسائل التي وضعها الفقه الاسلامي ومقارنتها مع الوسائل والأحكام ذات الصلة بحماية المستهلك في القانون ، ومعرفة مدى استيعاب الفقه الاسلامي للمستحدثات والتطورات التقنية والمعلوماتية، ومدى قدرته على وضع الحلول والمعالجات الناجعة، والواقعية لحماية المستهلك والمحترف على حد سواء، وذلك لإيمانه بمبدأ تحقيق العدالة الاجتماعية بين مكونات وطبقات المجتمع المختلفة .

خامساً: نطاق البحث

    إن موضوع وسائل حماية المستهلك في “التجارة الالكترونية” موضوع واسع ومتشعب الجوانب وقد يصعب دراسة كل الجوانب والموضوعات المرتبطة به، لكون التجارة عامة تعبر عن نشاط اقتصادي يتم من خلاله تداول السلع والخدمات بين المؤسسات والمؤسسات او بين المؤسسات والافراد او بين المؤسسات والحكومة، وهذا النشاط تحكمه قواعد ونظم مختلفة، كما ان وصف التجارة بـ”الإلكترونية” يعبر عن اداء نشاط تجاري باستعمال وسائط واساليب ألكترونية متعددة ومتنوعة التي منها “شبكة الانترنت”، لذا فانَّ نطاق الدراسة الحالية سيكون محددا بالنقاط الاتية:

  1.  نطاق القوانين الوضعية : ونقصد بها مجموعة اللوائح والقوانين التي وضعها الإنسان والمطبقة فعلاً في الدولة التي تنظم حياة الافراد وتيسر المعاملة بينهم، واختار البحث من بين هذه القوانين: القانون الفرنسي لحماية المستهلك في التجارة الالكترونية الذي يعدُّ من أفضل القوانين التي سنت لحماية المستهلك، والقانون المصري (القانون المدني، وقانون حماية المستهلك) ، والقانون العراقي (القانون المدني، وقانون حماية المستهلك) الذي هو أقرب القوانين للشريعة الاسلامية.
  2.  حماية المستهلك في نطاق عقود التجارة الالكترونية ، وفي نشاط تداول السلع والخدمات بين المؤسسات والافراد حصراً، وذلك لتشعب وتنوع أنشطة التجارة الالكترونية.
  3.  تناول الخيارات كأمثلة على وسائل حماية المستهلك في الفقه الاسلامي، بوصفها من أكثر الوسائل ارتباطاً بموضوع البحث.

سادساً: منهج البحث

اعتمد البحث على منهجية متشعبة تمثلت في الاتي :

  1. المراجعة الشاملة-قدر الامكان-لكل ما نشر حول حماية المستهلك في التجارة الالكترونية، سواء المطبوع منها أو المتاح على قواعد البيانات أو على شبكة الانترنت ،من اجل بناء اطار فكري لهذا البحث ،وفي هذا السياق تم الاعتماد على المصادر الفقهية لأغلب المذاهب الاسلامية (المذاهب الاسلامية الخمسة)،كما تم الاعتماد على بعض القوانين المعروفة مثل القانون الفرنسي والمصري والعراقي التي اسهمت بتشفيع البحث.
  2. استخدام المنهج المسحي التحليلي الذي تمثل في طرح مجموعة من الاستفتاءات على فقهاء وعلماء اسلاميين بقصد جمع بيانات عن حماية المستهلك في التجارة الالكترونية، وتم ذلك عبر المقابلات الشخصية التي قام بها الباحث مع عدة من الفقهاء والعلماء المسلمين في العراق وعبر الاتصال الالكتروني مع العلماء والفقهاء في مصر والسعودية وايران وماليزيا،وقد وثق الباحث اجابات الاستفتاءات لأربعة من الفقهاء والعلماء فقط من مجموعة عشرة ،لأسباب أهمها عدم امتلاكهم(بقية العلماء) معلومات وافية عن هذا الموضوع،ويمكن الاطلاع عليها في الملحق في نهاية الكتاب.
  3. استخدام المنهج المقارن التحليلي للوصول الى نتائج البحث على اساس جمع معلومات عن حماية المستهلك في التجارة الالكترونية في الفقه الاسلامي والقانون عبر تكييف المصطلحات القانونية بما يتناسب مع المفاهيم الاسلامية، بهدف المقارنة بينهما للوصول الى أهم المعالجات التي تخدم حماية المستهلك ومعرفة مدى تفوق الفقه الاسلامي على القوانين الوضعية في هذا المجال.
  4. تم كتابة المصادر الخاصة بالفقه الاسلامي بـ (السنة الهجرية)،اما المصادر الخاصة بالقانون فقد تم كتابتها بـ (السنة الميلادية).

سابعاً: دراسات سابقة

       لا توجد دراسات أكاديمية في جانب الفقه الاسلامي كتبت عن الموضوع “حماية المستهلك في التجارة الالكترونية “بصورة مترابطة ومتكاملة، نعم هناك دراسات بحثت موضوع حماية المستهلك من الجانب التقليدي، أو تناولت العقود الالكترونية، أو تناولت التجارة الالكترونية كُلاً على انفراد دون الجمع أو الربط فيما بينهما، وعلى الرغم من إن تلك الدراسات لم تبحث موضوع حماية المستهلك في التجارة الالكترونية كما اسلفنا، إلاَّ أنَّها قد اسهمت ولو بصورة نسبية في انجاز البحث الحالي وتعدُّ هذه الجهود المبذولة الاساس الذي بُني عليه البحث، أما في الجانب القانوني فقد أغنى الكتابُ والباحثون القانونيون المكتبة القانونية بعشرات الدراسات والبحوث المهمة ذات الصلة.

  وخصصت هذه الفقرة لمناقشة بعض الدراسات السابقة ذات الصلة بموضوعة الدراسة، وكالآتي:

1. الدراسات ذات الصلة بموضوع حماية المستهلك

  • دراسة رمضان علي السيد الشرنباصي (2004) ” حماية المستهلك في الفقه الإسلامي” :

إن نطاق هذه الدراسة كان في جانب المعاملات في الفقه الاسلامي وهي عبارة عن مقارنة بين المذاهب الاسلامية الأربعة، فهي اقتصرت على الفكر الاقتصادي الإسلامي، فضلاً عن ذلك، فإﻧﻬا لم تذكر مسألة الإنتاج والتوزيع باعتبارها مسألة مهمة في مجال حماية المستهلك، من خلال منع إنتاج السلع والخدمات الضارّة بصحّة ومال المستهلك، لحمايته من هذا الضرر.

  • دراسة نجاح ميدني (2008) “آليات حماية المستهلك في الاقتصاد الاسلامي”.

 وهي رسالة ماجستير من جامعة الحاج لخضر-الجزائر، هدفت هذه الدراسة الى ابراز أهمية الاقتصاد الاسلامي،وانه الرائد من خلال ما يفرضه من رقابة شرعية سواء ذاتية أو عن طريق جهاز الحسبة،كما هدفت الدراسة الى تحديد وسائل حماية المستهلك في الاقتصاد الاسلامي،والتي تتعلق بحمايته من نفسه ومن المنتج ومن التاجر.

  •  دراسة حميد الصغير (2013) “أصول حماية المستهلك في الفقه الاسلامي وآلياتها (القرآن والسنة نموذجان) “.

   ركزت هذه الدراسة على موضوع الاستهلاك بوصفه المحرك الاساسي للنشاط الاقتصادي والباعث على الانتاج ، وتتبعت ورود هذا المصطلح ومضامينه في الكتاب والسنة وأقوال الصحابة واستعمالات الفقهاء القدامى والمعاصرين، كما تطرقت الى تناول ضوابط الاستهلاك وآليات حماية المستهلك فيه.

2. الدراسات ذات الصلة بموضوع التجارة الالكترونية

  • دراسة سليمان عبد الرزاق أبو مصطفى (2005) “التجارة الالكترونية في الفقه الاسلامي”

   وهي رسالة ماجستير في الفقه المقارن من كلية الشريعة الجامعة الاسلامية-غزة، وافادت هذه الدراسة ان ما يستحدثه الناس من عقود، الأصل فيها الجواز والصحة، شريطة الا تخالف نصاً شرعياً، كما افادت الدراسة بجواز البيع اعتمادا على الوصف من خلال كتالوج الكتروني، يشمل كافة المعلومات عن السلعة، واشارت الدراسة أيضاً إلى أهم ما يميز التجارة الالكترونية عن التجارة التقليدية.

  • دراسة نادية محمد السعيد (2006) “التجارة في الاسلام وموقف الشرع من التجارة الالكترونية”.

     هدفت هذه الدراسة الى بيان موقف الشريعة الاسلامية من التجارة التقليدية، وان الاصل فيها الاباحة، كما تناولت الدراسة التجارة الالكترونية بوصفها من الامور المستحدثة التي لم يأتِ فيها حكم القبول أو الرفض، الا انها وبحكم العقل والعرف والشرع محللة وجائزة في حالة عدم وجود المنع أو المحذور الشرعي.

  • دراسة علي محي الدين علي القره داغي (2006) “التجارة عبر الوسائل الحديثة”.

وقد تناولت  هذه الدراسة ، تعريف العقد، وأركانه، وشروطه، والآثار المترتبة على العقد باستعمال الوسائل الحديثة في التجارة، كنوع من التأصيل لها، وقسمت الوسائل الحديثة على ثلاثة اقسام هي:

  1. الوسائل الحديثة لنقل الصوت كالهاتف والراديو.
  2. الوسائل الحديثة لنقل الكتابة كالبرقية والتلكس والفاكس ووسائل الجوال.
  3. الوسائل الحديثة لنقل الصوت والصورة مباشرة كالانترنت ، بالإضافة إلى عدد من الأبحاث التي ركزت الحديث على النقاط السابقة.

  • دراسة محمد جبر الألفي (2008) “التعاقد الالكتروني في ميزان الشرع الاسلامي”

تناولت هذه الدراسة التعاقد التجاري الالكتروني في ميزان الشرع ،وبيان مدى اتفاقه مع الاحكام الفقهية المتعلقة بالعقود،كما عرضت أساسيات انعقاد العقد وكيفية اثبات التعاقد الالكتروني وتوصلت الى ان التعاقد الالكتروني في التجارة عبر شبكة الانترنت، بضوابطه الشرعية، يعتبر صحيحاً في ميزان الشرع الاسلامي، كما ان وسائل اثبات التعاقد الالكتروني لا يخالف أحكام الفقه الاسلامي.

  • دراسة عدنان بن جمعان بن محمد الزهراني (2010) “أحكام التجارة الالكترونية في الفقه الاسلامي”

     وهي رسالة دكتوراه من جامعة ام القرى في مكة المكرمة، وقد جاءت هذه الدراسة لبعض ما تتضمنه التجارة الالكترونية وفحص لمكوناتها الالية والتعاقدية وتخريج الاحكام الشرعية وقد توصلت الدراسة الى نتيجة جواز ممارسة التجارة عبر الانترنت اجمالا ويستثنى من ذلك فيما يتعلق بالسلع التي تجري فيها علة الربا.

3. الدراسات ذات الصلة بموضوع حماية المستهلك في التجارة الالكترونية

    على الرغم من ندرة الدراسات ذات الصلة بقضية التكامل والربط بين حماية المستهلك والتجارة الالكترونية، فقد بذل الباحث جهدا استثنائيا في مسح آخر المستجدات العلمية حول الموضوع ومتابعتها عبر المصادر المتوفرة في المكتبات وعلى شبكة الانترنت، اذ استطاع الباحث ايجاد دراسة واحدة قد ربطت بين حماية رضا المستهلك في القانون والشريعة الاسلامية وفي ثنايا البحث، وأهم مضامينها ما يأتي:

  • دراسة غازي أبو عرابي (2009) “حماية رضاء المستهلك- دراسة مقارنة بين قانون حماية المستهلك الإماراتي وتقنين الاستهلاك الفرنسي ومشروع قانون حماية المستهلك الأردني-“

     تناولت هذه الدراسة أهم الحلول التي تقدمها قوانين حماية المستهلك الحديثة لحماية رضا المتعاقد لاسيما في مرحلة تكوين العقد ومقارنة ذلك بالحلول التي يطرحها الفقه الإسلامي في هذا الصدد، وتظهر فائدة هذه الدراسة بمقارنة الحلول المطروحة في هذه القوانين بمشروع قانون حماية المستهلك الأردني لسنة 2007، الذي أعدته وزارة الصناعة والتجارة، ويهدف إلى توفير حماية قانونية للمستهلك خاصة حقه في الضمان وحمايته من الإعلان المضلل.

   واكتملت هذه الدراسة من خلال وقوفها على الحلول التي تنادي بها الشريعة الإسلامية الغراء في هذا المجال، والتي تقوم على التوازن بين حرية الفرد ومصلحة الجماعة.

مجال الاستفادة من الدراسات السابقة

     إنَّ الدراسة الحالية هي محاولة متواضعة لاستكمال الاسهامات النظرية في مجال حماية المستهلك في الفقه الاسلامي وربطها بأحدث ما توصَّل إليه العلم الحديث في مجال التجارة الالكترونية، ولا شكَّ انّ التصدي لمثل هذا الموضوع، هو تحدي حقيقي على المستوى الاكاديمي في الفقه الاسلامي، بسبب ندرة الادبيات التي تصّدت بشكل صحيح لدراسة التكامل والربط بين حماية المستهلك والتجارة الالكترونية في الفقه الاسلامي.

     وقد حاول البحث اجراء مسح شامل لأغلب الدراسات والادبيات ذات الصلة بموضوع الدراسة من أجل تحقيق ما يأتي:

  1. الاحاطة الشاملة (نظريا ومفاهيمياً) بالدراسات والبحوث والمقالات النظرية الخاصة بالمحاور الاساسية للدراسة متمثلة بمحور حماية المستهلك والتجارة الالكترونية من أجل تدعيم وتطوير الاطار النظري للدراسة.
  2. تحليل المنهجيات المعتمدة في الدراسات السابقة والاستفادة منها في تطوير منهجية الدراسة.
  3. تحليل نتائج الدراسات والادبيات السابقة اسهم بقوة في تحديد منهج دراستنا الحالية لتكون جهداً مكملاً ومضافا لتلك الاسهامات وليس تقليدا او تكرارا لها.

ما يميز الدراسة الحالية عن الدراسة السابقة

  على الرغم من انّ منهج الدراسة الحالية واطارها النظري هي امتداد للإسهامات والادبيات السابقة إلاّ أنّها تميزت عنها بجوانب عدة اهمها:

  1. إن الدراسة هي محاولة لتحليل حماية المستهلك في التجارة الالكترونية بمنظور متكامل.
  2. استهدفت الدراسة تحليل قواعد حماية المستهلك والتجارة الالكترونية في التشريع الاسلامي والمقارنة مع القوانين الوضعية، في حين اقتصرت المحاولات البحثية السابقة على الاكتفاء ببحث حماية المستهلك بصورة تقليدية، أو دراسة التجارة الالكترونية بصورة منفردة ودون ربطها بحماية المستهلك.
  3. ان الدراسة الحالية هي الاولى من نوعها على مستوى الدراسات الاكاديمية الاسلامية، في مجال تدعيم وحماية المستهلك الالكتروني عبر شبكة الانترنت.
  4. وتميزت الدراسة الحالية أيضا بمحاولتها تفسير العلاقات بين حماية المستهلك والتجارة الالكترونية في الفقه الاسلامي، وهي بذلك تعد المحاولة البحثية الاولى في ربط حماية المستهلك بالتجارة الالكترونية وفق الفقه الاسلامي.

ثامناً: خطة البحث

         انتظمت الرسالة في مقدمة ومبحث تمهيدي وفصلين وخاتمة وكما يأتي:

المقدمة: تضمنت مدخلاً عاماً عن موضوعِ الرسالة، وتساؤلات البحث واهميته وأهدافه، فضلا عن نطاق البحث ومنهج البحث وأهم الدراسات السابقة ذات الصلة بالبحث.

مبحث تمهيدي: وتمت الاشارة فيه إلى تطَّور وسائل حماية المستهلك في الفقه الاسلامي والقانون.

الفصل الأول: وتضمن دراسة مفهوم المستهلك والعقود في التجارة الالكترونية في الفقه الاسلامي والقانون ، وهو على ثلاثة مباحث: الأول:مفهوم المستهلك في الفقه الاسلامي والقانون، و الثاني: مفهوم العقد الالكتروني في الفقه الاسلامي والقانون، أما الثالث: مفهوم التجارة الالكترونية في الفقه الاسلامي والقانون .

الفصل الثاني:  تناول أهم الوسائل والطرق لحماية المستهلك في عقود التجارة الالكترونية في الفقه الاسلامي والقانون، وهو على ثلاثة مباحث رئيسة تتناول أهم الوسائل والطرق التي وضعها الفقه الاسلامي وطرحها القانون الوضعي لحماية المشتري(المستهلك) الالكتروني من البائع (المهني)، وهذه المباحث : الأول: الالتزام بالإعلام الالكتروني للمستهلك في الفقه الاسلامي والقانون، والثاني: منح المستهلك خيار الرجوع في الفقه الاسلامي والقانون، أما الثالث: حماية المستهلك من الشروط التعسفية وعيوب الارادة في الفقه الاسلامي والقانون.

خاتمة، تتضمن الهدف من البحث والاجابة عن الاشكالية الواردة في مقدمة البحث، وتتضمن ايضاً أهم النتائج والتوصيات التي توصل اليها البحث.

مبحث تمهيدي للكتاب

تطور وسائل حماية المستهلك  في الفقه الاسلامي والقانون

المطلب الأول: تطور وسائل حماية المستهلك في الفقه الاسلامي

المطلب الثاني : تطور وسائل حماية المستهلك في القانون

مبحث تمهيدي

تطور وسائل حماية المستهلك في الفقه الاسلامي والقانون

         تكاد تتفق العقلاء على مبدأ الحفاظ على الحقوق المشروعة للمجتمعات الانسانية، فمن خلال التعاطي والتبادل والنقل بين حقوق الناس بعضهم مع البعض، فلا بدَّ من سن اجراءات وقواعد ووسائل تنظم وتحافظ على تلك الحقوق، ومن بين تلك الحقوق حق المشتري (المستهلك) في حمايته في التعاقدات التي يجريها مع التاجر المحترف، إذ ارتأت الأنظمة ومنذ ذلك الوقت على تكوين تلك الوسائل والقواعد لتسخيرها لحماية المستهلك وان لم تكن بصورة رسمية تمثل هذا القانون ؟ الذي نحن في طور الكلام عنه.

     إنَّ الدولة الاغريقية وبلاد النهرين وبلاد النيل وبلدان ما وراء النهر في العهود القديمة، كانت متفقة نسبيا في الحفاظ على ممتلكات الناس وحقوقهم وحياتهم من خلال التبادل التجاري والحرفي فيما بينهم، أو تبادل ارسال الرسل لمرحلتي الحرب والسلم وضمان سلامتهم، الاّ أنَّ الدين الإسلامي الحنيف بوصفه دينا سماوياً قد أرسى قوانين حقوق الناس ونظم أبوابها وهذب أحكامها، حتى وصل في احقاق الحق والمساواة بين الناس حتى في إرش الخدش.

  ويمكن تقسيم هذا المبحث على مطلبين:

المطلب الأول: تطور وسائل حماية المستهلك في الفقه الاسلامي .

المطلب الثاني : تطور وسائل حماية المستهلك في القانون.

المطلب الأول

تطور وسائل حماية المستهلك في الفقه الاسلامي

     اكتسب مفهوم حماية المشتري (المستهلك) أهمية كبيرة في الفقه الإسلامي، إذ نجد أن النبي  محمد e قد ركَّز على ذلك من خلال قانون قد سنَّه الحديث النبوي الشريف” ليس منا من غش مسلما أو ضره أو ماكره ” ([1]) .

     كما دعا البائع إلى إظهار عيوب السلعة ليراها المشتري، كما وجهه إلى أهمية بناء نظم قويمة في المجتمع المسلم بعيدة عن الغش والتدليس والغبن والخلابة (*)، لذا سيتناول هذا المبحث مفهوم الفقه الاسلامي وأهميته في حياة المسلمين، وأهم الخصائص التي يتميز بها، وأيضا الأسس العامة لحماية المستهلك في الفقه الاسلامي، فضلا عن استعراض اهم الوسائل التي أقرها الفقه الاسلامي في مجال حماية المستهلك، وسيكون هذا المطلب على ثلاثة فروع.

الفرع الأول

مفهوم وأهمية وخصائص الفقه الاسلامي

أولاً- مفهوم الفقه الاسلامي

      عرَّف الراغب الاصفهاني الفقه في المفردات بأنه: “التوصل الى علم غائب بعلم شاهد، فهو أخص من العلم . فهو مطلق الفهم أو العلم، أو الفهم الدقيق، ثم استعمل للدلالة على العلم الشرعي عموما، والعلم بالأحكام الشرعية منها على وجه الخصوص([2]) “، والفقه من الالفاظ المستعملة في القرآن الكريم للتعبير عن الادراك، إذ يوصف بأنه”التثبت في هذه الصورة المنتقشة فيه والاستقرار في التصديق” ([3]) .

واستعمل الفقه اصطلاحاً في معنيين:الأول:”هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلّتها التفصيلّية”([4])،والثاني:”هو مجموعة الأحكام الشرعيّة العمليّة الثابتة لأفعال المكلّفين”([5]).

ثانياً- اهمية الفقه الاسلامي

      إن للفقه أهمية كبيرة ومرتبة سامية في الاسلام، وقد أشارت آيات شريفة عدّة من القرآن الكريم إلى أهمية الفقه وأهمية تعلَّمه كقوله تعالى في سورة التوبة :  )وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(([6]). فقد أشارت هذه الآية على أن طلب العلم والتفقه في الدين فرض كفاية، وهو ذو أهمية لا تقل مرتبة عن أهمية الجهاد في سبيل الله تعالى، والتفقه يراد به تفّهم جميع المعارف الدينية من أصول وفروع ([7]) وفي الحديث النبوي الشريف:” من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً الى الجنة”([8]) ، وفي الحديث أيضاً: “من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين”([9]) .

     إنَّ تلك النصوص الشريفة تبين ان للفقه أهمية قصوى في حياة الفرد المسلم لدوره الفعال في إصلاح العباد في المعاش والمعاد، لأنَّ الانسان بحاجة باستمرار لأمر يحصل منفعته و يحرز هناءه، ونهي يدفع عنه مفسدته ويقصي شقاوته، فالفقه له دور رئيس وهام في تحقيق مصالح الناس بإقامة العدل المطلق بينهم ([10]) ، يقول الله تعالى في محكم كتابه: )لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ( ([11]) .

       فحاجة الناس الى الاصلاح في دينهم أشد من حاجتهم في الاصلاح في أجسادهم وألبابهم وأموالهم ومنازلهم وقوتهم، فكم من أناس يعيشون بلا طبيب أو مهندس أو بلا مأوى أو مهنة، ولكن اذا تبدد الدين من حياة الناس، فسد عالمهم وسادت الفوضى علاقاتهم ووشائجهم.

ثالثاً- خصائص الفقه الاسلامي

  يتميز الفقه الإسلامي بخصائص عدّة، ينفرد بها عمّا دونه من القوانين الوضعية، ومن أهم هذه الخصائص([12]) :‏

  1. ان الفقه الاسلامي يقوم على تشريع سماوي مرسل الى العالمين كافة، وليس الى جماعة معينة من الناس دون غيرها، وهو تشريع خالد على مر الدهر باقي على مر الزمن .
  2. إن الفقه الإسلامي تشريع جامع شامل لتنظيم كل أنواع العلاقات الانسانية، فهو ينظم علاقة الإنسان بربه، وعلاقته بأخيه الإنسان، الذي يوافقه في الدين أو يخالفه فيه، وعلاقته بالمجتمع الذي يعيش فيه وبالبيئة المحيطة به، فالإنسان مفعم بعناية ربه، مصوب إلى الحق والطريق المستقيم خاضع للتنظيم الإلهي في سائر أحواله، الدينية والدنيوية، وفي كل زمان ومكان.‏
  3.  مرونة الفقه الإسلامي وهي مـن المزايـا المهمـة التـي امتـاز بهـا عن غيره باحتوائـه علـى نـوعين مـن الأحكام : الأولى :ثابتة لا تقبل التغيير، قد ملأت من قبل الإسلام بصورة منجزة لا تقبل التغيير والتبديل . الثانية : متغيرة ومتحركة تتحدد وفقا لمتطلبات الأهداف العامة وبملاحظـة الزمـان والمكـان، وهـي مـا اصـطلح عليـه بـ (منطقـة الفـراغ ) ، قـد تـرك الإسـلام مهمـة ملئهـا إلـى الدولـة ولـي الأمـر “المجتهد الجامع للشرائط الشرعية”، تملؤها وفقا لمتطلبات الأهداف العامة لحياة المسلم ومقتضـياتها فـي كـل زمـان .

الفرع الثاني

الأسس العامة لحماية المستهلك في الفقه الاسلامي

      من اهم المرتكزات التي يستند إليها مفهوم حماية المستهلك في الشريعة الاسلامية ([13]) :

أولاً- التوكيد على عمل الطيبات في القرآن والسنة النبوية الشريفة، وتحريم الخبائث ما ظهر منها وما بطن، ومنع الكسب الحرام واستغلال النفوذ.

ثانياً- الحرام بيِّن والحلال بيِّن، وكل ما ادى إلى حرام فهو حرام، كما حرَّم بيع الخبث أو ما يؤدي إلى الضرر.

ثالثاً- المحافظة على الدين والمحافظة على النفس والمحافظة على العقل والمحافظة على المال .

رابعاً- وضع قواعد وأسس متنوعة لحماية المستهلك أهمها الخيارات والقواعد الفقهية المتعلقة بالسوق منها قاعدة “لا ضرر ولا ضرار”.

خامساً- لحماية النظام الاجتماعي للمجتمع المسلم وضع نظام عام للتعاملات وفق قواعد عامة مثل قاعدة لاضرر وقاعدة درء المفاسد مقدَّم على جلب المنافع وغيرها .

سادساً- وضع مقصد عام لمدخليه التعامل بين الناس من خلال” النية الحسنة”، لأنّ الاسلام يقدّر البواعث الكريمة والقصد الشريف والنية الطيبة والرسول e قال:” إنما الأعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى”([14]).

سابعاً- انتفاء الشبهات خشية الوقوع في الحرام، فقد حذَّر التشريع الاسلامي من الوقوع في الشبهات ووصفها العامل المساعد للوقوع في المحذور.

   وفي ضوء ما تقدَّم يمكن استنتاج إنّ الاسس العامة لحماية المستهلك في الفقه الاسلامي تتبلور في أربعة عناصر اساسية :

  1. العنصر التشريعي: يعدَّ العنصر الاهم لحماية المستهلك وفق مبدأ الشريعة الاسلامية، إذ يقوم المشِّرع الاسلامي بوضع استراتيجية جديدة لحماية المستهلك، توافق متطلبات العصر ضمن موازين الشريعة الاسلامية، من خلال قراءة جديدة للنصوص التشريعية المعتمدة والموثقة في الشارع المقدس، لاستخراج مبادئ واسس جديدة تتلاءم مع مستحدثات التكنولوجية والتطور الهائل والسريع في تقنيات المعلومات وبالخصوص التجارة الالكترونية ([15]).
  2.  العنصر الرقابي: فرضت الشريعة الاسلامية العديد من الاجراءات والقواعد لحماية المستهلك من نفسه ومن الآخرين، وذلك من خلال اقرار مجموعة من القواعد التي تضمن سلامة المعروض من السلع والخدمات، كنظام الحسبة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وتنبيه الغافل وارشاد الجاهل، وفق نظاميين رقابيين وهما الرقابة الذاتية وتتمثل بمراقبة الانسان لنفسه والرقابة الخارجية المتمثلة بمراقبة الدولة أو ولي الامر للمجتمع الاسلامي وتقوم الأجهزة الحكومية بهذا الدور بصفة أساسية، بالإضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني الممثلة في الجمعيات المعنية بحماية المستهلك، والتي تهدف بالدرجة الأولى إلى الحيلولة دون تعرض المستهلك للتدليس والغش التجاري والتضليل والخداع بكافة صوره وأشكاله([16]).
  3.  العنصر الارشادي: وهو الذى يقوم على رفع وعى المستهلك وتبصيره بحقوقه وواجباته، بما يرشد قراراته ويوجهه إلى ما يحقق له القدر الأكبر من الحماية وخاصة الحماية الوقائية ([17] ) .
  4.  العنصر التنفيذي: بعدما تقوم الدولة بسن القوانين والارشادات لحماية المستهلك من تعسف وتضليل وغبن المحترف، حيث تقوم بترجمة تلك القوانين على الارض وتنفيذها لتضمن سلامة وحماية المستهلك ([18]).

الفرع الثالث

وسائل حماية المستهلك في الفقه الاسلامي

     وضعت الشريعة الاسلامية وسائل وقواعد وآليات متعددة للحفاظ على حقوق الانسان في كلِّ المجالات([19]) ، وبالخصوص في البيع والشراء من أي تعدي فاحش سواء أكان من البائع أم المشتري أم المحترف أم المستهلك، إذ ذكر الفقهاء العديد من القواعد التي من شأنها ان تمنع من وقوع الظلم او بخس الحقوق، ومن بين هذه الوسائل الاجراءات الوقائية والجزائية التي تتلخص بالشروط الشرعية والارتكازية العقلائية التي تبنى عليها العقود والمعاملات فان بعضها تحمي المشتري(المستهلك)  وبعضها تحمي البائع(المحترف) ، ومن الوسائل التي تحمي المستهلك أيضا القواعد الفقهية، والخيارات ونظام الحسبة وارشاد الجاهل وتنبيه الغافل وباب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها من القواعد والاجراءات والبنود التي ذكرها الفقهاء في فقه المعاملات([20])، ونقتصر على توضيح أهم الوسائل الشرعية التي تحمي المستهلك في التجارة وهي:

أولاً- الخيارات :

      الأصل في عقد البيع أنّه إذا وجدت أركانه وتحققت شروطه أن يكون لازماً، إذ تنتقل ملكية المبيع إلى المشتري وملكية الثمن إلى البائع، إلاَّ أن الشارع راعى مصالح المكلفين فشرع الخيارات رحمة بالمتعاقدين لضمان رضاهما وحفظ مصلحتهما ودفع الضرر عنهما، ومن أجل نفي المنازعات والخصومات وذلك من أهم مقاصد الشريعة، وكذلك من أجل تحقيق العدل ومنع الظلم في المعاملات والوصول إلى تمام الرضا والتوسعة على العاقدين.

       والخيار يعود في جوهره إلى خلل في أهم أركان العقود، وهو التراضي. صحيح إن العقد لا يتم إلاّ بالتراضي ظاهراً، ولكن قد لا يكتمل التراضي فيشَّرع الخيار لإكماله، ولذلك يسمي بعضهم أسباب الخيار بالخلل في الإرادة، أو العيب فيه ([21]) .

  1. تعريف الخيار

الخيار اسم مصدر من الاختيار (حق الخيار) وهو طلب خير الامرين، وجاء باللغة بمعنى الاصطفاء وهذا ما ذهب اليه الفقهاء ، فهو عندهم بمعنى حق الخيار وحق الاصطفاء وحق الترجيح لا الاختيار والانتخاب ([22]) .

ويعرف الخيار اصطلاحا: بأنه ملك اقرار العقد أو ازالته([23]) ، واورد عليه الشيخ       الطوسي([24]) : “بأن المراد من اقرار العقد اما بقاءه على حاله بترك الفسخ أو جعله عقدا لازما غير قابل للفسخ”.

  1.  أقسام الخيارات

     الخيارات كثيرة ومتنوعة فقد ذكرها الفقهاء بأقسام متعددة إلاَّ إنّ الشيخ الانصاري اقتصر على السبعة إذ قال: “والمجتمع في كل كتاب سبعة ونحن نقتفي أثر المقتصر على السبعة، لان ما عداها لا يستحق عنوانا مستقلا، اذ ليس له أحكام مغايرة لسائر أنواع الخيار وهي: “خيار المجلس، خيار الحيوان، خيار الشرط، خيار الغبن، خيار التأخير، خيار الرؤية، خيار العيب”([25]) .

     وقد ذكر السيد السيستاني تعريفا للخيار مع بيان موارده فقال : الخيار “هو ملك فسخ العقد”، وللمتبايعين الخيار في أحد عشر مورداً ([26]) :

  •  (خيار المجلس) : ويقصد به ان للمتعاقدين وقبل ان يتفرقا، الخيار فلكلٍّ منهما فسخ البيع قبل التفرق، ولو فارقا مجلس البيع مصطحبين بقي الخيار لهما حتى يفترقا .
  •  ( خيار الغبن ) أن يكون أحد المتبايعين مغبوناً ــ بأن يكون ما انتقل إليه أقل قيمة مما انتقل عنه بمقدار لا يتسامح به عند غالب الناس ــ فللمغبون حقّ الفسخ بشرط وجود الفرق حين الفسخ أيضاً وأمّا مع زوال الفرق إلى ذلك الحين فثبوت الخيار لهُ محلّ إشكال فلا يترك مراعاة مقتضى الاحتياط في ذلك، وهذا الخيار يجري في غير البيع من المعاملات التي لا تبتني على اغتفار الزيادة والنقيصة كالإجارة وغيرها، وثبوته إنما هو بمناط الشرط الارتكازي في العرف العام، فلو فرض مثلاً كون المرتكز في عرف خاص ــ في بعض أنحاء المعاملات أو مطلقاً ــ هو اشتراط حقّ استرداد ما يساوي مقدار الزيادة وعلى تقدير عدمه ثبوت الخيار يكون هذا المرتكز الخاص هو المتّبع في مورده، ويجري نظير هذا الكلام في كل خيار مبناه على الشرط الارتكازي.
  •  ( خيار الشرط ) وهو اشتراط الخيار في المعاملة للطرفين أو لأحدهما أو لأجنبي إلى مدة معينة،أو هو الخيار المجعول باشتراطه في العقد،امّا لكل من المتعاقدين أو لأحدهما بعينه،أو لأجنبي([27]).
  •  ( خيار التدليس) ويعمل به عند تدليس أحد الطرفين بإراءة ماله أحسن مما هو في الواقع ليرغب فيه الطرف الآخر أو يزيد رغبة فيه، فإنه يثبت الخيار حينئذٍ للطرف الآخر.
  •  ( خيار تخلّف الشرط ) : وهو أن يلتزم أحد الطرفين في المعاملة، بأن يأتي بعمل أو بأن يكون ما يدفعه ــ إن كان شخصياً ــ على صفة مخصوصة، ولا يأتي بذلك العمل أو لا يكون ما دفعه بتلك الصفة، فللآخر حقّ الفسخ.
  •  ( خيار العيب ) أن يكون أحد العوضين معيباً، فيثبت الخيار لمن انتقل إليه المعيب.
  •  ( خيار تبعّض الصفقة ) وهو أن يظهر أنّ بعض المتاع لغير البائع، ولا يجيز مالكه بيعه، فللمشتري حينئذٍ فسخ البيع.
  •  ( خيار الرؤية ) وهو أن يعتقد المشتري وجدان العين الشخصية الغائبة حين البيع لبعض الصفات ــ إما لإخبار البائع، أو اعتماداً على رؤية سابقة ــ ثم ينكشف أنها غير واجدة لها، فللمشتري الفسخ حينئذ، فمن اشترى موصوفاً غير مشاهد كان للمشتري خيار الفسخ اذا وجده دون الوصف([28]).
  •  ( خيار التأخير ) : ويكون عندما يؤخّر المشتري الثمن ولا يسلّمه إلى ثلاثة أيام، ولا يسلّم البائع المتاع إلى المشتري، فللبائع حينئذٍ فسخ البيع، هذا إذا أمهله البائع في تأخير تسليم الثمن من غير تعيين مدة الإمهال صريحاً أو ضمناً بمقتضى العرف والعادة، وإلاّ فإن لم يمهله أصلاً فله حقّ فسخ العقد بمجرد تأخير المشتري في تسليم الثمن، وإن أمهله مدة معينة أو اشترط المشتري عليه ذلك ــ في ضمن العقد ــ لم يكن له الفسخ خلالها سواء كانت أقل من ثلاثة أيام أو أزيد ويجوز له بعدها. ومن هنا يعلم أنّ في المبيع الشخصي إذا كان مما يتسرّع إليه الفساد ــ كبعض الفواكه ــ فالإمهال فيه محدود طبعاً بأقل من ثلاثة أيام من الزمان الذي لا يتعرض خلاله للفساد فيثبت للبائع الخيار بمضي زمانه.
  •  (خيار الحيوان ) إذا كان المبيع حيواناً، فللمشتري فسخ البيع إلى ثلاثة أيام، وكذلك الحكم إذا كان الثمن حيواناً، فللبائع حينئذٍ الخيار إلى ثلاثة أيام([29]).
  •  ( خيار تعذّر التسليم ) وهو أن لا يتمكّن البائع من تسليم المبيع، كما إذا شرد الفرس الذي باعه، فللمشتري فسخ المعاملة عندئذ .

وسوف نقف تفصيلا عند أهم الخيارات التي تستعمل وبصورة مباشرة لحماية المستهلك في التجارة الالكترونية في الفصل الثاني من الرسالة ان شاء الله تعالى.

ثانياً- القواعد الفقهية

      إنَّ القواعد الفقهية وما يترتب عليها من تفريعات ومسائل وأحكام، لابدّ لكلِّ باحث يختص في المجالات المالية والحقوقية وغيرها ذات الصلة من معرفتها والاهتمام بها، وتشخيص موارد جريانها ونسبتها مع سائر الادلة الاخرى، لكي يتوصل الى معرفة الاحكام الخاصة في بيان الحقوق والاقتصاد وما له وما عليه.

  1. تعريف القاعدة الفقهية:

     تعَّرف القاعدة في اللغة بأنّها الأساس، أي أساس الشيء وأصله، سواء كان ملموساً كركائز البيت، أو اعتباريا كقواعد الدين أي روافده، وهي تعني أيضا، الضابط أو الأمر الكلي ينطبق على جزئيات، وجمعها قواعد ([30]) .

     وقد جاء هذا اللفظ في القرآن الكريم، قال تعالى: )وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ( ([31]) ، وقوله تعالى: )فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ(([32])فمعنى القاعدة في الآيتين الأساس وهو ما يرفع عليه البنيان، فكل ما يبنى عليه غيره يسمى قاعدة.

     واصطلاحا، يصف محمد تقي الحكيم القواعد الفقهية بأنها ” أحكام كلية يندرج تحت كل منها مجموعة من المسائل الشرعية المتشابهة من أبواب شتى”([33])،إذ هي ركائز الاستنباط الفقهي ولها مكانة بارزة في الفقه والاجتهاد، التي يمكن وصفها بالقوانين العامة التي تشمل المفردات المسانخة كالعظميات المتسالمة عليها المنطبقة على مصاديقها الجزئية ([34]) .

     وبعبارة أخرى يقصد بالقاعدة الفقهية بأنها حكم شرعي عام، تستفاد من خلال تطبيقها أحكام شرعية جزئية هي مصاديق لذلك الحكم العام ([35]) .

     وتعد القواعد الفقهية من الكليات العامة، و تغطي كافة نواحي الحياة، منها ما يتعلق بالعبادات ومنها ما يتعلق بالمعاملات، و منها العام([36]) ، وفيما يتعلق بموضوع البحث سنركز على القواعد الفقهية المتعلقة بالبيع والشراء.

  1.  أهم القواعد الفقهية

     أهم القواعد الفقهية التي يبحثها الفقهاء هي في البيع والخيارات وكما يأتي([37]) :

  • قاعدة “السلطنة”، ويقصد بها :أنَّ كلَّ مالك لشيء هو مسلط على التصرف فيه بما يشاء ضمن الحدود الشرعية، فله الحق في بيعه وإهدائه وايجاره وأكله إلى غير ذلك من التصرفات التي لم يثبت من الشريعة صدور منع عنها([38]) .
  • قاعدة “ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده”، وهي تبحث في كتاب الضمان، ومفاد القاعدة ان كل مال يستولي عليه الغير ويكون مضمونا عليه في العقد أو الايقاع الصحيح يكون مضمونا عليه في العقد او الايقاع الفاسد ([39]) .
  • قاعدة “اليد”، ويقصد بها انّ من له استيلاء على شيء بحيث كان ذلك واقعا في حوزته ويعد من توابعه، فذلك الاستيلاء يكون أمارة على الملكية ([40]) .
  • قاعدة “السوق”، وهي تبحث في مجال تعايش المسلمين بعضهم مع البعض الآخر، وقاعدة سوق المسلمين من جملة القواعد الّتي اعتبر الفقهاء أنّ انتظام السوق وحركة البيع والشراء قائمان عليها، بل إنّ لازم عدم حجيّتها اختلال نظام الحياة الّذي جاء الإسلام للحفاظ عليه وتشييده ([41]) .
  • قاعدة “من أتلف مال الغير فهو له ضامن”، وهي تبحث في الضمان، ومفادها هو أن من اتلف مالا أو المنافع المترتبة على مال بسبب من الاسباب، عالما أو جاهلا، مما يتعلق بالغير فهو مكلف بأداء مثلها أو قيمتها، وذلك إذا لم يكن بإذن صاحبها بل غصبا عليه أو بغير رضى منه.
  • قاعدة “على اليد ما أخذت حتى تؤدي” وهي تبحث في الضمان أيضاً، ومضمون القاعدة انّ كلّ من استولى على مال غيره ووقع تحت يده كان ضامنا وإن لم يتلف أو تلف عند غيره.
  • قاعدة “اقرار العقلاء”، ويقصد بها” ان كلَّ عاقل اذا اعترف بشيء هو في غير صالحه كان ملزما باعترافه”([42]) .
  • قاعدة “لا ضرر”، ويقصد بها:”نفي الحكم الضرري في الشريعة المقدسة، فترتفع المسؤولية عن عاتق المكلف تجاه الحكم الذي يضر به”([43]) ، ومن موارد القاعدة في المعاملات : بعض الخيارات، كخيار الرؤية وخيار الشرط، فإن الأول شرع لدفع الضرر عن المشتري بدخول ما لا يلائمه في ملكه، والثاني شرع للحاجة إلى التروي لئلا يقع في ضرر الغبن،وغيرها من القواعد الفقهية.

         إنّ موضوع القواعد الفقهية مشترك بين الفقه والاصول وان كانت المحصلة العملية فقهية، لكون جميع المكلفين يتمكنون من تطبيقها على مصاديقها في أمور ومجالات عدّة ترتبط بحياة الناس في أغلب المجالات المختلفة، من الاقتصاد والحقوق والمالية والمحاسبية، فضلا عن المسائل الشخصية والاضرار والمنافع التجارية والمالية والاجتماعية ونحو ذلك.

      إنّ بعض القواعد الفقهية كقاعدة السلطنة وقاعدة الضمان وقاعدة لا ضرر تدخل في حماية المستهلك المسلم عند تطبيق مسائلها وأحكامها تطبيقا شرعيا، من خلال احقاق الحق والعدل، ودفع الباطل والظلم، وانصاف ذي الحق بائعا كان أو مشترياً مستهلكا كان أو محترفاً، هذا اذا كان المتعاقدون مسلمين اما في حالة كون الطرف الاخر غير مسلم او مخالف فيمكن تطبيق قاعدة الالزام بعد الاطلاع على القوانين والشروط ذات الصلة بعقد البيع، لان المؤمن يتطلب منه الفطنة والمعرفة لكي يأمن شر الغير.

ثالثاً- نظام الحسبة

       يعدُّ نظام الحسبة من الانظمة الرقابية التي اسسها ووضع ثمرتها ومواردها الفقه الاسلامي، وفي هذه النقطة نقف على مفهوم الحسبة ونشأتها وكيفية الاحتساب([44]) .

        1. مفهوم الحسبة

     تمثل الحسبة أحد معالم الحضارة الإسلامية المتميزة بروح الإنسانية والحس بالمسؤولية الحكومية التي تهدف إلى تحقيق الطمأنينة في التعايش وتبادل المنافع المشتركة بين طبقات الرعية بالعدل وطيبة النفس، وليس معروفاً إنّ العرب قبل الإسلام ولا أية أمة أخرى كان لها ما يماثل نظام الحسبة في الإسلام ([45]) .

     وللحسبة معنيان ([46]) :

أولهما :أن يقصد بالأمور الحسبية شؤون الرقابة الاجتماعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا هو المقصود من الولاية الحسبية في التاريخ الإسلامي.

وثانيهما: يقصد به كل ما يطلبه الشارع المقدس على نحو الكفاية مما تقوم به حياة المجتمع، ويختل من دونه المجتمع، ويدخل في قوله تعالى: )وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبَرِّ وَالتَّقْوَى( ([47]) ، والمعنى الأخير ورد في تعريف السيد الخوئي للحسبة بأنها ([48]):” إتيان الأمر من باب كونه أمراً قربياً، إذ إنَّ الشارع يرضى بذلك ولا يرضى بحيفه، فيؤتي ذلك حسبة أو قربة إلى الله تعالى، ومن باب كونه مطلوبا للشارع، ويكون حفظه محبوبا”.

     ويرى الجزائري أنها- أي الحسبة- اسم ما يحتسب من القربات التي تعم مصالحها، ويقوم بها نظام المسلمين، وأظهرها ثمانية أبواب هي :باب الجهاد، وباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وباب إقامة الحدود، وباب الفتيا، وباب القضاء، وباب الشهادة، وباب أخذ اللقيط، وباب الحجر([49]).

     ويرى الباحث ان تعريف الحسبة هو:” وظيفة الحاكم المسلم المخول أو من ينوب مقامه لحفظ نظام المجتمع، بما فيه من جلب المصالح ودفع المفاسد من دون تعارض مع الشارع المقدس”.

     وبتتبع موارد الاستعمال للحسبة في فتاوى الفقهاء نجد نظام الحسبة يشمل المراقبة والشهادة الطوعية بلا ادعاء (شهادة الحسبة) والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإشراف والتصرف والجباية والتسليم والولاية على أموال المحجور عليهم والقاصرين والمال الذي لا مالك له، وحضانة الأطفال وحضانة اللقيط، والتصرف باللقطات والودائع وحفظها من التلف، فهي نظام يتضمن مجموعة ضوابط وإجراءات تنظيمية وإصلاحية تقوم بها الحكومة الإسلامية في مختلف نواحي الحياة المالية والتجارية والاقتصادية والدينية والثقافية…الخ، وذلك لغرض صبغها بالصبغة الإسلامية وصيانة الأمن والاستقرار التام وتحقيق الدولة الإسلامية . وهذا يعني إن بيت المال وديوان بيت المال يخضعان لإشراف ومراقبة جهاز الحسبة أيضا، ويكون الاحتساب اصطلاحا القيام بتنفيذ تلك الضوابط والإجراءات بتكليف من الدولة أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر وفقا لأحكام الشرع وقواعده ([50]).

        1. نشأة الحسبة

     تشير الكتب والدراسات التاريخية إلى إن الحسبة نشأت منذ عهد الرسول e فقد مارسها e بنفسه، وفوضها أحيانا لغيره ([51]) ، وهناك عدة روايات تبين تولي الرسول e للحسبة بنفسه، فعن أبي هريرة” إن رسول الله e مرَّ على صبرة طعام فادخل يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال :”ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال :أفلا جعلته فوق كي يراه الناس؟ من غش فليس مني”([52])، كما كان يبعث أصحابه ويأمرهم بالقيام بها وتبعه من بعده الخلفاء، فقد كانوا يتولونها بأنفسهم ويطوفون في الأسواق والطرقات، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فإذا اشتغلوا عنها بتصريف أمور المسلمين وتجهيز الجيوش الغازية في الفتوحات الإسلامية، أسندوها إلى من يثقون به من المسلمين ([53]) ، ويمكن أن نرى ذلك بوضوح في عهد الإمام علي u إلى عامله على مصر مالك الاشتر عندما كتب إليه u يقول:”…ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختبارا، ولا تولهم محاباة  وأثرة، فإنهما جماع من شعب الجور والخيانة وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام المتقدمة، فإنهم أكرم أخلاقا، واصح إعراضا، واقل في المطامع إشرافا وابلغ في عواقب الأمور نظرا، …، ثم تفقد أعمالهم، وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم فان تعاهدك في السر لأمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعية .وتحفظ من الأعوان، فان أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهدا، فبسطت عليه العقوبة في بدنه و أخذته بما أصاب من عمله، ثم نصبته بمقام المذلة ووسمته بالخيانة، وقلدته عار التهمة”([54]) ، فمن هذا الكلام يبيِّن الإمام u إنَّه لابدَّ أن تتوافر مجموعة من الخصائص في موظفي الدولة والعاملين عليها منها الإيمان والتقوى، ومن الأمور المهمة هي ضرورة وجود المراقبة والمتابعة المستمرة لهم سواء أكانت بصورة مباشرة أم غير مباشرة للتأكد من قيامهم بأعمالهم وضرورة محاسبة ومعاقبة المخطئ منهم، وهذه من القواعد الأساسية في علم الرقابة الإدارية المعاصرة.

        1. المحتسب
          وهو موظف مختص معين من قبل الدولة، ، ووظيفته هي مزيجٌ من سلطات رجال الدين والشرطة والقانون والتموين ورجال الصحة والشؤون البلدية والمقاييس والمكاييل، و المحتسب لابدَّ أن تتوافر فيه مجموعة من الشروط والمؤهلات منها أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً، ويتسَّم بالعدالة والتقوى والعفة عن أموال الناس وان يكون ذا أخلاق حميدة و أدب عال، فضلا عن كونه على علم واطلاع واسع بأحكام الشريعة و بالمنكرات وطرق التدليس والغش قادراً على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بيده ولسانه ([55]) .

وكان المحتسب يراقب المرافق العامة للدولة ويعمل على صيانتها وتوفير الموارد المالية لها، كما يراقب تحصيل أموال الدولة ويجبر من يتهرب من دفع زكاة أمواله على الدفع، كما انه يمنع إنفاق الأموال العامة إلا في الوجوه المخصصة لها، وفضلا عن الرقابة المالية فانه كان يتدخل في الشؤون الاقتصادية إذا أدت الحرية الاقتصادية إلى الإخلال بمصالح المجتمع كمنع الاحتكار والتسعي([56]) .

        1.  كيفية الاحتساب

     لقد وضع العلماء قواعد وضوابط وصفات للاحتساب على سائر الناس وباختلاف طرق كسبهم للمعيشة سواء أكان ذلك عند موظفي الدولة أم أصحاب المهن الحرة، وضمَّنوا هذه القواعد أساليب الغش والخداع التي يلجا إليها بعض ضعاف النفوس في معاملاتهم مع الآخرين، وبسبب اختلاف وتعدد المهن والحرف والوظائف التي يمارسها مختلف الناس فان هنالك قواعد وضوابط تخصَّ كلَّ فئة منهم وكلَّ مهنة أو عمل أو فعل وكان من أهمها أرباب الحرف والصنائع والتجار والزراع([57](.

     يتضح مما سبق إن نظام الحسبة هو تشريع يهدف إلى مراقبة سلوك وتصرفات الأفراد في المجتمع الإسلامي على جميع فئاته وطبقاته في القول والفعل لصبغها بالصبغة الإسلامية وكذلك تعديل ومنع ما قد يقع من تصرفاتهم المضرة بالفرد والمجتمع، والحسبة تتسم بكونها نظام رقابي انضباطي أكثر من كونها نظام قضائي، والرقابة على حركة السوق وعملية البيع والشراء لحماية المستهلك من جشع المحترف هي من اولويات جمعيات حماية المستهلك التي انبثقت من فكرة نظام الحسبة في الاسلام([58]).

المطلب الثاني

تطور وسائل حماية المستهلك في القانون

       إنَّ الحركة التطورية التي مرَّت بها حماية المستهلك في الحقبة التاريخية وتمخَضَّت من رحمها مراحل عديدة، تكاد تكون مقتصرةً على الوسائل البدائية لحركة حماية المستهلك من جهة المنشأ والتأسيس، وعند وصول هذه المراحل إلى سنوات متقدمة في اواخر القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين، بدأت الانظمة الوضعية بالالتفات إلى الحاجات الاساسية للإنسان لضمان سلامته من الغش التجاري أو الاستهلاكي فانبثقت فكرة قانون حماية المستهلك، إذ بدأ هذا القانون بولادة ضعيفة قد اقتصرت في بادئ الامر على اربعة حقوق تطرق اليها الرئيس الامريكي جون كينيدي في وقتها لما تمثل هذه الحقوق والحماية من استراتيجية مهمة على الصعيدين السياسي والاجتماعي، وبعد هذه الفترة تصدت الجمعية العامة للأمم المتحدة لحماية حقوق الانسان إلى سن قوانين اخرى وان كانت ارشادية غير ملزمة، الاَّ انها اصبحت الأساس لولادة فكرة قانون حماية المستهلك ومن هذا المنطلق يمكن تقسيم مراحل تطور وسائل حماية المستهلك على فرعين: الأول مرحلة ما قبل إقرار قانون حماية المستهلك، والثاني هي ما بعد إقرار قانون حماية المستهلك .

الفرع الأول

مرحلة ما قبل إقرار قانون حماية المستهلك

       قد اهتمت الانظمة الوضعية بالمستهلك، باعتباره جزء من افراد المجتمع فقد اولته عناية خاصة وحظي بالاهتمام المتزايد منذ القدم، فمن خلال التشريعات القديمة في العراق ومصر والاغريق نرى ان قانون أور نمو أول تشريع سن لحماية المستهلك، والذي يعدَّ أقدم قانون في تاريخ العالم ([59]) إذ عالج مواضيع متعددة ([60]) مثل التامين الاجتماعي والموازين، امَّا قانون حمورابي فيعدَّ من اهم القوانين الخاصة في حماية المستهلك إذ انّه يفوق قانون الالواح الاثني عشر الروماني ([61]) ويؤكد هذا القانون على ضرورة ابرام عقد قانوني لا جراء معاملات البيع والشراء ويحدد في هذا العقد اسماء الاطراف المتعاقدة ويضمن للمشتري كافة الحقوق ([62]) ، هذا في العراق القديم، امَّا فيما يخص حماية المستهلك في مصر فمن القوانين المصرية التي وصلت إلينا قانونا حور محب وبخورسي وفيهما: تحديد السعر القانوني للفائدة العقاب على الأفعال، التي تمسّ المصلحة الاقتصادية للبلاد كتزييف النقود، أو المصالح الاقتصادية للأفراد كالغشّ في الموازين، وكانت عقوبة الجاني في الحالتين قطع اليد ([63]) .

     وعند الاغريق فقد وضع قانون دراكون جميع النظم القانونية في نصوص مدونة وذلك من اجل تحقيق مبدا العدالة والمساواة لحماية المستهلك ([64]) .

      أمَّا في العصر الحديث وفي اواخر القرن العشرين تحديداً، حظيت حركة حماية المستهلك بالاهتمام والرعاية من قبل معظم مجتمعات الدول المتقدمة ويمكن حصر التطور التاريخي لوسائل حماية المستهلك في هذه الحقبة الزمنية بالفترات الاتية: ([65])

أولاً- الفترة 1889- 1915م

       أزداد الاهتمام بوسائل حماية المستهلك في هذه الفترة لظهور حجم كبير من التظاهرات المعبِّرة عن ممارسات خاطئة عن المستهلك من تقديم نوعيات رديئة للسلع من جهة، وارتفاع الأسعار وتزايد عمليات الاحتكار من قبل الشركات من جهة أخرى، والتي تمثلت بتأسيس مجلس المستهلكين في سنة 1889 الذي دفع الكونغرس الأمريكي إلى سن قانون يسمح بفحص اللحوم المعروضة للمستهلكين، وكذلك سن قانون آخر للغذاء والدواء مما أدى إلى تأسيس دائرة مستقلة للطعام والغذاء في أمريكا.

ثانياً- الفترة 1930- 1960م

        اتسمت هذه الفترة بارتفاع متزايد في أسعار معظم السلع مما أدى إلى تزايد الاهتمام بالمستهلك والذي بلغ قمته في سنة 1933، من خلال الكتاب الذي نشره كالت وأشلنك الذي تطرق فيه الى فساد الأدوية والغش في مستحضرات التجميل والأغذية غير الصالحة للاستهلاك البشري، كما تميزت هذه الفترة بتأسيس اتحاد المستهلكين سنة 1936، بالإضافة إلى نشر كتاب عنوانه “حقيقة الطعام والدواء” من قبل المجلس الامريكي والذي أشار الى المخاطر الكامنة في مواصفات بعض السلع الغذائية والأدوية، كما تم في هذه الفترة ايضا تعديل القوانين والتشريعات الخاصة بالمستهلك الزيادة الفعالية في مقاضاة وردع مرتكبي الممارسات التجارية الخاطئة بحق المستهلكين وخصوصا الإعلانات المضللة.

 ثالثاً- الفترة 1960- 1977م

      ازداد عدد الممارسات الخاطئة من قبل الشركات الكبرى التي انتهزت الرواج الاقتصادي مع ارتفاع نسبة التضخم لحيز من الأرباح من جهة، وإلى اضعاف وسائل حماية المستهلك من جهة أخرى، كما شهدت هذه الفترة أيضا بروز مجموعة من التشريعات القانونية ، ففي هذه الفترة عقد المؤتمر التأسيسي للاتحاد الدولي لجمعيات حماية المستهلك عام 1960ووضعت اهم الاهداف التي اعتمدتها المنظمة الدولية للمستهلك وهي([66]) :

  1. دعم الجمعيات في مختلف دول العالم .
  2. تطوير التعاون الدولي بين البلدان.
  3. تحسين المواصفات والخدمات المتعلقة بحماية المستهلك.
  4. اعتماد المنظمة الدولية كهيكل لتبادل المعلومات .

      اما في المعاهدات الدولية فهناك اهتمام عالمي بحماية المستهلك ومن اهم هذه الاتفاقيات، اتفاقية بروكسل لعام 1968 بشان تنفيذ الاحكام الاجنبية، واتفاقية لاهاي عام 1978بشان القانون الواجب التطبيق على عقود الوساطة، واتفاقية فيينا بشان البيع الدولي للبضائع لعام 1980، واتفاقية روما لسنة 1980 بشان القانون الواجب التطبيق على الالتزامات التعاقدية .

الفرع الثاني

مرحلة ما بعد إقرار قانون حماية المستهلك

       تعدَّ حماية المستهلك من القضايا المهمة في عصرنا الحالي، لانَّ ما شهده العالم من نقله نوعية سواء في النواحي الاجتماعية أو الاقتصادية ادىّ إلى تغير في انتاج السلع والخدمات، وبالتالي تغير في السلوكيات الاستهلاكية لدى المستهلك وهو بحاجة دائمة للحماية مهما كان النظام الذي تطبقه الدولة.

      وانطلاقا من مبدأ الحفاظ على المستهلك، والتفكير بوسائل حمايته، تكوّنت في العالم منظمات حماية المستهلكين، والتي تأكدَّ لها أنَّ قوﺗﻬا في اتحادها، وفي إيجاد منظمة تنطق باسمها جميعا لدى الأمم المتحدة، فبرزت في الوجود منظمة المستهلكين الدولية، تُعنى بالمستهلك وتدافع عنه، كما انّ  قانون حماية المستهلك يعدُّ حديث النشأة، إذ بدأت بوادره بالولايات المتحدة الأمريكية بمبادرة من الرئيس الامريكي جون كينيدي سنة 1962، الذي أعلن أمام الكونغرس الأمريكي الحقوق الأساسية لحماية المستهلك ([67]) وهذه الحقوق هي: حق الاختيار، والمعرفة، والاستماع إلى آرائه، والتثقيف، والتعويض، وإشباع حاجاته الأساسية، والعيش بأمان، والحياة في بيئة صحية، وقد أقرَّها الاتحاد الدولي لجمعيات حماية المستهلك، واعتمدﺗﻬا الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1985، كأساس لوضع السياسات والتشريعات الخاصة بحماية المستهلك، وتشجيع التعاون الدولي في هذا اﻟﻤﺠال، إذ تمَّ مطالبة دول العالم بتطبيقها. وقد عدَّها هذا الإعلان بمثابة حق مكتسب لجمعيات المستهلك في العالم إذ تعاونت في تكوين اتحاد دولي أطلق عليه “المنظمة الدولية لاتحادات المستهلكين” كمؤسسة اهلية غير ساعية للربح تضم 170 جمعية للمستهلك([68]) .

       كما انَّ تطور وسائل حماية المستهلك في المحافل الدولية تجاوزت مؤسسيها لتشمل جهات أوسع، وسوف نقتصر على أهم هذه المحافل بشقيها التشريعي والفقهي وكالآتي:

  1.  تطور وسائل حماية المستهلك في المنظمة الدولية

      بالرغم من أن فكرة حماية المستهلك ترجع الى عهود قديمة، الاَّ انَّها لم تكن لتحظى بقدر كبير من الاهتمام لكي تصبحَ محوراً لدراسات متخصصة كما هي عليه الآن([69]) ، وذلك نظرا لما طرأ على المجتمعات الحديثة والمعاصرة من تغيرات جذرية في نمط الحياة المعيشية جعلت من الاستهلاك مشكلة يومية، لا يستطيع الفرد بمفرده التغلب عليها ومن المسائل التي تثير الاستغراب في هذا الصدد، انّه على الرغم من المكانة البارزة التي اخذت صداها دراسة موضوعات حماية المستهلك في عالمنا اليوم والاهتمام المتزايد بمجالاتها المختلفة، فان مفهوم المستهلك المقصود بالحماية لم يتحدد بالمعنى القانوني الدقيق ([70]) وهي الحقيقة التي عبر عنها احد الكتاب بقوله ([71])”انه من المفارقات غير المنطقية ان يبدا التطور رويدا رويدا نحو فكرة حماية المستهلك في حد ذاتها” .

     ومن اهم الحقوق الأساسية للمستهلك التي اعتمدتها الامم المتحدة في قرارها سنة 1985م ما يأتي([72]):

  •  حق تأمين الاحتياجات الأساسية:

وتشمل هذه الاحتياجات المأكل، والملبس، والمسكن، الصحة والتعليم، والسلع والخدمات الضرورية الأخرى.

  • حق الحصول على المعلومات:

أي توفير البيانات والمعلومات الضرورية عن السلع والخدمات التي توفر له الحماية ضد مظاهر الغش والخداع  مما يعني ضرورة ان تتاح للمستهلك فرص الحصول على المعلومات التي يحتاجها لاتخاذ الخيارات المناسبة، وان توفر له الحماية من الغش والتدليس والاعلانات المضللة والملصقات الدعائية الكاذبة، وذلك من خلال وضع تعريف المنتج وتقديم المعلومات وايجاد قواعد للمعلومات للمستهلك.

  • حق الأمان

   ويعني هذا الحق توفير الحماية والسلامة من السلع والخدمات الضارة التي تسبب خطورة على حياة الانسان، لذا لا بدَّ من تامين الاليات الفاعلة واصدار القوانين اللازمة لتامين ذلك.

  • حق التمثيل والمشاركة:

ويتمثل هذا الحق للمستهلك بحرية الاستماع إلى آرائه ومشاركته في اعداد وتطبيق السياسات واتخاذ الطرق المناسبة لتطوير وتعزيز تلك السياسات، وذلك من خلال تسهيل انشاء منظمات وجمعيات وهيئات ومؤسسات خاصة بحماية المستهلك تعبر عن شؤون حياة المستهلك.

  • حق التعويض:

   ويضمنُ هذا الحق للمستهلك حصوله على التعويض العادل في حالة تضرره من السلع والخدمات التي حصل عليها، ويتمُّ ذلك من خلال حق الدفاع والتشريعات المضمونة له.

  • حق الاختيار:

  ويضمن هذا الحق حرية المستهلك في اختيار السلع التي يرغب في شرائها من بين السلع المتعددة، وبأسعار تنافسية مع تامين درجة الجودة الكافية وفقا للمواصفات القياسية ([73]) .

  •  حق التثقيف:

    ويؤكد هذا الحق على حصول الفرد على الثقافة المتعلقة بحمايته كمستهلك بغية مساعدته في الاختيار الامثل للسلع والخدمات المتنوعة وبما يتناسب مع امكاناته المادية، ويتمُّ ذلك من خلال التوعية المتنوعة والمشاركة في الدورات ووسائل الاعلام.

  •  حق العيش في بيئة صحية:

    البيئة كلَّ ما يحيط الانسان من عوامل طبيعية وحيوية واجتماعية، ويكفل هذا الحق للمستهلك ان يحافظ على البيئة من الخطر للعيش في محيط يضمن له بيئة خالية من التلوث، وذلك من خلال ضمان كلِّ الاجراءات الكفيلة ومنع الاستخدام غير المتوازن للبيئة ومكوناتها.

  1. تطور حركة حماية المستهلك في فقه القانون المقارن

      إنَّ حماية المستهلك ليس بالفكرة الحديثة على التشريعات الوضعية بل هناك كثيراً من التشريعات التي اهتمت بتوعية المستهلك، ومن اهم الدول التي بادرت بإصدار قانون حماية المستهلك هي([74]) :

  • قانون الاستهلاك الفرنسي

     تحت ضغط جمعيات حماية المستهلك أصدر المشرع الفرنسي قانون توجيه التجارة والحرف في 27 ديسمبر 1973 والقانون المتعلق بالشروط التعسفية في 10 يناير 1978، وقد استرسل المشرع الفرنسي في إصدار النصوص الخاصة بحماية المستهلك إلى أن تم تجميع النصوص القانونية المتفرقة في تقنين واحد بموجب قانون مؤرخ في 26 يونيو 1993 بمثابة مدونة الاستهلاك، والتي عرفت تعديلات مهمة بموجب قانون رقم 96/95 كما تم إصدار النصوص التنظيمية الخاصة بهذه المدونة من خلال المرسوم المؤرخ في 27 مارس 1997، واصدر المشرع الفرنسي القانون رقم 334-2014 المؤرخ 17 مارس 2014 بشأن حماية المستهلك وتضمن نصوص تتعلق بإعلام المستهلك وحمايته وتطابق وأمان المنتجات والخدمات، وحماية الملكية الفكرية([75]).

  •  القانون الأمريكي

     تأسست كثير من المؤسسات في أماكن متفرقة من الولايات المتحدة الامريكية، حكومية وغير حكومية بهدف حماية المستهلك، ومن أهم المؤسسات الحكومية الأمريكية التي تولت السهر على حماية المستهلك الأمريكي “هيئة التجارة الفدرالية” التي تتمتع باختصاصات واسعة تشمل كلّ ما يتعلق بالممارسات التجارية، من إعلان، ووسائل ائتمان وغيرها، كما تتلقى شكاوى المستهلكين في هذا الخصوص بشكل مباشر، إلى جانب السعي إلى تنظيم وسائل البيع والتداول التجاري.

     ومن المؤسسات غير الحكومية “اتحاد المستهلكين” الذي تأسس عام 1936 والذي كان هدفه تزويد المستهلكين بالمعلمات اللازمة عن السلع والخدمات التي يريدون الحصول عليها، وتقديم الإستشارات في نفس المجال. وأيضا “منظمة حماية المستهلكين” التي أنشئت عام 1978 تولت تقديم المشورة القانونية والقضائية لمجموع المستهلكين في الدعاوى التي تقوم بينهم وبين المنتجين.

واهتم المشرع الأمريكي بمبدأ حماية المستهلك، وذلك من خلال القانون الفيدرالي الامريكي بشأن التوقيع الالكتروني لسنة 2000، إذ نص هذا القانون على أحقية المستهلك في الاطلاع على كافة المستندات المتبادلة الكترونيا([76]).

  • القانون الانجليزي

     اصدر المشرع الانجليزي العديد من القوانين التي تهتم بحماية المستهلك وتوفير ضمانات له في العمليات الاستهلاكية كافة، التي يبرمونها في شئون حياتهم المختلفة،إذ أصبح للمستهلك قانوناً خاصاً

يحميه من أي ضرر قد يقع عليه([77]).

  • قانون التجارة الالكترونية لدوقية لوكسمبورج وايطاليا

      اهتم هذا القانون بحماية المستهلك وأهمها إعلام المستهلك بالمعلومات الخاصة بالمورد وبمواصفات السلع والخدمات ومدة العرض والسعر وشروط القرض، كما فرض قانون التجارة الالكترونية بإيطاليا على الموردين إحاطة المستهلكين بالمواصفات التفصيلية للبضاعة او الخدمة في الوقت المناسب قبل ابرام العقد([78]) .

     ان تناولنا لتطور وسائل حماية المستهلك في الفقه الاسلامي والقانون الوضعي يمهد لنا الطريق للدخول في دراسة وتحليل المفاهيم والوسائل والاحكام ذات الصلة بموضوع “حماية المستهلك في عقود التجارة الالكترونية”، وهذا سيتم تناوله في فصلي الكتاب ان شاء الله تعالى.

الفصل الأول

مفهوم المستهلك والعقود في التجارة الالكترونية

في الفقه الإسلامي والقانون

المبحث الأول: مفهوم المستهلك في الفقه الاسلامي والقانون

المبحث الثاني: مفهوم العقد الالكتروني في الفقه الاسلامي والقانون

المبحث الثالث: مفهوم التجارة الالكترونية في الفقه الاسلامي والقانون

الفصل الأول

مفهوم المستهلك والعقود في التجارة الالكترونية في الفقه الإسلامي والقانون

              ان الحفاظ على الحقوق المشروعة وحمايتها يعد من المبادئ الأساسية للمجتمعات الانسانية المتحضرة، فمن خلال التعاطي والتبادل والنقل بين حقوق الناس بعضهم مع البعض، فلا بدَّ من سن اجراءات وقواعد ووسائل تنظم وتحافظ على تلك الحقوق، ومن بين تلك الحقوق حق المشتري (المستهلك) في حمايته في التعاقدات التي يجريها مع التاجر المحترف، إذ ارتأت الأنظمة ومنذ القدم على تكوين تلك الوسائل والقواعد لتسخيرها لحماية المستهلك وضمان حقوقه، في تلك التعاقدات التي كانت تجري في حدود التجارة التقليدية.

     ومع التطور التكنولوجي والمعلوماتي الهائل في وسائل الاتصال والتواصل اتسعت حركة التجارة واتسعت حركة النقل بأشكاله المختلفة، كما أدى ذلك إلى توزيع الخدمات التجارية، وإلى انتشارها في جميع أنحاء الدولة الواحدة.ومن زمن إلى آخر تحسنت العمليّة التجاريّة من حيث الشكل بل وحتّى المضمون، فجودة البضائع التي يتاجر بها الناس  اليوم ليست هي ذاتها التي كانت متداولة في العصور القديمة، كما اختلفت طرق مزاولة العمل التجاريّ، فظهر مفهوم جديد للتجارة يعرف بالتجارة الإلكترونيّة، وهي التجارة التي تتمّ باستخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة والتي تعتمد على شبكة الإنترنت كأساسٍ لها، كما ان المتعامل بها يسمى بالمستهلك(المشتري)الالكتروني والتاجر(البائع) الالكتروني إذ تتمّ كل من عمليّتي البيع والشراء إلكترونيّاً من خلال هذه الشبكة ،وتبعا لذلك ظهر مصطلح العقد الالكتروني([79]) .

     أما في الفقه الاسلامي فان التجارة تعد من المستحبات الاكيدة في نفسها وفي غيرها،كما انها تجب حينما تكون مقدمة لواجب،وقد تكون محرمة في اكتسابها ومعاملاتها، فضلاً عن ذلك يمكن ان تكون مكروهة لنفسها ولغيرها،وهذه الاحكام والوسائل تجنب المشتري(المستهلك)من الوقوع في خطر ان كان دنيوياً أو أخروياً،كما انها تقوم بحمايته من الوسائل الضارة في حالة تطبيقها تطبيقاً صحيحاً.

     ومن جملة المسائل التي ازدهر فيها الفقه الاسلامي في هذا الزمان فقه المعاملات والعقود حيث تصدى فقهاؤنا لمجمل هذه المسائل من الناحية النظرية والتطبيقية ، ووضعوا الحلول والمعالجات المناسبة لها،كما ناقشوا الكثير من الاجراءات والقوانين التي وضعها فقهاء القانون وبينوا ما هو صحيح وما هو فاسد،من خلال الاجتهادات الشرعية المبنية على المصادر التشريعية المعتبرة،ومن بين تلك المعاملات والعقود العقد الالكتروني الذي يبرم بين المشتري(المستهلك)والبائع(المهني) ، وعليه سنقسم الفصل على ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: مفهوم المستهلك في الفقه الاسلامي والقانون

المبحث الثاني: مفهوم التجارة الالكترونية في الفقه الاسلامي والقانون

المبحث الثالث: مفهوم العقد الالكتروني في الفقه الاسلامي والقانون

المبحث الأول

مفهوم المستهلك في الفقه الاسلامي والقانون

       إنَّ المعاملات المالية تحتلُّ الصدارة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية المعاصرة، لأَنها الركيزة الأساسية لحركة واستقرار الحياة، ويمكن أن نرى ذلك في معالجة الفقه الاسلامي للمعاملات المختلفة الجارية بين المسلمين من جهة أو بينهم وبين غيرهم من جهة أخرى، إذ جعلت الأصل في المعاملات الصحة(*)، لأنَّ المعاملات من أعظم الوسائل التي تحقق للإنسان مصالحه الدنيوية ([80]) .

     فضلا عن ذلك أن المعاملات التجارية والعقود بين المجتمعات لا تقف عند حد، بل تشهد مزيداً من التطور والتقدم، إذ انتهت في هذا الزمن إلى ما يفهم بمصطلح “العقود الالكترونية والتجارة الإلكترونية” التي تعدُّ من الوسائل المتطورة التي ابتكرها العقل البشري، إذ يسرت الاتصال بين أرجاء العالم، فاختصرت المسافات وأصبح العالم قرية صغيرة في متناول اليد.

     إنَّ حكم المعاملات والعقود في البيع والشراء في الفقه الاسلامي ان كانا في التجارة التقليدية أو التجارة الالكترونية هو الصحة والجواز الا اذا وقع المحذور الشرعي، وقد أسهمت هذه الاحكام والوسائل في حماية المستهلك ان كان تقليدياً أو الكترونياً، وفي ضوء ذلك فقد قسَّمنا المبحث الحالي على ثلاثة مطالب رئيسة:

المطلب الأول

مفهوم المستهلك في الفقه الإسلامي

    سنتناول في هذا المطلب، مفهوم المستهلك وحمايته كما وردت في الاستعمال القرآني واستعمالات السنة النبوية الشريفة، وتعريف المستهلك لغةً وفي اصطلاح الفقهاء، فضلاً عن ذلك تعريف المستهلك الالكتروني، وأيضاً تعريف الحماية لغةً واصطلاحاً، مع الاشارة الى شروط اكتساب صفة المستهلك، ووفق الفروع الثلاثة الآتية:

الفرع الأول

المستهلك وحمايته في الاستعمال القرآني والسنة النبوية

      إنَّ مفهوم المستهلك من المفردات المستحدثة التي ذكرت في القوانين الوضعية، الاَّ انَّها لم تكن غائبة في الفقه الاسلامي فقد جاءت بعبارات ومعاني مختلفة.

   وفي هذا الفرع نحاول تتبع معنى هذه المفردة أو مرادفاتها في الاستعمالي القرآني والسنة النبوية، وكيف تم التعبير عنها وتبيانها في هذين المصدرين الأساسيين للتشريع الاسلامي.

1. في الاستعمال القرآني:

      لم ترد لفظ أو كلمة المستهلك في الاستعمال القرآني انّما وردت مادتها في صيغ اخرى فالآيات والنصوص القرآنية تحدثت عن مضامين الاستهلاك ومعانيه، ولكن بعبارات وصيغ قرآنية ذات قيمة سامية.

    وقد حدد الراغب الاصفهاني كلمة الهلاك في الاستعمال القرآني بأربعة وجوه ([81]) :

الوجه الأول: افتقاد الشيء عنك وهو عند غيرك موجود. كقوله تعالى: )هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ( ([82]) .

الوجه الثاني: هلاك الشيء باستحالة وفساد، كقوله تعالى: )وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ( ([83]) .

الوجه الثالث: الموت، كقوله تعالى: )إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ(([84]) .

الوجه الرّابع: بطلان الشيء من العالم وعدمه رأسًا، وذلك المسمّى فناءً، المشار إليه بقوله تعالى: )كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ(([85]) .

    هذه هي الأوجه الأربعة التي ذكرها الراغب الاصفهاني، عند ورود مفردة الهلاك في القرآن الكريم وأيده العلماء عليها.

       والظاهر إن مقياس التمييز والمفاضلة بين مصطلح وآخر، يتمثل في الدقة والوضوح، ومدى سلامة وصحة دلالاته وأبعاده، وفي ضوء ذلك نقطع أن مصطلحات القرآن الاقتصادية والقانونية هي أفضل من الألفاظ الاقتصادية والقانونية الوضعية لفظا ومعنى، والشائعة بين الناس، فمثلا كلمة “الاستهلاك” إيحاؤها لغة واصطلاحا – ذُكِر سابقا- هو: التدمير، والهلاك، والإفناء للسلع والمنتجات والخدمات.

     فمصطلحات التدمير والهلاك والإفناء لا توحي أبدا بالنفع والفائدة للإنسان، وبذلك تصبح عملية الاستهلاك بالنسبة للمستهلك مجرد عملية تدميرية، وإهلاكيه لكلّ ما يستهلك لا غير، مع أنها في حقيقة الأمر غير ذلك، فهي عملية بنائية على درجة عالية من الأهمية لكلّ من الإنسان، والسلع والخدمات، على حد سواء، فهي للإنسان إشباع لحاجاته، ومن ثمَّ بناء لطاقاته، ويترتب على ذلك اقتدار الإنسان وتمكنه من إنتاج المزيد من السلع والخدمات، بقدر أكبر بكثير مما يستعمله أو يستهلكه منها، وبالتالي فالعملية في مجملتها عملية اقتصادية منتجة، يتولد عنها مزيد وفائض من الموارد من جهة، ومن طاقات وقدرات الإنسان من جهة أخرى([86]) .

    ومن هنا نعلم الحكمة المتعالية في إعراض القرآن الكريم عن استعمال مصطلح الاستهلاك، والتعبير عن مضمونه بألفاظ قرآنية فريدة ومتنوعة كلاً بحسبه.

    وعليه يمكن القول بأن مضمون الاستهلاك ورد في القرآن الكريم، وعبَّر عنه – كما ذهب إلى ذلك الراغب في مفرداته-([87]) بالنوع الثاني من معاني الهلاك، وهو -هلاك الشيء باستحالة أو فساد-، وقد مثل لذلك بهلاك الطعام، وهذا قريب جدا من استعمال الفقهاء لكلمة الاستهلاك والتي لا تخرج في الاصطلاح الفقهي عن معنيين([88]) :

  • إخراج الشيء من أن يكون منتفعا به منفعة موضوعة، ومطلوبة منه عادة.
  • تغيير الشيء من صفة إلى صفة أخرى.

  وهذا المعنى الأخير مطابق تماما لمعنى الهلاك في القرآن الكريم.

       إنَّ المتتبع لمعاني الاستهلاك في القرآن الكريم ومضامينه، يجد أن الله عزَّ وجلَّ قد عبرَّ عنه بألفاظ اقتصادية دقيقة، تحمل معاني النفع والفائدة للإنسان المستهلك، ومنها :الأكل من الطيبات واجتناب الخبائث، الانفاق، الرزق…الخ، من الألفاظ التي وردت في القرآن الكريم .

2. في السنة النبوية الشريفة:

      تمارس السنة النبوية دورها البنَّاء لحماية المستهلك من خلال فرض الرقابة على البائع المحترف والمهني، ومنعه من ممارسة الغش التجاري بجميع صورة وأشكاله، كخلط الرديء بالجيد من الطعام، وكتمان عيوب السلعة المباعة، ويعدَّ الغش التجاري من أسوأ الممارسات الضارة التي يتعرض لها المستهلك، وأكثرها شيوعا في مجال البيع والشراء. وقد حرَّمه الإسلام نظرا لما له من سلبيات على الفرد والمجتمع والأمة. فهو يؤثر سلبا على صحة المستهلك ويهدّد سلامته، ويضيع ماله، إضافة إلى ما فيه من اعتداء سافر على حقوق المستهلكين، ومس فاضح بها، من خلال حرمانهم من استهلاك سلعة أو منفعة ،إذ قال رسول الله e: “من غش المسلمين حشر مع اليهود يوم القيامة لأنهم أغش الناس للمسلمين”([89]).

     وعن أبي عبد الله u قال:”جاءت زينب العطارة الحولاء إلى نساء النبي e فجاء النبي e فإذا هي عندهم، فقال النبي e: إذا أتيتنا طابت بيوتنا، فقالت: بيوتك بريحك أطيب يا رسول الله، فقال e: ” إذا بعت فأحسني ولا تغشي فإنه أتقى لله وأبقى للمال”([90]).

    وعن أبي جعفر u قال: “كان أمير المؤمنين u بالكوفة عندكم يغتدي كل يوم بكرةً من القصر فيطوف في أسواق الكوفة سوقاً سوقاً ومعه الدرة على عاتقه وكان لها طرفان وكانت تسمى السبينة فيقف على أهل كل سوق فينادي: “يا معشر التجار اتقوا الله، فإذا سمعوا صوته u ألقوا ما بأيديهم وأرعوا إليه بقلوبهم وسمعوا بآذانهم، فيقول u : قدموا الاستخارة وتبركوا بالسهولة واقتربوا من المبتاعين وتزينوا بالحلم وتناهوا عن اليمين وجانبوا الكذب وتجافوا عن الظلم وأنصفوا المظلومين ولا تقربوا الربا وأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين، فيطوف u في جميع أسواق الكوفة ثم يرجع فيقعد للناس”([91]).

الفرع الثاني

تعريف المستهلك

     وردت عدة مفاهيم وتعاريف لمصطلح المستهلك لغة واصطلاحا، سيتناولها البحث:من خلال تعريف مفردتي الحماية والمستهلك لغة واصطلاحا كلاً على حدة، ثم التعرض لمفردة حماية المستهلك وما تعنيه في الفقه الاسلامي.

1- تعريف المستهلك لغة

    المُستهلِك لغة: أسم فاعل من إسْتَهلَكَ، المزيد فيه الهمزة والسين والتاء، ومادته الاصلية هَلَكَ بمعنى: فني أو مات، واستهلك المال : انفقه وانفده([92]) ، كما أن مفاهيم الاستهلاك تتسع لتشمل “الإنفاق، الشراء، الإتلاف، الإشباع، الإسراف، التبذير، التبديد، الأكل”([93])، ويتَّضح ذلك ان معنى الاستهلاك يأتي من: “هلك على وزن ضَرَبَ و مَنَعَ و عَلِمَ، هُلكاً بالضم، وهَلاكاً، وتهلُوكاً وهلوكا ًبضمها  ، وأهلك الشيء واستهلكه وهلكه ويهلكه لازمٌ ومتعدّ، واستهلك المال أنفقه”([94]).

    فالمستهلك لغة: هو من يقوم بعملية الاستهلاك.

2.التعريف الاصطلاحي

       وفي الجانب الفقهي الاسلامي المعاصر قد عرَّف الفقهاء الاستهلاك بانّه”شراء السلع أو المنفعة للاستخدام الشخصي وفق الضوابط الشرعية”([95]) ، وعرَّفه آخرون”هو استخدام السلع والخدمات، فيما يحقِّق المنفعة للفرد، مع الالتزام بضوابط الشريعة”([96]) .

      كما عرف المستهلك الالكتروني “هو شراء السلع أو المنافع للاستخدام الشخصي لا لغرض البيع ويتم عن بعد بطريقة الكترونية وفق الضوابط الشرعية”([97]) .

      لقد تعدَّدت التعاريف التي وضعها الفقه لمصطلح حماية المستهلك، ومن هذه التعاريف “هو اتخاذ جميع الاجراءات الكفيلة بتوفير الحماية للمستهلك سواء ما كان منها في مواجهة المنتج أو التاجر”([98]) ، أو ان المقصود بحماية المستهلك بوجه عام “هو حفظ حقوق المستهلك وضمان حصوله على تلك الحقوق من قبل المهنيين في كافة المجالات سواء كانوا تجاراً أو صناعاً أو مقدمي خدمات أو شركات، وذلك في اطار التعامل التسويقي الذي تكون محله سلعة أو خدمة”([99]) أو هو”الاهتمام بالمستهلك ذاته وتقديم كافة السلع والخدمات اليه في سهولة ويسر ودون تعريضه لأي أذى نتيجة حصوله على تلك السلعة أو تقديم الخدمة اليه”([100]) .

      وتأييدا مع المفهوم السابق للحماية، فأن هناك من يذهب إلى انَّ حماية المستهلك يجب ان تتعلق بالدرجة الاساس بمعاونة المستهلك في سبيل الحصول على ما يلزمه من مواد وأدوات وخدمات يتطلبها الاستقرار المعيشي والحياة في المجتمع، وذلك بأسعار معتدلة في كلّ الاوقات وتحت كافة الظروف مع دفع أي اخطار أو عوامل من شأنها الاضرار بمصالحه او حقوقه([101]) .

       فالحماية يجب ان تكون عامة : تشمل جميع المستهلكين دون تفرقة في الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي أو الجنس أو اللون أو العقيدة لأيّ مستهلك([102]) ، ويجب ان تكون شاملة : في الاحاطة بجميع تعاملات المستهلك دون التفرقة بين مرحلة وأخرى أو بين مجال وآخر، فهي مثلاً يجب ان تشمل كافة مراحل العقد بداية بالمرحلة السابقة لإبرامه ومروراً بمرحلة ابرامه وتنفيذه وهكذا [103]) .. .

       وهذا هو التعريف الراجح لمعنى الحماية من جهة وضع قواعد واجراءات واستعمال وسائل معينة تكفل الحفاظ على حقوق المستهلك ولجميع مراحل تعاقده مع المحترف (البائع أو المنتج) مثلا.

    فإذا كانت حماية المستهلك في القوانين الوضعية تتعّلق بتلك الأساليب والإجراءات، التي عملت الجهات الحكومية وغير الحكومية على توفيرها، ﺑﻬدف تعريف المستهلك بحقوقه في مواجهة الغير من التجار والمنتجين (المحترف المهني) ، فهي إًذا أساليب وإجراءات من وضع العقل البشري.

     لذا فانّ حماية المستهلك في الفقه الإسلامي تتعّلق بتلك الأساليب والإجراءات، المستمدّة من نصوص الشريعة الإسلامية ممّا يجعلها سماوية التشريع.

الفرع الثالث

شروط اكتساب صفة المستهلك

       إنَّ اكتساب صفة المستهلك –ان كان تقليدياً أو إلكترونياً-وفق القانون تستلزم بعض الشروط (*): “ان يكون المستهلك شخصاً طبيعياً أو معنوياً، وأن يكون مبتغاه الحصول على السلع والخدمات لإشباع حاجاته الشخصية” وهذه الصفة القانونية غير منافية بل ومقبولة لدى الفقه الاسلامي، لكن بشرطها وشروطها وهو مراعاة الضوابط الشرعية ومنها الحفاظ على مصلحة النفس والغير، وأن تكون حاجاته مشروعة([104]).

المطلب الثاني

مفهوم المستهلك في القانون

       إنَّ المستهلك في علاقته القانونية مع المحترف يروم الحصول على السلع والخدمات التي يحتاجها وقد تنطوي هذه العلاقة على اختلال في التوازن بسبب حالة الضعف المسيطرة على المستهلك لمصلحة المحترف، اذ ان الاخير يتمتع بمركز أقوى من جهة القدرة الاقتصادية والخبرة، ومن أجل الاحاطة بمفهوم المستهلك يتوجب علينا بيان تعريفه أولاً، ومن ثمَّ تحديد الشروط الواجب توفرها لاكتسابه صفة المستهلك ثانياً، وسنخصص لكلّ من ذلك فرعاً مستقلاً.

الفرع الأول

تعريف المستهلك

      إنَّ تحديد مفهوم المستهلك أثار جدلا واسعا لدى فقهاء القانون، اذ يتنازع هذا المفهوم اتجاهان احدهما واسع والآخر ضيق.

1.الاتجاه الواسع لمعنى المستهلك:

      فالمستهلك بمقتضى الاتجاه الواسع “هو كلّ من يبرم تصرفاً قانونياً من اجل استخدام المال او الخدمة في اغراضه الشخصية او في اغراضه المهنية”([105]) .

     ويستند فقهاء القانون القائلون بالمفهوم الواسع للمستهلك إلى نص المادة (35) من القانون الفرنسي الصادر في 10 كانون الثاني 1978 المتعلقة بالشروط التعسفية، والتي وضعت المستهلك وغير المهني في جهة، والمهني في جهة اخرى، إذ استنبط هؤلاء الفقهاء إنَّ المشِّرع باستخدامه لمصطلحي المستهلكين وغير المهنيين في الوقت ذاته انمّا اراد بذلك ان يسبغ حمايته القانونية على المهني عندما يبرم تصرفاً قانونياً لا يدخل في نطاق تخصصه، وان القول بغير ذلك انما يجعل من مصطلح المهني لغواً زائداً وهو ما لا تصح نسبته الى المشرع([106]) .

       اما القانون العراقي، فقد تبنى قانون حماية المستهلك العراقي رقم (1) لسنة 2010 الاتجاه الواسع لمفهوم المستهلك، إذ عرَّفت المادة الاولى – خامساً- من هذا القانون المستهلك بانه ( الشخص الطبيعي او المعنوي الذي يتزود بسلعة أو خدمة بقصد الافادة منها ) .

2.الاتجاه الضيق لمعنى المستهلك

       وقد عرف المستهلك من قبل المشرع الفرنسي بأنه “من يقوم باستعمال السلع والخدمات لاشباع حاجياته الشخصية، وحاجيات من يعولهم، وليس بهدف اعادة بيعها او تحويلها او استخدامها في نطاق نشاطه المهني”([107]) ، كما ان المشرع الفرنسي قام بتجميع تشريعات حماية المستهلك لديه والتنسيق بينها في مجموعة واحدة تحت مسمى تقنين الاستهلاك التي صدر بها القانون 949-92 في 26 يوليو 1999.

      فقد اعتمد الفقهاء وأحكام القضاء الفرنسي على المفهوم الضيق لمفهوم المستهلك، وقد كان الهدف من تبني الاتجاه الضيق هو استبعاد من يتعاقد لأغراض مهنية، والاقتصار على الشخص الطبيعي دون المعنوي لأنه هو الذي يمكن تصوره مستهلكا مشبعا حاجاته اليومية من مأكل وملبس، وهو الطرف الضعيف في العقد.

      كما يمكن ان نبين الاختلاف بين المستهلك والمشتري فهو أن المشتري “هو الذي يقوم باتِّخاذ قرار الشّراء وتنفيذه، وقد يستهلك أو لا يستهلك المنتج، وقد يستفيد أو لا يستفيد من الخدمة، اما المستهلك فهو الذي يستهلك السلعة أو ينتفع من الخدمة المؤداة له([108]) .

  أما المستهلك الالكتروني فيمكن تعريفه: “والمستهلك في نطاق معاملات التجارة الالكترونية هو ذاته المستهلك في عملية التعاقد التقليدية، لكنه فقط يتعامل من خلال وسائط الكترونية”([109]) .

      وقد عرفت الحماية بانها اتخاذ الإجراءات الوقائية التيّ تؤدِّي إلى منع خطر قادم، أو التقليل من حدوثه، أو إنذار من تسول له نفسه الإقدام عليه([110]) .

      وتعرف حماية المستهلك أيضاً بأﻧﻬا عبارة عن حركة منظمة لحماية المصالح الاقتصادية للمستهلكين تمارسها مجموعة متعدِّدة من الأجهزة الحكومية وغير الحكومية  ﺗﻬدف إلى تعريف المستهلك بحقوقه، فيما يتعّلق بالمعلومات الصحيحة والمفيدة عن السلع والخدمات، التي يريد الحصول عليها  بحيث لا تقتصر حماية المستهلك فيها على مرحلة تسويق السلع والخدمات إليه، بل تمتد إلى مراحل الانتاج والاستهلاك ايضاً([111]).

      أما تعريف البائع (المحترف) : فقد اختلف فقهاء القانون في الفقه الفرنسي حول عد المحترف الذي يتعاقد في غير تخصصه مستهلكا حتى يتمتع بالحماية القانونية التي يتمتع بها المستهلك، لذلك فقد اضاف فقه القانون الفرنسي شرطا لعد المحترف في غير تخصصه مستهلكا وهو ان لا تكون العملية المتعاقد عليها ذات صلة مباشرة بممارسة مهنته، وهذا ما استقر عليه القضاء الفرنسي المعاصر([112]) .

     وعرف المشرع العراقي البائع (المحترف،المجهز) بأنه “كل شخص طبيعي أو معنوي منتج أو مستورد أو مصدر أو موزع أو بائع سلعة أو مقدم خدمة سواء أكان أصيلاً أم وسيطاً أم وكيلاً”([113]) .

الفرع الثاني

شروط اكتساب صفة المستهلك

       إنَّ اكتساب صفة المستهلك لا يتم إلا بتوافر شروط معينة في من يراد وصفه بها، ويمكن أن نستخلص هذه الشروط من تعريف المستهلك ذاته، ويمكن تلخيصها بنقاط ثلاث هي([114]) :

  1. أن يكون المستهلك شخصاً طبيعياً أو معنوياً.
  2. أن يبغي من تصرفه القانوني الحصول على سلع أو خدمات.
  3. أن يهدف من اقتناء هذه السلع أو الخدمات لإشباع حاجات شخصية أو مهنية غير متخصص فيها.

المطلب الثالث:المقارنة والمفاضلة بين مفهوم المستهلك في الفقه الاسلامي والقانون

       أنَّ معنى المستهلك في الفقه الاسلامي لا يختلف عن معناه في القانون من الجانب اللفظي والنظري، ومن خلال الجدول رقم (1)  سوف نوضح اوجه المقارنة بين مفهوم المستهلك في الفقه الاسلامي والقانون وكالاتي([115]) :

جدول (1) : المقارنة و المفاضلة بين مفهوم المستهلك في الفقه الاسلامي والقانون

ت

مفهوم المستهلك في الفقه الاسلامي

مفهوم المستهلك في القانون

1

المستهلك هو من يقوم بالاستهلاك الذي يكون من حقه فعله، بشرط الحفاظ على مصلحته ومصلحة اﻟﻤﺠتمع، وذلك سواء كان الاستهلاك ﻧﻬائيا أو وسطيا، مع الابتعاد عن الاستهلاك الذي تكون الغاية منه جلب الأنظار

يقوم باستعمال السلع والخدمات لإشباع حاجياته

2

سواء كان-تقليدي أو الكتروني- فإن ما يدفعه للاستهلاك هو الحاجة المشروعة، وهي ابتغاء مرضاة الله تعالى

أهمّ ما يدفعه للاستهلاك هو إشباع حاجة لديه، سواء كانت مشروعة أم لا ؟

3

هو حفظ حقوق المستهلك وضمان حصوله على تلك الحقوق من قبل المهنيين في كافة المجالات سواء كانوا تجاراً أو صناعاً أو مقدمي خدمات أو شركات وفق ضوابط شرعية تتكفل بالحماية لكافة حقوقه وفق الشريعة الاسلامية

هو الحصول على ما يلزمه من مواد وأدوات وخدمات يتطلبها الاستقرار المعيشي والحياة في المجتمع وتحت كافة الظروف .

4

تحّفزه مجموعة من الدوافع، التي أقرَّﺗﻬا وبيَّنتها الشريعة الإسلامية، والتي تدفعه للاستهلاك، وهي تعدّ ذات أهمية إذ أﻧّﻬا تميّز المستهلك المسلم عن غيره

وعملية مادية على درجة عالية من الأهمية لكلِّ من الإنسان والسلع والخدمات، وعلى حدٍ سواء، فهي للإنسان إشباع لحاجاته، ومن ثم بناء لطاقاته، ويترتب على ذلك اقتدار الإنسان وتمكنه من إنتاج المزيد من السلع والخدمات، بقدر أكبر بكثير مما يستخدمه أو يستهلكه منها

المبحث الثاني

مفهوم العقد الالكتروني في الفقه الاسلامي والقانون

       من جملة المسائل التي ازدهر فيها الفقه الاسلامي في هذا الزمان فقه المعاملات والعقود إذ تصدى فقهاؤنا لمجمل هذه المسائل من الناحية النظرية والتطبيقية، ووضعوا الحلول والمعالجات المناسبة لها، كما ناقشوا كثيراً من الاجراءات والقوانين التي وضعها فقهاء القانون وبينوا ما هو صحيح وما هو فاسد، من خلال الاجتهادات الشرعية المبنية على المصادر التشريعية المعتبرة، ومن بين تلك المعاملات والعقود العقد الالكتروني الذي يبرم بين المشتري (المستهلك) والبائع (المهني) .

وقد قسمنا المبحث على ثلاثة مطالب رئيسة:

المطلب الأول

مفهوم العقد الالكتروني في الفقه الاسلامي

       تعدّ العقود من المسائل الموجودة قبل صدور وولادة الفقه الاسلامي، اذ ليس للشارع حقيقة اصطلاح خاص في العقد ولم يزد به شيئاً، وانَّما أقره وأمضاه بما يتفق مع مبدأ العدالة، وعليه سنتناول في هذا المطلب تعريف العقد الالكتروني وخصائصه وأركانه، وفق الفروع الأربعة الآتية :

الفرع الأول

تعريف العقد الالكتروني

          قبل تعريف العقد الكترونياً لابدَّ من معرفته تقليدياً في اللغة والاصطلاح

  1. العقد في اللغة

       العقد مصدر فعل:عقد الشيء يعقده عقدا وتعاقدا، وعقده، فانعقد وتعقد، اذا شّده فانشد، فهو نقيض الحل، وهو في الأصل للحبل ونحوه من المحسوسات، ثم أطلق في أنواع العقود من البيوع والمواثيق وغيرها ، ويطلق على الضمان والعهد يقال: عاقدته على كذا إذا عاهدته عليه، ويطل على الوجوب يقال: عقد البيع إذا أوجبه، وجميع هذه المعاني تدور حول معنى الربط والشد([116]) .

  1.  العقد في الاصطلاح

      جاء في العقد تعريفات عدة نذكر منها:

أ. إنَّ العقد “هو ارتباط ايجاب بقبول على وجه مشروع يثبت أثره في محله”([117]) .

ب. وقد عرف” بانه شد أحد الالتزامين وعقده بالآخر”([118]).

   وقد عرف العقد الالكتروني بانه: “عقد بواسطة الكتابة، أو هو ايجاب وقبول بالرسائل الالكترونية عن بعد”([119]) .

        وعرف بانه:” عبارة عن ايجاب وقبول بين طرفين يتم عبر وسائط اتصال الكترونية         عن بعد”([120]) ، كما عرف بانه: ” عقد يتم بموجبه الاتفاق بين ارادتين الايجاب والقبول بواسطة شبكات الاتصال الالكترونية عن بعد”([121]) .وعرف:” بأنه التزام بين طرفين على اجراء عقد بواسطة الوسائل الالكترونية ويتم هذا الالتزام عبر شبكات الكترونية عن بعد”([122]) .

الفرع الثاني

أركان العقد الالكتروني

   قبل التطرق إلى أركان العقد الالكتروني، لابدَّ من معرفة أركان العقد التقليدي وكالآتي:

        ذهب جمهور الفقهاء إلى أنَّ للعقد أركان ثلاثة هي الصيغة والعاقدان والمعقود عليه”المحل” ([123]) ، فالعقد لا يوجد إلا إذا وجد عاقد، وصيغة “الإيجاب والقبول”، ومحل يرِد عليه الإيجاب والقبول “المعقود عليه”. كما ذكر الفقهاء في فقه المعاملات ان للعقد ثلاثة أركان هي(صيغة العقد، والمتعاقدان، والعوضان([124]).

         وصيغة العقد التي تسمى عند القانونين “التعبير عن الإرادة”- هي ما صدر من المتعاقدين دالا على توجه إرادتهما الباطنة لإنشاء العقد وإبرامه، ويقصد هنا بالإرادة الباطنة” الرضا(*)، وهو أساس كل تعاقد، ولا يصح تملك شيء إلا برضا صاحبه، والرضا أمر باطني لا يطلع عليه أحد فقامت الصيغة مقامه، فهي قرينة دالة على إرادة المتعاقدين لإنشاء العقد([125]) ، وتتكون صيغة العقد من الإيجاب والقبول، إذ إنهما يدلان على رضا المتعاقدين.

       أما العاقدان هما جانبا العقد والمؤسسان له، والموجدان للصيغة ([126]) ، ويمكن أن يكون العاقد يتعاقد أصالة عن نفسه أو وكيلاً أو ولياً أو وصياً، وقد يكون الجانب الواحد في العقد فردا واحدا وقد يكون أفراداً متعددين.

     اما العوضان (المعقود عليهما) وهو الركن الثالث للعقد فيفسره الفقهاء بانه محل العقد ولبه وغايته، وهو الذي وقع عليه التعاقد وفيه تظهر أحكام العقد وآثاره، وهو مشبع لحاجات المتعاقدين، ويختلف باختلاف العقود، فقد يكون مالاً كالمبيع بالنسبة إلى عقد البيع، أو منفعة مال كسكنى الدار، أو منفعة ليس بمال كالمنفعة المترتبة على عقد الزواج، أو عملاً كعمل العامل([127]) .

   ويرى بعض الفقهاء المعاصرين أن أركان العقد الالكتروني في الفقه الاسلامي هي: “الايجاب والقبول، والمحل، والعاقدان”([128]) ، وسوف نذكرها بشيءٍ من التفصيل.

  1. الايجاب والقبول:
  • الإيجاب:

        وهو ما صدر ممن يكون منه التمليك، وإن جاء متأخراً([129])   .

        وقد عرَّفَ الفقه الاسلامي الايجاب الالكتروني بانه عبارة عن ايجاب بتوسط الكتابة أو الاشارة الالكترونية، عبر الشبكة العالمية للاتصالات([130]) .

        اما طريقة توجيه الايجاب الالكتروني في العقد الالكتروني، سواء تم ذلك عن طريق الموقع الالكتروني، أو عن طريق البريد الالكتروني، يلزم ان يتضمن هذا الايجاب كل العناصر اللازمة لإبرام العقد، فمثلا لو كان الايجاب خاص بعقد البيع وانصب على المحل، فيجب عندها تحديد المبيع، ووصفه وصفا دقيقا، وتحديد ثمن البيع، وطريقة سداده، وغير ذلك من الشروط الأساسية في التعاقد([131]) .

         وهذا لا يختلف عنه في الفقه الاسلامي بل زاد على ذلك، إذ يرى الشيخ بشير النجفي:ان الخيار يثبت إذا ظهرت البضاعة بخلاف ما أتفق عليه، وكذلك اذا ظهر عيب في البضاعة، واذا تلفت الحاجة قبل تسلمه اياها، ويثبت الخيار للبائع أيضاً اذا ترك المستهلك البضاعة ومضت ثلاثة أيام في البضاعة التي لا تتلف قبل مرور ثلاثة أيام وهكذا في الشرع المقدس ([132]) .

  • القبول:

   وهو الفعل الثاني الدال على الرضا بالفعل الأول([133]) .

     والفقه الاسلامي قد عرف القبول الالكتروني بانه” عبارة عن قبول بتوسط الكتابة أو الاشارة الالكترونية، عبر الوسائط الالكترونية”([134]) .

       وقد اشترط الفقه الاسلامي شروطًا ثلاثة في الإيجاب والقبول، حتى ينعقد العقد، هي([135]) :

الشرط الأول: توافق الإيجاب مع القبول

      إن المقصود بتوافق الإيجاب مع القبول في الفقه الإسلامي، هو توافق الرضا بين العاقدين، فإن كان الاختلاف لا يضر بالطرف الآخر، بل كان له فيه فائدة، انعقد العقد، ولا أثر للمخالفة،          وإلا فلا([136])  .

الشرط الثاني: أن يكون القبول متصلا بالإيجاب

         إن اتصال القبول بالإيجاب ضروري لوجود العقد مع عدم اشتراط الفور بالقبول، وذلك عند الامامية، والأحناف، والمالكية، بخلاف الشافعية والحنابلة، إلا أنهم قالوا بخيار المجلس، وبذلك ينتفي الخلاف في اشتراط الفور في القبول([137]) .

الشرط الثالث: وضوح الدلالة على مراد المتعاقدين

        يشترط أن يكون كلّ من مادة اللفظ المستعملة في الإيجاب والقبول، في كل عقد تدل لغة، أو عرفًا، على نوع العقد المراد إبرامه بينهما، لأن الإرادة الحقيقية الباطنة خفية، ولاختلاف العقود بعضها عن بعض في الموضوع والأحكام المترتبة على كلّ عقد، فإن جهل، لم يعرف بيقين أن العاقدين قصدا عقدًا بعينه، لا يمكن إلزامهما بأحكامه الخاصة به.

        أما في العقد الالكتروني، فقد اختلف فقهاء المسلمين في صيغة الايجاب والقبول، فهل أن عرض السلعة مع بيان ثمنها من خلال الاعلان الالكتروني يعد ايجاباً من المحترف؟، أو أن تعبير المستهلك عن ارادته بالحصول على السلعة يعدَّ قبولاً؟، وفي توضيح حكم ذلك، فقد ذكروا ([138]) :أن الايجاب والقبول يتوقف على الانشاء المبرز بأحد أساليب الابراز القولية أو الكتبية أو الفعلية، نعم يمكن اعتبار ذلك قانوناً عاماً، يبني عليه التجار معاملاتهم، بان يعد عرض السلعة مع بيان الثمن ايجاب، وحصول المستهلك على السلعة بارادته يعد قبولاً، وحينئذ يصح الشراء على انه عقد معاطاتي.

        وأما استعمال الايجاب والقبول الالكتروني من سليم الارادة(*) وبمختلف الطرق الالكترونية من بصمة أو رسالة الكترونية فلا اشكال فيه([139]) .

2. المحل

        وسيتم تعريفه ومعرفة شروطه، مع بيان شروط المحل في العقد الالكتروني بحسب:

  •  تعريف المحل

      محل العقد، أو المعقود عليه، هو: ما يثبت فيه أثر العقد وحكمه([140]) . وقد يكون عينًا مالية كالمال المبيع في عقد البيع، أوقد يكون منفعة، كمنفعة الدار المستأجرة في عقد الإجارة([141]) .

  • شروط المحل

حدد الفقهاء شروط المحل بأربعة هي([142]) :

الشرط الأول: كون المعقود عليه مشروعاً

     وهذا الشرط في محل العقد بأن يكون قابلا لحكمه شرعاً، باتفاق الفقهاء، بأن يكون مالاً مملوكاً متقوما، فإن لم يكن قابلا لها كان العقد باطلا.

الشرط الثاني: وجوده حين العقد

أكثر الفقهاء قالوا أنه لا ينعقد بيع المعدوم قبل وجوده.

الشرط الثالث: أن يكون المحل معلوما

       يشترط في المحل أن يكون معينا معروفا لكلا العاقدين، وتنتفي الجهالة المفضية إلى النزاع، ولهذا اشترطت الشريعة الإسلامية في المحل أن يكون معلوما.

       ويحصل العلم بالمحل بتعينه بالرؤية عند العقد أو قبله بوقت ينتفي تغيره عن حاله، أو بالإشارة إليه إذا وجد عند التعاقد، أو بوصفه وصفًا يبين جنسه ونوعه، وهذا الشرط متفق عليه عند الفقهاء في عقود المعاوضات في الجملة.

الشرط الرابع: أن يكون المحل مقدورا على تسليمه:

        هذا الشرط باتفاق العلماء، وهو شرط معقول، لأن الغاية من التعاقد وصول كل منهما إلى ما يترتب على العقد من آثاره، كتسليم المبيع للمشتري، وتسليم البائع الثمن، أو الثمنية والمنفعة في الإجارة، وهكذا، وهذا الشرط موجود فقط في عقود المعاوضات.

       ويشترط في المحل وفقا للقواعد العامة ان يكون معينا، أو قابلا للتعيين، وان يكون مشروعا،

وان يكون موجودا او قابلا للوجود([143]) .

       أما شروط المحل في العقد الالكتروني: يشترط توافر الشروط ذاتها في محل العقد الالكتروني سواء اكان العقد المبرم عن طريق البريد الالكتروني أو عن طريق المواقع الالكترونية مع بعض الخصوصية فيما يتعلق بشرط التعيين، فاذا كان وصف محل العقد الالكتروني يتم على شبكة المعلوماتية فانه غالبا ما يكون مصحوبا بصورة على الموقع، أو ان المتعاقد يتلقى رسائل الكترونية تتضمن وكل ما يتعلق بمحل العقد المزمع ابرامه نوعه ومواصفاته، وان عملية الوصف هذه تتمتع بقيمة قانونية، فهي التزام يؤدي الى ضمان جودة المحل وصحته، ودقة المواصفات المطلوبة فيه والمنصوص عليها في العقد المراد ابرامه ([144]) .

      وهذه الحالات يجيزها الفقه الاسلامي لان هذا الوصف يرفع عن السلعة الجهالة الفاحشة، ويثبت للمستهلك خيار الرؤية، كما يشترط الفقهاء ان يكون الثمن معيناً، بنوعه ومقداره، فاذا أطلق الثمن عن ذكر الصفة، انصرف الى الغالب نقد البلد، ويغلب على التعاقد الالكتروني تحديد الثمن، ببيان نوع العملة ومقدارها، الا ان دفع الثمن يتم عن طريق بطاقة الائتمان أو الدفع الالكتروني، كما ان بعض المعاملات تتطلب أوضاعاً خاصة، كي تعتبر صحيحة شرعاً، فعقد السلم يشترط لصحته تعجيل رأس المال، وعقد الصرف يشترط لصحته القبض الفوري([145]) .

       كما لا تختلف الطريقة الوضعية عن الفقه الاسلامي من الناحية الوصفية، فالفقه الاسلامي قد وضع قواعد وآليات وشروط لحماية المستهلك من المحترف، باعتبار المستهلك الطرف الضعيف غالبا في العقد الالكتروني، وذلك من خلال ان يكون المحل واضحاً بيناً، كأن يكون المبيع مكيلاً أو موزوناً، فلا يجوز البيع من دونهما، واذا كان المبيع مشاهدةً، فلا يجوز من دون المشاهدة، واذا كان كلياً، فيجب ان يكون موصوفاً، فان وصف بدقة صح البيع، وان لم يكن حسب ما وصف خارجاً، كان له حق الخيار([146]) .

  1. العاقدان:

    وقد تم توضيحه في أركان العقد، وما يهمنا في هذا البحث هو تسليط الضوء على أهلية العاقد لما لها من أهمية في عملية التعاقد الالكتروني.

  •  تعريف الاهلية

    عرفها اللغويون بأنها:الصلاحية، يقال:فلان أهل لهذا العمل، أي صالح له وجدير به([147]) .

    وفي لسان الفقهاء: صلاحية الشخص لصدور الفعل عنه وطلبه منه وقبوله اياه([148]) .

      وعرفها بعض الفقهاء المحدثين بأنها: صفة يقدرها الشارع في الشخص تجعله صالحاً لأن تثبت له الحقوق وتثبت عليه الواجبات ويصح منه التصرف([149]) .

      فاذا كان الشخص صالحاً للإلزام والالتزام وأهلاً لثبوت الحقوق المشروعة له وعليه صحت تصرفاته وتكاملت أهليته.

     وقد يكون الشخص متمتعاً بجزء من تلك الاهلية بأن تثبت الحقوق المشروعة له وعليه فقط من غير أن يكون مؤهلاً لأن ينشئ التزاماً وواجباً عليه، يكون متمتعاً بأهلية الوجوب فقط. أما اذا تمتع بالإضافة الى ما تقدم بصلاحية التعامل واستعمال الحقوق فقد تمتع بالأهلية كاملة.

  •  أقسام الاهلية:

   وعليه يمكن تقسيم الاهلية على قسمين:

القسم الأول:أهلية الوجوب

      وهي صلاحية الشخص لوجوب الحقوق الشرعية له وعليه، أو هي وصف يصير به الانسان أهلاً لما له أو عليه([150]) .

     وهذه الاهلية في نظر الفقه الاسلامي، لا علاقة لها في السن أو العقل أو الرشد، لان كل انسان يتمتع بها حتى الجنين أو المجنون([151]) .

    وهي تتكون من عنصري الالزام والالتزام([152]) .

  • فالالزام: يؤهل الشخص لان تثبت له الحقوق دون ان تثبت عليه.
  • والالتزام:وهو عنصر يستتبع وجود الذمة.

القسم الثاني:أهلية الأداء

     وهي” صلاحية الشخص المكلف لصدور الفعل عنه على وجه يعتد به شرعاً “([153]) .

ومعناها صلاحية الانسان بعد بلوغه سن الرشد لممارسة الاعمال التي يتوقف اعتبارها الشرعي على العقل، ويمكن أن نسميها بأهلية التعامل، لانها الاساس لممارسة الاعمال والتصرفات الشرعية، التي تعتمد قصد الفاعل وحرية ارادته وتنورها([154]) .

   فمن كانت عبارته صالحة لأن تكون سبباً لثبوت الحقوق له وعليه فعنده أهلية الأداء، ومن لم تكن عبارته صالحة لتلك السببية فهو فاقد أهلية الاداء([155]) .

       ويرى الباحث، بأن أهلية الاداء هي المقصودة بالتعامل معها بالقانون الوضعي والفقه الاسلامي، لما لها من علاقة في تصرفات المحترف أو المشتري (المستهلك).

       فعندما يطرأ على أهلية الاداء ما يوقف من قابليتها وصلاحيتها للتعامل ويحد من تصرفاتها المشروعة ولو بصورة مؤقتة اما لمصلحته، أو لمصلحة الآخرين فتكون ناقصة بعد ان كانت تامة، ومن ثم تحد من صلاحيته وتمنعه من التصرفات التي تنشأ التزاماً له أو عليه.

       وقد تبع القانون الوضعي الفقه الاسلامي في هذه المسألة، فيرى بعض فقهاء القانون، أن أهلية الاداء مقصورة على التصرفات القانونية دون غيرها، لأنهم يفرقون بين العمل القانوني والعمل المادي، فالعمل القانوني: عبارة عن اتجاه ارادة الشخص الى ترتيب أثر قانوني معين، يتم نتيجة مباشرة لهذا الاتجاه، أما العمل المادي:فهو عمل لا يقصد من ورائه الشخص الأثر القانوني الذي ترتب عليه، وانما ترتب هذا الاثر بفعل القانون.

      فالأعمال المادية الضارة والنافعة تترتب آثارها لا وفقا لإرادة شخص، وانما وفقا لما اراده القانون، ولذا لم يشترط في الالتزام بالعمل المادي أية أهلية، وانما أهلية الاداء مقصورة على التصرفات القانونية دون غيرها([156]) .

        وعليه فالقانون الوضعي يتماشى مع الفقه الاسلامي من كون فاقد أو ناقص الاهلية من حال عقلية أو صحية أو بلوغ(*) أو ظروف خاصة، أن ارادتهم لا تكون هي الارادة الحرة المتنورة التي ينشأ بها التصرف الشرعي والقانوني، فاعتبروها ارادة غير كافية لإلزام صاحبها([157]) .

الفرع الثالث

مجلس العقد

        في هذا الفرع سوف يتم معرفة المجلس مع معرفة أحكامه:

  1. تعريف المجلس:

     عرف الزرقاء المجلس بأنه” المدة الزمنية التي تكون بعد الإيجاب والطرفان مقبلان علـى التعاقد دون إعراض من أحدهما”([158]) ، وقال أيضا: إن المراد باتحاد المجلس اتحاد الزمـان أو الوقت الذي يكون المتعاقدان مشتغلين فيه بالتعاقد، فمجلس العقد هو الحال التي يكـون فيهـا المتعاقدان مقبلين على التفاوض في العقد([159]) .

وعرف بعضهم المجلس “هو المكان الذي يتم فيه ابداء الإيجاب والقبول فيتوافقان فيه ويرتبطان فيكمل العقد”([160]) .

   وعلى هذا الرأي يكون مجلس العقد ممتدا مدة الزمن الذي يظل فيه المتعاقدان مشتغلين بالتعاقد سواء بقيا في مكانيهما أو غادراه، أو هو المدة التي تفصـل بـين صـدور الإيجـاب والقبول المعتبرين شرعا.

       يرى الباحث أن تعريف الزرقاء هو الذي يتلائم مع تصرفات الناس في هذه الأيام، في ظـل ما استحدث من وسائل الاتصال الحديث، والقفزة الهائلة في ميدان التجارة الإلكترونية([161])

      والظاهر أن طبيعة التعاقد عبر وسائل الاتصال تجعلنا نعتقد بأن التعاقدَ عبرَ شبكة الإنترنت، المرئية والمسموعة، يجري عليه قانون التعاقد بين حاضرين من حيث الظرف الزماني لا المكاني، لكونه يحتوي على مجلس عقد حكميٍّ وهو يتشابه في الاعم الأغلب من مجلس العقد الحقيقي، أما الظرف المكاني فإنه يتحدد بالقانون الواجب التطبيق، الذي أجازه المشرع الاسلامي مع وضع ضابط الشرط وقبوله بين الطرفين عند إبرام العقد.

  1. حكم مجلس العقد:

       وقد اتخذ مَجْمَعُ الفقه الإسلامي قرارا حول إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة مبينا فيه الأحكام المتعلقة بهذا الأمر، ونص القرار هو :قرار رقم  (52 3/ 6 ) بشأن حكم إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة:([162])

        إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقدَ في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من 17 – 23 شعبان 1410هـ الموافق 14 – 20 آذار (مارس) 1990م، وبعد اطِّلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة، ونظراً إلى التطور الكبير الذي حصل في وسائل الاتصال، وجريان العمل بها في إبرام العقود لسرعة إنجاز المعاملات المالية والتصرفات.

      وباستحضار ما تعرَّضَ له الفقهاء بشأن إبرام العقود بالخطاب وبالكتابة وبالإشارة وبالرسول، وما تقرَّر من أن التعاقد بين الحاضرين يشترط له اتحادُ المجلس – عدا الوصية والإيصاء والوكالة – وتطابقُ الإيجاب والقبول، وعدمُ صدور ما يدل على إعراض أحد العاقدين عن التعاقد، والموالاةُ بين الإيجاب والقبول بحسب العرف.

قرَّر ما يلي:

أولاً: إذا تمَّ التعاقد بين غائبين لا يجمعُهما مكان واحد، ولا يرى أحدهما الآخر معاينةً، ولا يسمع كلامَه، وكانت وسيلةَ الاتصال بينهما: الكتابة، أو الرسالة، أو السفارة (الرسول) ، وينطبق ذلك على البرق، والتلكس، والفاكس، وشاشات الحاسب الآلي (الحاسوب) ، ففي هذه الحالة ينعقد العقد عند وصول الإيجاب إلى الموجه إليه وقبوله.

ثانياً: إذا تم التعاقدُ بين طرفَيْنِ في وقت واحد، وهما في مكانين متباعدين، وينطبق هذا على: الهاتف واللاسلكي، فإن التعاقدَ بينهما يعتبر تعاقدًا بين حاضرين، وتُطبَّقُ على هذه الحالة الأحكامُ الأصليَّةُ المقرَّرة لدى الفقهاء المشار إليها في الديباجة.

ثالثاً: إذا أصدر العارض بهذه الوسائل إيجابًا محدَّدَ المدة، يكون ملزمًا بالبقاء على إيجابه خلال تلك المدة، وليس له الرجوع عنه.

رابعاً: إن القواعد السابقة لا تشمل النكاحَ، لاشتراط الإشهاد فيه(*) ، ولا الصرفَ، لاشتراط التقابض، ولا السَّلَمَ، لاشتراط تعجيل رأس المال.

خامساً: ما يتعلق باحتمال التزييف أو التزوير أو الغلط، يرجع فيه إلى القواعد العامة للإثبات.

      ومن شروط ما حدده الفقهاء لانعقاد العقد هو اتصالَ القبول بالإيجاب في مجلس العقد – إن كان الطرفان حاضرَيْنِ معًا – أو في مجلس علم الطرف الغائب بالإيجاب، على ألا يَصدُرَ من أحدهما ما يُعتبَرُ إعراضًا عن التعاقد.

     أما صدور الإيجاب والقبول ممن لا إرادة له معتبرة، كالمجنون، والنائم، والصبي غير المميز، ومن في حكمهم، فلا أثر له ولا يترتب عليه شيء([163]) .

المطلب الثاني

مفهوم العقد الالكتروني في القانون

      يعدَّ العقد من المفاهيم التي دخلت لتنظيم العلاقة بين طرفين أو ارادتين(*) ، لانشاء أو نقل أو انهاء حق، وعليه سنتناول في هذا المطلب تعريف العقد الالكتروني وخصائصه وأركانه، وفق الفروع الأربعة الآتية :

الفرع الأول

تعريف العقد الالكتروني

      لقد عرف القانون المدني العراقي العقد بانه “ارتباط الايجاب الصادر من أحد العاقدين بقبول الآخر على وجه يثبت اثره في المعقود عليه”([164]) .

    وعرف العقد أيضاً: هو توافق إرادتين على إحداث أثر قانوني، أو بعبارة أخرى، هو توافق إرادتين على إنشاء رابطة قانونية أو تعديلها أو إنهائها ([165]) .

     وقد عرف بعضهم أيضاً العقد الالكتروني بأنه” اتفاق يتلاقى فيه الإيجاب والقبول على شبكة دولية مفتوحة للاتصال عن بعد، وذلك بوسيلة مسموعة ومرئية وبفضل التفاعل بين الموجب   والقابل”([166]) .

      وجاء في التوجيه الأوربي الصادر عام 1997 المتعلق بحماية المستهلك في العقود المبرمة عن بعد، تعريف العقد الالكتروني بأنه عقد متعلق بالسلع والخدمات يتم بين مزود ومستهلك من خلال الاطار التنظيمي الخاص بالبيع عن بعد أو تقديم الخدمات التي ينظمها المورد والذي يتم باستخدام واحدة أو أكثر من وسائل الاتصال الالكترونية حتى اتمام العقد([167]) .

           وعرفه آخر بأنه العقد الذي تم انعقاده بوسيلة الكترونية، بقصد انشاء التزامات تعاقدية([168]) .

      نلاحظ من خلال هذه التعاريف انه لا فرق بين العقد التقليدي والالكتروني الا من خلال الطريقة أو الوسيلة المتبعة عبر شبكة الانترنت وبأدوات الكترونية.

الفرع الثاني

خصائص العقد الالكتروني

        يتميز العقد الالكتروني عن غيره من العقود بعدد من الخصائص أهمها([169]) :-

  1. العقد الالكتروني عقد يتم ابرامه عن بعد

       لان اطراف العقد غير ماثلين في مجلس العقد، من حيث المكان، فهو تعاقد بين غائبين من حيث المكان، وتعاقد بين حاضرين من جهة الزمان، كون ان التفاعل الحاصل بين العاقدين عبر شبكة المعلوماتية الانترنيت يعدُّ تفاعلا بين حاضرين

  1. العقد الالكتروني يتسم بالطابع التجاري والاستهلاكي

      غالبا ما يطلق على هذا العقد بعقد التجارة الالكترونية، والواقع ان تلك الصفة السائدة لذلك العقد،

اذ يتفرد البيع التجاري بالنصيب الأعظم من إجمالي العقود التي تنفذ عبر الشبكة المعلوماتية([170])، الا انه يمكن ان يتم بين الافراد العاديين من جهة، ويمكن ان يرد على الخدمات والمنافع بصورة ايجار او مقاولة، ولكن غالبا ما يكون مقدم السلعة على الأقل تاجر أي يتمتع بالصفة التجارية.

  1. العقد الالكتروني ذو طابع دولي

      العقد الالكتروني يمكن ان يكون عقدا داخليا، يكون المتعاقدين في العقد من الدولة نفسها، الا ان هذا العقد غالبا ما يتسم بالطابع الدولي، حيث تتم اغلب المعاملات بين أشخاص يتواجدون وينتمون الى دول مختلفة، فقد يكون المستخدم في دولة، والمورد والمنتج في دولة أخرى، وشركة تكنولوجيا معالجة المعلومات وادخالها وتحميلها عبر الشبكة من دولة ثالثة.

  1. العقد الالكتروني يتسم بالعمومية

      الايجاب في العقد الالكتروني غالبا ما يتسم بالعمومية، أي ان هذا العقد يكون مطروحا للتعاقد، لمن يرغب بذلك من الجمهور، وهو ما يؤدي الى ترسيخ الصفة التفاعلية بين مستخدمي شبكة المعلوماتية حول العالم.

  1. سرعة ابرام وتنفيذ العقد الالكتروني

     امكانية التنفيذ الفوري للعقد الالكتروني، اذ انه من الممكن تنفيذ هذا العقد بشكل آني وفوري، فيتم أداء الخدمات او الحصول على بعض السلع بصورة فورية وسريعة، وكذلك فان الوفاء بالالتزامات قد يتم بشكل فوري بمجرد انعقاد العقد عبر الشبكة، وهو ما يزيل الفارق بين الحدين الزمنيين، اللذين يفصلان بين صدور الايجاب واقتران القبول به، وبذلك تحل المعاصرة وتنقضي فكرة الفاصل الزمني بينهما بشكل كلي.

  1. التوثيق والتوقيع الالكتروني

     للعقد الالكتروني خصوصية فيما يتعلق بطريقة ابرام العقد واثباته وطريقة الوفاء به، إذ يتمُّ استخدام الوسائط الالكترونية في كلّ ذلك([171]) ، فمن جهة الاثبات تعدُّ الكتابة على الدعامة الورقية، هي الأساس في الاثبات متى ما كانت موقعة بالتوقيع اليدوي، امّا العقد الالكتروني فيتمُّ اثباته عبر الوثائق الالكترونية والتوقيع الالكتروني، اما من جهة الوفاء فقد حلَّت النقود الالكترونية محل النقود العادية، من خلال بطاقات الدفع والائتمان  .

  1. طبيعة العقد الالكتروني

     اختلف الفقه القانوني في تحديد الطبيعة القانونية للعقد الالكتروني الى ثلاثة اتجاهات وهي([172]) :-

الاتجاه الأول : يذهب بعض فقهاء القانون الفرنسي والانكليزي والعربي، الى ان العقد الالكتروني هو عقد اذعان على اعتبار ان المتعاقد، لا يملك الا ان يضغط في عدد من الخانات المقترحة امامه، في موقع المتعاقد الآخر على مواصفات معينة، ومنها مواصفات السلعة وثمنها المحدد مقدما، ولا يملك ان يناقش أو يعارض المتعاقد الآخر حول شروط التعاقد التي يوردها على الموقع، فهو لا يكون امامه الا التوقيع في حالة القبول أو عدم التوقيع في حالة الرفض. فالبائع (المحترف) هو الذي يقوم بوضع شروط التعاقد دون أن يمكن المشتري من مناقشتها ، ويعتمد أنصار هذا الاتجاه على تغليب المعيار الاقتصادي، اذ ينشأ الاذعان عندما يكون هنالك تفاوت، وعدم توازن اقتصادي بين الطرفين وتنعدم المساواة القانونية والفعلية بين ارادتيهما، فاحدهما يتمتع بنفوذ قوي والآخر ضعيف بسبب حاجته الملحة للتعاقد([173]) .

الاتجاه الثاني: يعتقد أصحاب هذا الاتجاه الى ان العقد الالكتروني ما هو الا عقد رضائي*))، وان لم يكن من العقود المسماة، اذ ينظر الى كل عقد على حدة، وذلك لان المتعاقد يستطيع اللجوء الى مورد أو منتج آخر للسلعة أو الخدمة، اذا لم تعجبه شروط احد الموردين أو المنتجين، كما انه لا يمكن الاعتماد على المعيار الاقتصادي فقط وانما يجب النظر الى الاعتبارين القانوني والاقتصادي معا، وذلك لانَّ عقود الاذعان هي من عقود الاحتكار والمنافسة الضعيفة مثل عقد توريد الكهرباء أو الغاز ويكون احتكار هذه السلع احتكاراً قانونيا وفعليا .

 الاتجاه الثالث:  يذهب أنصار هذا الرأي إلى انه يجب التمييز في طريقة ابرام العقود الالكترونية عند تحديد الطبيعة القانونية، إذ انَّ العقود الالكترونية من جهة آلية ابرامها هي امَّا عقود يتم ابرامها عن طريق البريد الالكتروني للمتعاقدين أو عن طريق الشبكة العنكبوتية من خلال محركات البحث عن المواقع الالكترونية .

   فالعقود التي تبرم عن طريق المواقع الالكترونية قد تحتوي على سمات عقود الاذعان اما بالنسبة الى العقود التي تبرم عن طريق البريد الالكتروني فغالباً ما تكون عقود رضائية إذ يتمُّ التفاوض على ابرام العقد عن طريق ارسال الرسائل الالكترونية بين المتعاقدين عن طريق المواقع الشخصية الالكترونية إلى أن يقترن ايجاب احد المتعاقدين بقبول الآخر فينعقد العقد([174]).

الفرع الثالث

أركان العقد الالكتروني

       فيقصد بأركان العقد “هي المتطلبات اللازم توفرها في العقد حتى يكون صحيحا وسليما ومسنونا “([175]).

     وقد ذكر فقهاء القانون ان أركان العقد ثلاثة هي([176]) :

  1. الرضا (التراضي)
  2. والمحل
  3. والسبب

وبعضهم أضاف ركنا رابعا وهو “الأهلية القانونية” وهذه تسمى بالأركان العامة للعقد، ويجب توفرها في جميع العقود كما انَّ هناك شروطاً شكلية وهي خاصة بأنواع معينة من العقود مثل عقد الشركة ([177]) .

            ويعدُّ الرضاء أو التراضي([178]) من الاركان الاساسية في العقد ويجب ان يكون موجودا حتى يقوم العقد، الا ان وجود الرضا لوحده ليس كافيا بل يجب ان يكون هذا الرضا صحيحا بمعنى ان تكون الارادة صادرة من شخص له أهلية اضافة الى نقاء الارادة وخلوها من العيوب التي قد تطرأ عليها، وتجعل العقد موقوفاً كالإكراه والغلط والتغرير مع الغبن والاستغلال([179]) .

   أما المحل –باعتباره ركنا من اركان العقد- فهو ما يلتزم به المدين لمصلحة الدائن، وقد يكون القيام بعمل، كمحل التزام المقاول ببناء منزل، والمؤجر بتسليم العين المؤجرة، او الامتناع عن عمل كالتزام البائع بعدم التعرض للمشتري في الانتفاع بالشيء المبيع([180]) . ونصت المادة 126 من القانون المدني العراقي ان :(لا بدّ لكل التزام نشأ عن العقد من محل يضاف اليه يكون قابلاً لحكمه، ويصح ان يكون المحال مالاً، عيناً كان او ديناً او منفعة، او أي حق مالي آخر كما يصح ان يكون عملاً او امتناعاً عن عمل).

     وفي حقيقة “المحل” قال فقهاء القانون ان المحل ركن من الالتزام لا في العقد، ولكن أهميته لا تظهر إلا في الالتزام الناشئ من العقد، لذلك فهو يبحث –عادة- ضمن أركان العقد([181]) .ويشترط قانونا في محل الالتزام باعتباره من اركان العقد ان يكون ممكنا في ذاته([182]) .

    أمَّا “السبب”(*).

 باعتباره ركنا في الالتزام فهو الغرض الذي يقصد الملتزم الوصول إليه وراء رضائه التحمل بالالتزام، و بمعنى آخر الغاية التي يستهدف الملتزم تحقيقها نتيجة التزامه([183]) ، ونصت المادة 132 من القانون المدني العراقي على ان: ” يكون العقد باطلاً اذا التزم المتعاقدون دون سبب او لسبب ممنوع قانوناً ومخالف للنظام العام او للآداب. ويفترض في كل التزام ان له سبباً مشروعاً ولو لم يذكر هذا السبب في العقد ما لم يقم الدليل على غير ذلك. اما اذا ذكر سبب في العقد فيعتبر انه السبب الحقيقي حتى يقوم الدليل على ما يخالف ذلك”.

      إنَّ الاركان الثلاثة في العقد التقليدي هي نفسها في العقد الالكتروني، الاَّ انَّ الاختلاف في الوسيلة والطريقة التي تطبق فيها هذه الاركان، كما ان ركن الرضا في العقد الالكتروني يمتاز ببعض الخصوصية وتكاد تنحصر تلك الخصوصية فيه، وسوف نقف عند ركن الرضا بشيء من التفصيل، اما بالنسبة لركني المحل والسبب فتكاد تنعدم فيهما أي خصوصية لهذا العقد عن الاحكام العامة المنظمة لهذين الركنين.

  • ركن الرضا

       يتشابه عقد التجارة الالكتروني مع العقود التجارية الأخرى بقيامه على مبدأ الرضا، ويعدُّ الرضا جوهر العقد والاساس الذي يستند عليه، وفي ضوء ذلك يستحسن توضيحه وفق الآتي:

  1. مفهوم الرضا:

       إنَّ طريقة التعبير عن ركن الرضا في العقود الالكترونية، جاء في المادة (18/أولاً) من قانون التوقيع الالكتروني والمعاملات الالكترونية العراقي رقم 78 لسنة 2012، انه (…يجوز ان يتم الايجاب والقبول في العقد بوسيلة الكترونية).

   وهناك وسائل متعددة للتعبير عن الارادة في العقد الالكتروني منها البريد الالكتروني، وموقع الانترنت، و المحادثة، والتنزيل عن بعد ([184]) .

  1. عناصر الرضا

       يستند الرضا على عنصرين اساسيين هما الإيجاب والقبول ([185]) :

العنصر الأول: الايجاب

     ويعرف الايجاب بشكل عام هو: التعبير البات عن ارادة شخص يتجه الى شخص اخر يعرض عليه التعاقد على أسس وشروط معينة ([186]) .

       أما الايجاب الالكتروني، فقد عرفه التوجيه الاوربي الخاص بحماية المستهلكين : الايجاب في العقود المبرمة عن بعد:- “هو اتصال عن بعد يتضمن كل العناصر اللازمة، إذ يستطيع المرسل إليه أن يقبل التعاقد مباشرة ويستبعد من هذا النطاق مجرد الاعلان” ([187]) .

      ويلاحظ من هذا التعريف أن الايجاب في العقود الالكترونية لا يختلف عن الايجاب التقليدي، فالإيجاب هو نفسه ولكن طريقة التعبير عنه تختلف، الا وهي استعمال الوسائط الالكترونية للتعبير عن الايجاب الالكتروني.

    وقد ألزم التوجيه الأوربي، الخاص بحماية المستهلك في العقود المبرمة عن بعد، بحماية المستهلك الموجب في هذه العقود، بضرورة بيان اسمه، وعنوانه البريدي، وضرورة بيان خصائص السلعة أو الخدمة، وتحديد السعر، وبيان أي تكاليف اضافية كأجور النقل([188]) … .

العنصر الثاني: القبول

    ويعرف القبول بشكل عام: هو التعبير البات عن ارادة الطرف الذي وجه اليه الايجاب، فهو الارادة الثانية في العقد([189]) .

     اما القبول الالكتروني: فهو التعبير البات عن ارادة الطرف الذي وجه اليه الايجاب عن طريق الشبكة المعلوماتية ([190]) ، ويلاحظ ان ما يميز القبول الالكتروني انه يتم عن طريق وسائط الكترونية لا سيما وان التبادلات الالكترونية هي التبادلات التي تنجز باستعمال المستندات الالكترونية.

     ولكي ينتج القبول أثره لابدَّ ان يتطابق تماما مع الايجاب فاذا ما اختلف بشيء عن الايجاب عُد ايجابا جديدا يحتاج الى قبول كي ينعقد العقد.

     اما شروط القبول: فيجب أن يصدر القبول إلى من وجه إليه الايجاب، ويجب أن تتجه نية القابل الى ابرام العقد، ويجب أن يطابق القبول الايجاب، وان يصدر قبل سقوط الايجاب([191]) .

     واما شروط القبول الالكتروني: فقد حددت لجنة الاونسيترال التابعة للأمم المتحدة شروط القبول الالكتروني اذ قالت :”يعتبر القبول مقبولا اذا تسلم مرسل هذا الايجاب قبولا غير مشروط للإيجاب خلال التوقيت المحدد” ([192]) .

الفرع الرابع

مجلس العقد

     إنَّ مجلس العقد يتخذ أهمية خاصة نظراً لتعلق المسألة بحضور أو غياب العاقدين، وما تترشح منه مسائل قانونية في معرفة حصول الايجاب والقبول، ومجلس العقد على نوعين: مجلس العقد الحقيقي ومجلس العقد الحكمي.

1. مجلس العقد الحقیقي

      يعني به أنْ يتم بین حاضرين حضوراً حقيقياً وينشغلان فيه بالتعاقد ولا ينصرفان عنه قبل انفضاض المجلس، ویكون الانفضاض للمجلس بتفريق كلّ مِنْ المتعاقدين بإبدانهما كأن ينصرف من وجه إليه الإيجاب إلى مكان آخر غير مكان مجلس العقد بعد أنْ علم بالإيجاب ([193]) .

2. مجلس العقد الحكمي (التعاقد بین غائبین)

      وهو المجلس الذي لا یكون فیه أحد المتعاقدين حاضرا فيه حضوراً حقيقياً حيث تنقضي فیه فترة مِنْ الزمن بین صدور القبول وعِلْم الموجب به إذ علم الموجب بالقبول فوراً ویكون التعاقد بین

حاضرین ([194]) .

       وفيما يتعلق بالتعاقد الالكتروني فإنه يتميز بانَّه يتمُّ عن بعد، وبسبب وجود أطراف التعاقد في أماكن مختلفة لذا فان مجلس العقد بصورته المادية غير موجود في مثل هذا التعاقد، وهذا الأمر دعا بعضَ القانونيين على ان يعتبروا التعاقد الإلكتروني هو تعاقد بين غائبين ([195]) .

المطلب الثالث:المقارنة والمفاضلة بين مفهوم العقد في الفقه الاسلامي والقانون

  إن الفرق بين الفقه الاسلامي والقانون في تعريف العقد وكما ذكر الزرقاء :أن تعريفه (وهو ارتباط ايجاب بقبول على وجه مشروع يثبت أثره في محله) -ذكر سابقاً- أحكم منطقا وأدق تصورا من التعريف القانوني وذلك من خلال الجدول رقم ( 2) وكالاتي([196]):

جدول (2) : المقارنة و المفاضلة بين مفهوم العقد في الفقه الاسلامي والقانون

ت

مفهوم العقد في الفقه الاسلامي

مفهوم العقد في القانون

1

هو انشاء للنقل أو لفرض الحق أو انهائه لا التزاماً بفعل ذلك، فالبيع مثلا في الفقه الغربي ليس انشاء للتمليك والتملك أو النقل والتبادل، وانما هو انشاء للالتزام بفعل ذلك

عبارة عن انشاء الالتزام بنقل حق أو ايجاده، وليس بنفسه انشاء للنقل أو للحق

2

الايجاب والقبول([197])

اتفاق الارادتين

3

يلزم ان يكون جامع مانع

هو عبارة عن انه جامع غير مانع

4

ليس هو اتفاق الإرادتين ذاته، وإنما هو الارتباط الذي يقره الشرع ([198])

العقد الباطل الذي يعتبره التشريع لغواً من الكلام لا ارتباط فيه، ولا يترتب عليه أثره.

         ان تعريف الزرقاء هو التعريف الراجح للعقد – سواء العقد التقليدي أو العقد الالكتروني لانهما لا يختلفان الا في الوسيلة- بعد ما عرفنا ان لا فرق بين النوعين الا من خلال وسائط الاتصال التي يتم بها العقد، فيلاحظ أن هناك فروقات واضحة في تعريف العقد بين الفقه الاسلامي والقانون، أهمها أن العقد أميز من الالتزام من كونه هو بذاته تكوين لايجاد حق أو نقله، وليس مجرد تكوين الالتزام بين طرفين بنقل حق أو ايجاده مثلما عُرِف في القانون الوضعي.

       كما يمكن توضيح الفرق بين التعريفين في الفقه الاسلامي والقانون من خلال تتبع الجذر التاريخي لهما، وكالآتي (*) :

  • ان الفقه الاسلامي سبق جميع التشريعات الوضعية في تعريف العقد بانه ارتباط ايجاب وقبول.
  • كما ان الفقه الاسلامي أول من شرع انتقال الملكية من البائع الى المشتري، عند ابرام العقد الصحيح، وضمن الضوابط الشرعية.
  • فضلاً عن ذلك ان الفقه الاسلامي له الاسبقية في الالتزامات التي تتم من ارادة واحدة ولا تحتاج الى ارادة ثانية، مثل الوقف والكفالة والهبة والجعالة والطلاق المجرد عن المال وغيرها.

         إنَّ طبيعة الاتجاه الشرعي الاسلامي حول العقود الالكترونية ان كانت عقود اذعان أو عقود تراضي هي عقود حقيقية، وليست صيغة قانونية فرضت شركات الاحتكار على الافراد اتباعها، كما هي في عقود الاذعان، أو عقود يكون للمشتري أو المستهلك الحق في الاختيار ايهما شاء ابرام العقد أو عدمه، كما هي في عقود التراضي.

ويرى الباحث: إن العبرة في تحديد تعريف العقد الالكتروني وتحققه هو مدى توفر أركان العقد وشروطه فضلا عن وسيلة الاتصال والتواصل بين طرفي العقد التي تتميز بكونها الكترونية في العقد الالكتروني ويتمُّ هذا العقد عن بعد، وهذا يقترب مع الرأي القائل أن:” انّ كل عقد عرفي ولو كان جديداً ولم يكن متعارفاً عند نزول النص، يجب الوفاء به اذا كان مشتملاً على شروط العقد والعوضين والمتعاقدين، ولم ينه عنه الشارع المقدس([199])”.

المبحث الثالث

مفهوم التجارة الالكترونية في الفقه الاسلامي والقانون

        تعدّ التجارة من أبرز الأنشطة البشرية الاقتصاديّة قديماً وحديثاً، فهي العمليّة التي يتم من خلالها تلبية حاجات الأفراد المادية من سلع وخدمات ومقتنيات، ولا يخفى لما لتبادل السلع والخدمات من منافع اقتصادية عديدة، فضلا عن ان التبادل التجاري بين الدول يترتب عليه ارتفاع مستوى المعيشة وإعادة توزيع العمالة المحلية والعالمية، ونتيجة لتطور حركة التجارة اتسعت حركة النقل بأشكاله المختلفة، وأدت إلى توزع الخدمات التجارية، وإلى انتشارها في جميع أنحاء الدولة الواحدة.

      ومن زمن إلى آخر تحسنت العمليّة التجاريّة من ناحية الشكل بل وحتّى المضمون، فجودة البضائع التي يتاجر بها الناس اليوم ليست هي ذاتها التي كانت متداولة في العصور القديمة، كما اختلفت طرق مزاولة العمل التجاريّ، فاليوم هناك مفهوم جديد للتجارة يعرف بالتجارة الإلكترونيّة، وهي التجارة التي تتمّ باستخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة والتي تعتمد على شبكة الإنترنت كأساسٍ لها، إذ تتمّ كل من عمليّتي البيع والشراء إلكترونيّاً من خلال هذه الشبكة.

    وفي الفقه الاسلامي فان التجارة تعد من المستحبات الاكيدة في نفسها وفي غيرها، كما انها تجب حينما تكون مقدمة لواجب، وقد تكون محرمة في اكتسابها ومعاملاتها، فضلاً عن ذلك يمكن ان تكون مكروهة لنفسها ولغيرها، وهذه الاحكام والوسائل تجنب المشتري (المستهلك) من الوقوع في خطر ان كان دنيوي أو أخروي، كما انها تقوم بحمايته من الوسائل الضارة في حالة تطبيقها تطبيقاً صحيحاً،وعليه سوف نقسم المبحث على ثلاثة مطالب رئيسة:

المطلب الأول

مفهوم التجارة الالكترونية في الفقه الاسلامي

      إنَّ التجارة الالكترونية لها نصيب في الفقه الاسلامي لذلك سوف نعرفها مع بيان أحكام أنشطتها،وتقسم ذلك على فروع هي:

الفرع الأول

مفهوم التجارة

      إن التجارة من الكسب الطيب الذي حثَّ الإسلام عليه وأمر به وبيّنَ أهميتها، وعدَّ المعاملة بها مباحاً(*) مالم يدخل بالمحذور الشرعي المبين في مصادره المعتبرة، إذ إنَّ القرآن الكريم يسمى أرباحها فضل الله تعالى، إذ قال تعالى: )وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ( ([200]) .

وعليه يمكن تعريف التجارة بصورة عامة لغةً واصطلاحاً وكالآتي:

1. التجارة لغة

     إنَّ التجارة في اللغة مشتقة من الفعل تجر يتجر تجراً، أو تجارة، أي باع واشترى ([201]) .

2. التجارة اصطلاحاً

      هي تقليب المال لغرض الربح ([202]) . وعرَّفها آخر بانها عبارة عن شراء شيء ليباع بالربح ([203]) .

       وقد عرَّف الباحثون والفقهاء الاسلاميون التجارة الالكترونية بتعريفات عدة أهمها:

أ-هي تنفيذ كل ما يتصل بعمليات شراء وبيع البضائع.والخدمات والمعلومات عبر شبكة الإنترنت([204]) .

ب-مبادلة مال بمال على وجه مشروع بالوسائل الإلكترونية الحديثة ([205]) .

جـ-هي معاملات البيع والشراء عن طريق الانترنت بواسطة الكتابة ([206]) .

       يتبنى الباحث المفهوم الموسَّع للتجارة الالكترونية الذي يشمل كلَّ أنواع المعاملات الالكترونية المرتبطة بأنشطة تجارية التي تجريها المنشآت فيما بينها وبين الحكومات أو بينها وبين المستهلكين بصفتهم الفردية عبر استعمال وسائط الاتصال الالكتروني المتنوعة بما فيها “الانترنت”.

الفرع الثاني

موقف الفقه الاسلامي من أنشطة التجارة الالكترونية

      حظيت المعاملات عامة والتجارة خاصة بأهمية بالغة لكونها الاساس الذي يبنى عليه الاقتصاد للدولة الاسلامية، والمنفعة المباحة التي ينتفع منها العباد، فقد ذهب الفقهاء الى اباحة هذه المعاملات الا ما خرج بدليل(*) .

     والتجارة الالكترونية من المصطلحات الوضعية التي تفتقر إلى المصطلحات الفقهية المعروفة لدى فقهاء المسلمين، وذلك لأنَّ المصطلحات الوضعية لم تأتِ بشيء أكثر مما قررته الشريعة الاسلامية سوى الاختلاف في التعبير أو الاضافات التفصيلية التي يعرفها المتخصصون في الابحاث الفقهية، نعم بعض ما جاءت به القوانين الوضعية مردوع عنه شرعاً لمنافاته للعدل أو المصالح النوعية للبشر.

       وفي هذا الفرع سيتم تناول: أحكام البيع في التجارة الالكترونية، وسداد الالتزامات المالية، وكذلك أحكام المعلومات عن السلع والخدمات في الفقه الاسلامي.

  1.  أحكام البيع في التجارة الالكترونية

        وتتم من خلال عرض السلعة أو الخدمة في المتاجر الالكترونية عبر شبكة “الانترنت” من قبل البائع المحترف، ويقوم المشتري المستهلك برؤية تلك البضائع والخدمة والموافقة عليها، ضمن مفاوضات ومراحل تضمن له الحق وعدم الضرر، ومن بعدها يكون للمستهلك الخيار في الامتناع أو ابرام العقد الالكتروني مع المحترف.

       وقد وضع الفقه الاسلامي عدة أحكام وشروط لعملية البيع والشراء استمدت احكامها من القرآن المجيد والسنة النبوية الشريفة، مثل”منع التطفيف في الميزان والكيل، قال تعالى: )وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ(([207]) ،وقال تعالى: )وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(([208]) .

       ومنع الاسلام أكل الاموال بالباطل قال تعالى )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ..(([209]).

      كما اباح الطيبات وحَّرمَ الخبائث قال تعالى )يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ( ([210]) ،وقال تعالى: )وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ( ([211]) .

       فضلا عن ذلك فقد حَّرمَ الاسلام الغش والاحتكار والخلابة وغيرها من المحرمات التي وضعها الله سبحانه وتعالى لحماية الانسان ودفع المكروه عنه، وهناك كثيرٌ من الروايات المأثورة تنهى عن الاكراه وأكل الاموال بالباطل والغش، فعن الرسول الاكرم e قال:”لألقين الله عزَّ وجلَّ من قبل ان أعطي أحدا من مال أحدٍ شيئاً بغير طيب نفسه، انما البيع عن تراضٍ”([212])، وعن الرسول e قال: “عندما خرج إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون، فقال: يا معشر التجار، فاستجابوا لرسول الله e، ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال:إن التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً إلاَّ من اتقى الله وبر وصدق، إنهم يجتنبون أكل أموال الناس بالباطل([213])، ولا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب             نفس منه”([214])، وفي الغش إذ مرَّ النبي e على صُبرة طعام، فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً، فقال: “ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني”([215]) .

        والمستفاد من هذه النصوص الشريفة هو النهي عن تبادل الاموال بجميع الاسباب سوى عن طريق التجارة المحللة وبشرط ان تكون عن تراضٍ وطيب نفس كما جاء في الحديث النبوي الشريف :”لا يحلّ مال امرئ الا بطيب من نفسه”([216]) .

       كما أكد الفقه الاسلامي على معاملة البيع والشراء، بان يكون محل العقد واضحاً بيناً، كأن يكون المبيع مكيلاً أو موزوناً، أو مشاهدةً فلا يجوز دونهم، أي اذا كان كيلا فلا يجوز البيع دون الكيل وهكذا، فاذا كان كليا فيجب ان يكون موصوفاً، فان وصف البيع بدقة صح البيع والا للمشتري (المستهلك) خيار (تخلف الوصف) وفسخ العقد([217]).

  1. أحكام سداد الالتزامات المالية

     إنَّ البنوك تلجأ إلى تقديم الخدمات الإلكترونية على مختلف أنواعها، ومن بينها فتح الحسابات والاستعلام عنها ومتابعة أسعار الأسواق المالية، فضلا عن ذلك تسديد الالتزامات المالية من قبل المستهلك الى المحترف، وهناك مشكلة قد يواجها المستهلك في عملية التسديد، وذلك إنّ المحترف في التجارة الالكترونية قد يقبض الثمن قبل ايصال السلع والخدمات إلى المستهلك، وهذه الطريقة في بعض الاحيان قد تسبب النقص في الالتزامات المالية من خلال عدم ايفاء المحترف بالتزاماته تجاه المستهلك، الا ان الفقه الاسلامي في هذه المسألة رأى بانه اذا كان المستهلك الالكتروني بالغاً رشيداً، وعقد مع المحترف عقدا الكترونياً، لا يحق للمحترف سحب المال من البنك الذي يحمل المستهلك بطاقة الشراء “الائتمان” الا بعد ان تصل السلعة سالمة وبدون عيب الى المستهلك من خلال وضع شرط جزائي من قبل الاخير، حتى يحفظ نفسه من الضرر، ودليل هذه الفقرات واضحة في الفقه الاسلامي([218]).

  1.  أحكام المعلومات عن السلع والخدمات

       حاز التطور العلمي والمعرفي الذي شهده العصر الحالي على اهتمام الباحثين والمفكرين في مجال التجارة العالمية، حيث ظهرت الأصناف المتنوعة من السلع والخدمات الإستهلاكية التي لم تكن معروفة من قبل المستهلك.

       كما ان السلع والخدمات يقدمها مهنيون يتمتعون بخبرة قانونية ومركز إقتصادي متين، في حين يكون المستهلكون في أغلب الأحيان أقل مقدرة وخبرة، ولا يستطيعون بالتالي الحكم على جودة السلع والخدمات المعروضة عليهم، واختيار الأصلح من بينها.

      الأمر الذي استدعى من الجهات المعنية التدخل لإنارة إرادة المستهلكين، بداية بالاعتراف لهم بالحق في الاختيار، هذا الحق الذي لا يسهل تحقيقه إلاَّ إذا تمَّ توفير المعلومات الكافية عن السلع والخدمات، وهو ما يتحقق من خلال الاعتراف بحق المستهلك في الإعلام والمعرفة عن تفاصيل الصفقة التي اجراها المستهلك مع المحترف وما جاء في الاعلان عنها، والتزام المحترف بهذا الاعلان بصورة لا تقبل التضليل والتغرير والنجش([219]) .

      وقد بين الفقه الاسلامي هذا الامر بصورة واضحة، من خلال الزام البائع المحترف بالافصاح عن جميع المعلومات التي تخص المثمن (السلع والخدمات) من السعر والنوع والوصف والكمية وغيرها من المعلومات التي تدخل ضمن صفقة البيع والشراء، مع الحفاظ على المعلومات الشخصية والخاصة بكلا الطرفين، فضلا عن ذلك ان التضليل الاعلاني عبر الانترنت الذي يؤدي الى بيع النجش، هو أمر منهي عنه مطلقاً، سواء كان شفهياً أو عبر الكتابة ([220]).

       فالتجارة الإلكترونية إذا خلت من الموانع الشرعية، وتوفرت فيها الشروط والأركان التي رسمها الشارع المقدس كان العقد صحيحاً وصالحاً لترتب الآثار الشرعية عليه.

الفرع الثالث

 آداب التجارة في الفقه الاسلامي

       الآداب جمع أدب تطلق على المعلوم والمعارف عموماً، ويطلقونها على ما يليق بالشيء أو الشخص، فيقال: آداب الدرس أو آداب القاضي، وهي أربعة وعشرون صفة ([221])، -ولا تختلف هذه الآداب بين التجارة التقليدية والتجارة الالكترونية لكون المحرك لهذه التجارة واحد وهو العنصر البشري-، ونذكر منها:

  1. باب استحباب التفقه فيما يتولّاه، وزيادة التحفظ من الربا، عن الامام علي بن أبي طالب u قال:” لا يقعدنّ في السوق إلّا من يعقل الشراء والبيع” ([222]) .
  2. اقالة النادم حتى في زمن الخيار، فعن الامام الصادق u قال:” أيما عبد مسلم أقال مسلماً في بيع أقال الله عثرته يوم القيامة” ([223]) .
  3. ذكر العيب الموجود في متاعه ان كان فيه عيباً ظاهراً كان أو خفياً، ولأنَّ ذلك من تمام الايمان والنصيحة، إذ قال رسول الله e:”من باع واشترى فليحفظ خمس خصال، والا فلا يشترينَّ ولا يبيعنَّ: الربا، والحلف، وكتمان العيب، والحمد اذا باع، والذم أذا اشترى”([224])
  4. عدم تزيين المتاع ليرغب فيه الجاهل مع عدم غاية أخرى للزينة.

      وغيرها من الآداب التي أوصى بها الشارع المقدس، والتي تدل على الحكمة والاصالة، والرأفة والمسامحة بين الناس، باعتباره ديناً سماوياً.

المطلب الثاني

مفهوم التجارة الالكترونية في القانون

       إنَّ مفهوم التجارة الإلكترونية بشكلٍ عام يشمل أي صيغة للاتفاق التجاري يتجاوب فيها أطراف الاتفاق إلكترونيا بدلا من التبادلات المادية أو العقود المادية المباشرة ([225]) .

وعليه سنقسم المطلب على ثلاثة فروع:

الفرع الأول

تعريف التجارة الالكترونية

       عرَّفت التجارة بصفة عامة هي بيع وشراء أو تبادل السلع والخدمات بين طرفين أو أكثر ([226]) .

   وقد عُرَّفت التجارة الالكترونية بأنها “عملية تسويق المنتجات عبر شبكة “الإنترنت” الدولية وتصريف البرامج الإلكترونية دون الذهاب إلى المتجر أو إلى الشركة، وهي تتضمن الاتصالات بين مختلف الشركات على المستوى المحلي أو الدولي بما يسهل عملية التبادل التجاري ويزيد من أحجامها”([227]) .

      وعرفت التجارة الإلكترونية أيضاً بانها استعمال “الإنترنت” والشبكة العنكبوتية العالمية لتبادل العمليات بشتى أشكالها بين الأعمال المختلفة، مع التركيز على استعمال التكنولوجيا الرقمية في العمليات التجارية بين الشركات والأفراد([228]) .

     وتجدر الاشارة الى مصطلح متداول يتم اطلاقه بصورة خاطئة على التجارة الالكترونية وهو مصطلح التعاقد عبر الانترنت، الذي يمثل أحد أنشطة التجارة الالكترونية وليس كل التجارة الالكترونية ([229]) ، فالتجارة الالكترونية تتسع -اضافة الى التعاقد عبر الانترنت- لتشمل أية معلومات او خدمات تقدمها شركة لأخرى، او شركة لمستهلك عبر الانترنت أو غيرها من وسائط الاتصال الالكتروني، بدءا من معلومات ما قبل الشراء وانتهاء بخدمات ما بعد البيع([230]) .

      كما عرّفها بعضهم بأنها المعاملات التجارية التي تتم من قبل الأفراد والهيئات والتي تعتمد على معالجة ونقل البيانات الرقمية، بما فيها الصوت والصورة من خلال شبكات مفتوحة مثل الانترنت أو مغلقة، والتي تسمح بالدخول إلى الشبكات المفتوحة([231]) .

الفرع الثاني

خصائص التجارة الإلكترونية

      إن التجارة الإلكترونية تعد من أهم منجزات العصر التي دخلت الى سوق الاعمال والمستهلكين وخلقت جواً من المعاملات السريعة لكونها تعتمد على عالم الشبكات الالكترونية في آلياتها وتعاملها، لذلك فهي تمتاز على التجارة التقليدية بخصائص عدّة أهمها:

  1. عدم وجود علاقة مباشرة بين طرفي العقد([232]) :

     ففي عقود التجارة الالكترونية لا يكون هناك مجلس للعقد بالمعنى التقليدي، فمجلس العقد الالكتروني مجلس افتراضي، فقد يكون البائع في مكان والمشتري في مكان يبعد آلاف الاميال عنه.

  1. تجاوز حدود الدولة :

        إن الوسائط المستعملة في التسويق الإلكتروني لا تعرف الحدود الجغرافية، فقد كانت الشركة تتعامل مع عملاء محليين فقط بالسابق وإن رغبت في الوصول إلى عملاء دوليين كانت تتكبد مصاريف كبيرة وغير مضمونة العائد، أما الآن فتستطيع الشركة أن تضمن اطلاع الجميع على منتجاتها دون أي تكلفة إضافية تذكر، خاصة أن شبكة الانترنيت دخلت جميع الدول([233]).

  1. انخفاض التكلفة:

     كانت عملية التسويق للمنتج مكلفة جدا في السابق، إذ إن الإعلان عن المنتج كان يتم بواسطة الوسائل التقليدية عبر التلفاز والصحف، أما الآن فيمكن تسويقه عبر شبكة الانترنت وبتكلفة ضئيلة جدا([234]) .

  1. التحرر من القيود:

     كانت الشركة سابقاً تحتاج إلى ترخيص معين والخضوع لقوانين عديدة وتكبد تكلفة إنشاء فرع جديد أو توكيل الغير في الدولة الأجنبية حتى تتمكن من بيع منتجاتها، أما الآن لم يعد أي من تلك الإجراءات ضروريا([235]).

  1. الإنتشار الواسع:

      من منطلق أن التجارة الإلكترونية متواجدة في كل مكان وفي كل الأوقات، فالتجارة التقليدية بحـاجة إلى سوق ملموس يستطيع المتعامل الذهاب إليه للشراء، أما التجارة الإلكترونية فإنها لا تحتاج إلى سوق ملموس ويستطيع المتعامل من خلالها الدخول إلى هذا السوق غير الملموس في أي وقت ومن أي مكان بواسطة الكمبيوتر وبلمسة بسيطة على الموقع الذي يرغب بزيارته، وبضغط عدة أزرار يمكنه الإطلاع على المنتج وشرائه.

  1. عدم الاعتماد على الوثائق الورقية :

     من أهم الخصائص التي تميز التجارة الالكترونية هي ان المعاملات والعمليات كافة بين

طرفي المعاملة تتم الكترونيا دون استعمال أي ورق في اجراء وتنفيذ المعاملات([236]) :

  1. تعدد الخيارات :

         تقدم التجارة الإلكترونية كثيراً من الخيارات للمستهلكين، بسبب قابلية الوصول إلى منتجات وشركات لم تكن متوفرة بالقرب من المستهلكين، إذ يمكنهم المفاضلة بين كثير من العارضين من كلّ بقاع العالم بسرعة وتكلفة قليلة، والشراء على الانترنيت والدفع بواسطة بطاقات مصرفية أوغيرها في كثير من الأحيان، عبر هذه الشبكة([237]) .

الفرع الثالث

أنشطة التجارة الالكترونية

      تشمل التجارة الالكترونية مجموعة متنوعة من الانشطة والمعاملات المرتبطة بعقد صفقات واقامة علاقات تجارية لا تتميَّز فيها عن التجارة التقليدية الاَّ من خلال وسائل وأساليب الاتصال الالكتروني، وبخاصة الانترنت، وفي هذه الفقرة سيتم تناول اهم معاملات التجارة الالكترونية وهي:

  1. بيع السلع والخدمات:

     وتشمل بيع جميع السلع والخدمات وغيرها، إذ يتم البحث عن السلعة أو المنفعة المراد شراؤها، ومعرفة سعرها، وتتم عملية الدفع بطريقة إلكترونية، ويتم التسليم من خلال الطرق التقليدية([238]) .

        وقد نظمت دول العالم بخاصة الدول المتقدمة عملية بيع السلع والخدمات عبر التجارة الالكترونية، وأصدرت القوانين والتشريعات المنظمة لها.ومنها قانون الأونسيترال النموذجي بشأن التجارة الإلكترونية لعام 1996، الذي تبنته بعض الدول منها: سنغافوره والهند وكندا، وهو قانون استرشادي يحتوي على مجموعة من القواعد والإرشادات التي ﺗﻬدف إلى ﺗﻬيئة بيئة قانونية أكثر ملائمة للتجارة الإلكترونية من خلال الاعتراف بالإثبات الإلكتروني.

      كما صدر قانون الأونسيترال النموذجي للتوقيع الإلكتروني لسنة 2001 والذي يهدف إلى الاعتراف بحجية التوقيع الإلكتروني وبيان الشروط والمتطلبات اللازمة لذلك.

  1. سداد الالتزامات المالية

       لا تُعد الأعمال المصرفية عبر الإنترنت نوعاً من التجارة الإلكترونية بحد ذاتها، لكنَّها خدمة ملازمة لهذا النوع من التجارة؛ لكي تصبح العملية متكاملة، لهذا سمح بإجراء التعاملات المالية من دفع أثمان السلع عن طريق الدفع الإلكتروني كالشيكات الإلكترونية، أو بطاقات الصرف البنكي، فهي عملية رئيسة لتأمين إجراءات التجارة الإلكترونية، وتقوم البنوك بتقديم الخدمة الإلكترونية والتي تشمل الاستعلام عن الحساب، ومتابعة أسعار السلع، وكذلك تسديد الالتزامات، والضرائب، وكذلك دفع أثمان السلع عن طريق الشيكات الإلكترونية، أو بطاقات الصرف البنكي([239]) .

       وقد نظمت عدة قوانين عملية سداد الالتزامات المالية عبر التجارة الالكترونية مثل القانون الفرنسي 1991 الخاص بالصكوك ووسائل الدفع، وأيضاً القانون الفرنسي رقم (230/2000) الخاص بتنظيم التجارة الالكترونية والسندات والتواقيع الالكترونية، وقانون المصارف العراقي رقم (40) سنة 2004، وقانون سرية الحسابات المصري رقم (97) لسنة 1992 وغيرها([240]) .

  3. اتاحة المعلومات عن السلع والخدمات

         توفر التجارة الإلكترونية لزوار المواقع المختلفة المعلومات الكافية عن السلع والخدمات، إذ يستطيع الزائر التعرف على السلعة من خلال لائحة تتضمن جميع البيانات، والمعلومات الدقيقة بكل التفاصيل الخاصة باسم وبلد المنتج، ووصف السلعة، ونوعها وماركتها، مع بيان كيفية استعمالها، وسعرها، ونسب الخصم، ومصاريف النقل، والشحن، والرسوم الجمركية، والتأمين، وطرق التسليم، وكيفية تسوية المعاملات المالية([241]) .

      وفي هذا السياق، نفذت لجنة الاتحاد الاوروبي في نطاق برنامج للتبادل الالكتروني للبيانات عدة بحوث تحفز تطوير التبادل الالكتروني للبيانات والتجارة الالكترونية، وتضمنت هذه البحوث تعيين العوائق القانونية التي تحول دون استعمال التبادل الالكتروني للبيانات في الاتحاد الاوروبي، وحددت هذه البحوث الأمثلة الرئيسة للقيود القانونية التي تمنع تطوير التبادل الالكتروني للبيانات، والتي تتجلى في الالتزام القسري في بعض الأحكام القضائية بإصدار او حفظ مستندات ورقية موقعة، فضلا عن سرعة زوال المعلومات المنقولة بوساطة التبادل الالكتروني للبيانات وغيرها من العوائق([242]) .

المطلب الثالث:المقارنة والمفاضلة بين مفهوم التجارة الالكترونية في الفقه الاسلامي والقانون

      أن التجارة التقليدية أو التجارة الالكترونية في الفقه الاسلامي لا تختلف عن التجارة الالكترونية في القانون من جهة المفهوم، وذلك لأنَّ المصطلحات الوضعية لم تأتِ بشيء أكثر مما قررته الشريعة الاسلامية سوى الاختلاف في التعبير أو الاضافات التفصيلية التي يعرفها المتخصصون في الابحاث الفقهية، نعم بعض ما جاءت به القوانين الوضعية مردوع عنه شرعاً لمنافاته للعدل أو المصالح النوعية للبشر، كما انَّ ليست للتجارة الالكترونية خصوصية من بين التجارات بل تجري فيها جميع خصوصيات التجارات الأخرى، نعم قد يختلف كيفية واحراز سلامة المبيع عن بعض البضائع وذلك لا يعني الاختلاف في الحكم والجدول رقم (3) يبين اوجه المقارنة بين مفهوم التجارة الالكترونية في الفقه الاسلامي والقانون وهي كالاتي([243]):

جدول (3) : المقارنة و المفاضلة بين مفهوم التجارة الالكترونية في الفقه الاسلامي والقانون

ت

مفهوم التجارة الالكترونية  في الفقه الاسلامي

مفهوم التجارة  الالكترونية في القانون

1

إنَّ الفقه الاسلامي يحث على الوسائل المتبعة التي تساعد وتساهم في الاكتساب وطريقة البيع والشراء مثلما يحث على الغايات، فلابد من مقدمات صحيحة ومشروعة حتى يحصل على نتيجة مثلها

التركيز على استخدام التكنولوجيا الرقمية في العمليات التجارية بين الشركات والأفراد المستهلكين

2

تحثُّ على تحريم الغش والاحتكار والخلابة وغيرها من المحرمات التي وضعها الله سبحانه وتعالى لحماية الانسان ودفع المكروه عنه

هو عدم وجود علاقة مباشرة بين طرفي العقد و تجاوز حدود الدولة وانخفاض التكلفة و التحرر من القيود و الانتشار الواسع و عدم الاعتماد على الوثائق الورقية و تعدد الخيارات .

3

3-      أكد الفقه الاسلامي على معاملة البيع والشراء بان يكون محل العقد واضحاً بيناً، كأن يكون المبيع مكيلاً أو موزوناً، أو مشاهدةً فلا يجوز دونهم، أي اذا كان كيلا فلا يجوز البيع دون الكيل وهكذا، فاذا كان كليا فيجب ان يكون موصوفاً، فان وصف البيع بدقة صح البيع والا للمشتري (المستهلك) خيار (تخلف الوصف) وفسخ العقد

هو توفر المعلومات الكافية عن السلع والخدمات، إذ يستطيع الزائر التعرف على السلعة من خلال لائحة يتضمن جميع البيانات، والمعلومات الدقيقة بكل التفاصيل الخاصة باسم وبلد المنتج، ووصف السلعة، ونوعها وماركتها، مع بيان كيفية استعمالها، وسعرها، ونسب الخصم، ومصاريف النقل، والشحن، والرسوم الجمركية، والتأمين، وطرق التسليم، وكيفية تسوية المعاملات المالية

       ونستطيع القول مما سبق بان الاحكام والمسائل الصادرة في مجال التجارة الالكترونية في الفقه الاسلامي والقانون كلها تسعى الى تحقيق هدف مشترك وهو حماية الطرف الضعيف والمتضرر في معاملة البيع والشراء ، ولكون المشتري (المستهلك) هو الطرف الضعيف في العقد، فالحماية تنصب عليه، الاَّ انَّ الاختلاف بينهما ناشئ من أنَّ التصرف الشرعي يضمن رفع الضرر المادي والمعنوي التكليفي والوضعي، مع الحفاظ على العدالة العقدية بين الطرفين، فضلاً عن ذلك وجود عامل التسامح والمصالحة مثل المغايلة وهي العدول عن التعاقد برغبة الطرفين ورضاهم، والاقالة وهي رغبة أحد الطرفين بالعدول عن التعاقد وموافقة الآخر، والكثير من المخرجات الفقهية التي تعمل على الاستقرار والتوازن التجاري و المعاملاتي.

         إنَّ القاعدة العامة للفقه الاسلامي بخصوص هذه المفاهيم المستحدثة هي جواز العمل بهذه المفردات على نحو لا يتعارض مع أحكام الشريعة الاسلامية، ولكن ليس بصورة مطلقة. أما وسائل حماية المستهلك المتخذة حيالها في الفقه الاسلامي والقانون فهي ستكون موضوع الفصل الثاني من هذا الكتاب ان شاء الله تعالى.

الفصل الثاني

وسائل حماية المستهلك في التجارة الالكترونية

في الفقه الاسلامي والقانون

المبحث الاول: الالتزام بالإعلام الالكتروني للمستهلك في الفقه الاسلامي والقانون

المبحث الثاني: منح المستهلك خيار الرجوع في الفقه الاسلامي والقانون

المبحث الثالث: حماية المستهلك من الشروط التعسفية وعيوب الارادة

 في الفقه الاسلامي والقانون

الفصل الثاني

وسائل حماية المستهلك في التجارة الالكترونية في الفقه الاسلامي والقانون

       إن عدم التوازن الاقتصادي والمعرفي بين البائع (المحترف) والمستهلك، والذي يتفاقم يوما بعد يوم مع التطور الهائل والسريع في وسائل المعاملات التجارية الالكترونية، ان ذلك قد حثَّ المشرع والقضاء والفقه إلى محاولة حماية المستهلك باعتباره الطرف الضعيف في أغلب معاملات العقود الالكترونية التي تتمَّ عن بعد، وذلك عبر مجموعة من الوسائل والطرق والاجراءات القانونية والتشريعية والفقهية لتقرير حقوق المستهلك في عقود التجارة الالكترونية وحمايتها ومعالجة اختلال التوازن ذاك في العلاقة ما بين التاجر المحترف والمستهلك.

      وفي هذا الفصل سيتم تناول أهم الوسائل والطرق لحماية المستهلك في عقود التجارة الالكترونية في الفقه الاسلامي والقانون، ونعتقد جازمين أن الوسائل التي يقدمها الفقه الاسلامي الخالد صالحة لكل زمان ومكان، وأنه قد تصدى قديما وحديثا لكلّ القضايا الحياتية والمعاشية للناس.

     وسيقسم هذا الفصل على ثلاثة مباحث رئيسة تتناول أهم الوسائل والطرق التي طرحها الفقه الاسلامي والقانون لحماية المستهلك الالكتروني من البائع (المحترف المهني)، وهذه المباحث كالآتي:

المبحث الاول: الالتزام بالإعلام الالكتروني للمستهلك في الفقه الاسلامي والقانون

المبحث الثاني: منح المستهلك خيار الرجوع في الفقه الاسلامي والقانون

المبحث الثالث: حماية المستهلك من الشروط التعسفية وعيوب الارادة في الفقه الاسلامي والقانون.

المبحث الأول

الالتزام بالإعلام الالكتروني للمستهلك في الفقه الاسلامي والقانون

       يتناول المبحث الحالي الوسيلة والطريقة المثلى التي اعتمدها الفقه الاسلامي في حماية المتضرر والطرف الضعيف في العقد من خلال استعماله خيار تخلف الوصف لرفع الغرر والضرر عنه، بالمقابل اعتمد القانون وسيلة لحماية المستهلك في العقود الالكترونية وهي الالتزام بالإعلام الالكتروني، وعليه سوف نقسم المبحث على ثلاثة مطالب رئيسة:

المطلب الأول

الالتزام بالإعلام الالكتروني ومدى ارتباطه بخيار الوصف في الفقه الاسلامي

        إنّ سبب الالتزام بالإعلام جاء لحالة خاصة وهي حماية المستهلك لكونه الطرف الأضعف في المعاملة، وليس حالة قانونية متعارفة لدى فقهاء القانون لان القواعد العامة في القانون تحمي المستهلك في حالة عدم تعيين المحل تعييناً كافياً أو وضع البائع المحترف شروطاً تؤدي إلى تجهيل السلعة أو الخدمة، فاذا ثبت ذلك، فإنّ العقد باطلٌ حسب القواعد العامة([244])، الاّ انَّ هذا الامر- التضليل أو التجهيل في السلعة أو الخدمة- في الاعم صعبٌ في العقود الالكترونية ;لذلك سنَ القانون الفرنسي التزام الاعلام قبل التعاقد وإلقاء هذا الواجب على المحترف، الذي يتعيَّن عليه الإفضاء للمستهلك  بالمعلومات كافة المتوفرة لديه عن السلعة أو الخدمة، سواء تلك المتعلقة بالطريقة الصحيحة للاستعمال، بما يجنب المستهلك المخاطر المترتبة على الاستعمال غير السليم، أو تلك المتعلقة بالمخاطر الكامنة في السلعة والاحتياطات الواجب اتباعها للوقاية من هذه المخاطر حماية المستهلك

 لا تتحقق فقط بمعرفة كيفية استعمال السلعة، بل يجب فوق ذلك أن يعلم بما تنطوي عليه من أخطار وكيفية الوقاية منها([245]) .

      وبالتأكيد هذا الاساس العلمي لا يخلو من نقاش، وعليه سوف يناقش البحث هذا المطلب من وجهة نظر الفقه الاسلامي، ومدى قابلية الأخير على ايجاد الحلول والمعالجات ;ولكي ندخل في الموضوع لابدَّ من ذكر بعض مقدماته، وهي ان نتكلم عن مفهوم الالتزام، ومن ثمَّ نتكلم عن الوسيلة المثلى للحلول والاجراءات التي وضعها الفقه الاسلامي لحماية المستهلك الالكتروني عند الاخلال بشروط العقد، وفق الفروع الخمسة الآتية:

الفرع الأول

مفهوم الالتزام

     ونتناول في هذا الفرع تعريف الالتزام مع الاشارة إلى مصادر الالتزام

1. تعريف الالتزام

أ. يُعرِّف أحدهم الالتزام بأنَّه: “إيجاب الإنسان على نفسه أمراً جائزاً شرعاً([246]) “.

ب. ويعرِفه آخر، بأنه “كون الشخص مكلفاً شرعاً بفعل أو امتناع عن فعل لمصلحة غيره([247]) “.

   والظاهر من خلال هذين التعريفين، انّ التعريف الراجح هو ما ذهب اليه التعريف الثاني في تعريفه للالتزام كون الشخص مكلفاً شرعاً بفعل أو امتناع عن فعل لمصلحة غيره، وذلك لأنَّ الالتزام يكون أمام الغير، لأنّه مسؤول بالرابطة العقدية تجاه من التزم له.

2. مصادر الالتزام

        تكون مصادر الالتزام بتوافق والتزام بين ارادتين من خلال الايجاب والقبول كعقد البيع مثلاً، أو يكون وفق ارادة منفردة بإيجاب دون قبول كالوقف وغيره، ويمكن توضيح ذلك بنقطتين اساسيتين([248]):

  • الالتزامات التي تتُّم بإيجاب وقبول، ويدخل فيها البيع، والإجارة، والسلم، والمضاربة والمساقاة والمزارعة، والقرض، والعارية، والوديعة، والنكاح، والرهن . والتي يترتب عليها إنشاء الالتزامات متبادلة بين العاقدين، كالتزام البائع بتسليم المبيع والمشتري بأداء الثمن في عقد البيع مثلاً، ويسمى بالالتزام التبادلي.

      كما يدخل فيها الشروط الالتزامية الإضافية التي يتلزمها أحد العاقدين باختياره .

  • الالتزامات التي تتُّم بالإيجاب المجرد عن القبول، والتي تسمى بالإرادة المنفردة، ويدخل فيها الوقف، والوصية لغير معين، والجعالة، والضمان، والكفالة، والنذور، والأيمان، ويسمى بالالتزام الفردي .

        أمّا التصرفات التي تنشأ بغير اختيار الإنسان وإرادته كالفعل الضار ( الفعل غير المشروع ) ، والفعل النافع ( الإثراء بلا سبب ) ، والشرع، فإنها مصادر للإلزام لا الالتزام .

الفرع الثاني

موارد العقود

وتنقسم على قسمين:

  1. موارد العقود التي يشملها اللزوم.
  2. موارد العقود التي لا يشملها اللزوم.
  1. موارد العقود التي يشملها اللزوم

       ذكر الفقهاء العديد من الادلة حول مشروعية العقود ان كانت مسماة في الكتب الفقهية ام لا، ما دام لا يعارض مصادر التشريع، ومن بين تلك العقود، العقود الالكترونية، التي تعقد بين المستهلك والمهني.

وأطلق الفقهاء جملة من الادلة على صحة العقود ومشروعيتها، نوجزها بالآتي([249]) :

الدليل الأول: في الاستعمال القرآني

  • قال تعالى: ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (([250]) .
  • وقال تعالى: )وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا(([251]) .
  • وقال تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ(([252]) .

       ذكر الفقهاء تفسير لآية )أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ(، بان الآية لا تختص فقط بالعقود والمواثيق الالهية، بل مقتضى اطلاقها شمولها للعقود التي تكون بين الناس([253]) .

   وفي قوله: )وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا(، وتفسيرها: هو ما أخذ الله تبارك وتعالى للنساء على الرجال، فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ، وقال الطبري: “وقد كان ذلك يؤخذ عند عَقد النكاح”([254]).

   وقوله تعالى: )…إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ( ومفهوم هذه الآية: أي لا تأكلوا أموالكم بالباطل، الا تجارة عن تراض، والتجارة هي البيع والشراء، وهذا مثل قوله تعالى : )وأحل الله البيع وحرم الربا(، وقُرِئ ” تجارة “، بالرفع أي إلا أن تقع تجارة فهي مشروعة ([255]) .

الدليل الثاني: في السنة النبوية الشريفة

  • قال رسول الله e: “المؤمنون عند شروطهم ([256]) “.

   ذكر روح الله مصطفوي: ” ان هذه الرواية-رواية منصور بزرج-صريحة في اللزوم، وهي تدل عليه كآية أوفوا بالعقود” ([257]) .

  • قال رسول الله e: ” من كانت عنده أمانة فليؤدها الى من ائتمنه عليها فانه لا يحل دم أمرؤ مسلم ولا ماله الا بطيبة نفس منه ([258]) “.

   كما ذكر السيد الحائري “ن هذه الرواية تدل على اللزوم بكلتا صيغتيها، وذلك لأن العرف لا يتعقل افتراض حرمة التصرف الانتفاعي والاستهلاكي في مال الغير مع صحة تملكه بلا رضاه” ([259]) .

والظاهر من الآيات القرآنية والاحاديث النبوية، وجوب الالتزام بمطلق موارد العقود التي شملها اللزوم، وحرمة التصرف أو تملك مال الغير بدون رضاه.

4- موارد العقود التي لا يشملها اللزوم

     ذكر الفقهاء ان إطلاقات اللزوم لا تشمل موردين ([260]) :

      المورد الأول: مورد ثبوت الخيار عقلائياً كخيار العيب أو الغبن أو التدليس ونحوها لانصرافها عن عقد لا يقبل العقلاء لزومه كما أنّ من الواضح عدم إمكان إثبات اللزوم في مثل ذلك بالسيرة.

     المورد الثاني: مورد العقود الأذينة-في مصطلح المحقق النائيني-:وهي التي يكون قوامها بذات الاذن كالعارية والوديعة، فلا معنى لشمول مثل أوفوا بالعقود لها، كما أنّه لا سيرة تدلُّ فيها على اللزوم ولا الاستصحاب يجري في المقام لانّ قوامها بالأذن وبانتفائه يتبدّل الموضوع في فهم العرف.

      ويمكن توضيح ذلك في المورد الأول: إن الخيار اذا وقع في العقد نتيجة شرط أو نتيجة الاخلال أو الاضرار في شروط العقد وما الى ذلك، يكون صاحب الشرط أو المتضرر حينها غير ملزم بالعقد، ويحق له الخيار، ويسمى هذا العقد حينها بالعقد غير اللازم.

      اما توضيح المورد الثاني:في “العقود الاذنية” فقد عدها الزرقاء من العقود غير اللازمه مثل (التحكيم الى غير القاضي) فيجوز التراجع عنه قبل الحكم، فهو عقد اذني واعتبر أيضاً منها الوصية، ويعني بالعقد غير اللازم هنا: ما يعم موارد الانشاء في مصطلح الفقه الاسلامي، أو موارد الارادة المنفردة في مصطلح الفقه الغربي([261]) .

الفرع الثالث

التفاوض قبل العقد وعلاقته بخيار تخلف الوصف

   هناك قول لفقهاء الامامية حول مسألة التفاوض قبل العقد هل هي جزء من العقد أو لا، إذ قال الإيرواني([262]):”لا محذور قبل العقد في ذكر بعض الاوصاف اللازم توفرها في السلعة أو بعض الشروط اللازمة ثمَّ عند اجراء العقد يكون مقصود الطرفين اجراء العقد مبنياً على ما ذكر قبل العقد، ويصطلح على ذلك في فقه الامامية بالشروط أو الاوصاف المبني عليها العقد وتكون تلك بمثابة المذكورة في متن العقد، فاذا تخلف البائع (المهني) عن تلك الاوصاف، ثبت خيار تخلف الوصف”.

   وقال  حسن الجواهري: “لا تكون مرحلة التفاوض التي تسبق ابرام العقد جزءا من العقد، بل هي مرحلة سابقة على العقد تسمى (مرحلة السوم) والالزام بالتساوم حتى للمحترف المتخصص الذي هو من أهل الخبرة، فالاعلان عن وجود سلعة أو خدمة لهذه السلعة والاعلان عن سعرها، كل هذه الأمور ليست عقداً ولا الزام من قبل البائع المحترف وانما هو ايجاب كتبي فاذا جاء الجواب وهو القبول نتج العقد وصار الالزام اما اذا رجع البائع عن عرضه (ايجابه) قبل مجيء القبول فلا الزام له بالذي اوجبه وعرضه بالكتابة، اذن الملزم هو الايجاب والقبول مع الرضا من الطرفين، ومرحلة التفاوض سواء كانت بالمباشرة أو بالكتابة لا تكون ملزمة وهي مرحلة السوم (التعامل) ، نعم اذا كان البائع المحترف قد اعلن عن رغبته في بيع السلعة بثمن معين وانشأ ذلك في اعلانه بالانشاء فما لم يرجع وجاء القبول وهو على ايجابه تمّ البيع في هذا الوقت”([263]).

   كما قال فاضل الصفار: “لا تعتبر مرحلة قبل التعاقد جزءً من العقد في نفسها، لأن العقد اما عبارة عن الايجاب والقبول كما ذهب اليه الفقهاء، أو المبادلة الحاصلة بين المالين كما ذهب إليه البعض الآخر، أو هو الالتزام مقابل الالتزام الحاصل بين المتعاقدين كما نراه، وعلى جميع التقارير هي حصيلة التقاول والتفاوض فلا يمكن أن تعد جزءً من العقد، نعم يمكن جعلها كذلك بالتشارط أو اقرارها كتعليمات ملزمة بان يعلن في وثيقة العقد بان ما يحصل في التفاوض يعدُّ ملزماً للمتعاقدين، أو يقع التشارط بين المتعاقدين على ان التفاوض يعتبر من مقدمات العقد الملزمة، فان عموم قوله تعالى (تجارة عن تراضٍ منكم) ، وقوله تعالى (أوفوا بالعقود) ، وقوله u (المؤمنون عند شروطهم) يدل على لزوم الالتزام به حينئذ”([264]).

   ويرى الباحث ان المفاد من جملة هذه الأقوال ان مرحلة التفاوض يمكن ان تكون ملزمة اذا وجد الشرط أو الانشاء بالإيجاب من قبل البائع (المهني) والقبول من قبل المشتري (المستهلك) ، ويكون خيار تخلف الوصف نتيجة عدم الالتزام في الاعلام من قبيل الغرر والتضليل الاعلامي.

الفرع الرابع

الالتزام بتزويد المشتري (المستهلك) معلومات عن السلعة قبل التعاقد ومدى ارتباطها بخيار الوصف أو الرؤية (*)

     إنَّ الالتزام بالإعلام قبل التعاقد في القانون الوضعي، يتضمن ثلاث طوائف رئيسة لتبصير أو نصيحة المستهلك من قبل المهني المحترف (البائع) على نحو اللزوم في معرفة خصائص أو صفات السلعة أو الخدمة المعروضة، كما عليه معرفة الثمن وشروط البيع خاصة ما تعلق منها بالمسؤولية العقدية للمستهلك، وكما يلزم على البائع اعلام المستهلك بالالتزامات المتبادلة لدى الطرفين، من قبيل ضمان بعدم وجود عيوب الخفية وما الى ذلك([265]) .

    كما تظهر أهمية الالتزام بالإعلام في كونه الالتزام الوحيد الذي يستهدف حماية الفرد ليس بوصفه متعاقدا كما هو موجود في باقي الالتزامات وإنما بوصفه مستعملا للمنتوج بواسطته تكفل الحماية الجسدية والأمن الصحي لهذا المستهلك، إضافة إلى كونه الالتزام الوحيد الذي يحقق الوقاية ومن ثمة توخي إبطال العقد الذي يعد ثمرة تعامل الأفراد([266]) .

   إن الشريعة الاسلامية ومن خلال مصادرها المعتبرة (القرآن والسنة) وضحت المعالم العامة لفقه المعاملات وما ينبغي وما يلزم على البائع والمشتري عمله، ويرتكز هذا الالتزام على العدل والصدق والافصاح عن كلِّ شيء معيب، إذ قال تعالى: )وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً(([267]) ، وقوله تعالى: )وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا(([268]) .

 وما روي عن الرسول الاكرم e انَّه قال:” المسلم أخو المسلم لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعًا وفيه عيب الا بيّنه”([269]) .

 وقال الرسول e: لا يحل لأحد أن يبيع شيئًا إلا بين ما فيه ولا يحل لأحد يعلم ذلك إلا بيّنه([270]) .

   كما ان الفقه الاسلامي قد وضع معالجة خاصة للإخلال بهذا الالتزام، سميت هذه المعالجة بخيار تخلف الوصف، وقد بيناها سابقاً في أقسام وموارد الخيارات في المبحث التمهيدي .

   فضلاً عن ذلك فأن الفقهاء قد بينوا في بحوثهم الفقهية جملة من المسائل على رفع الجهالة الموجبة للغرر ودفع الضرر عن البائع والمشتري على حد سواء([271])، ولكون المشتري هو الطرف الضعيف في العقد ويفتقد للخبرة الكافية في اجراء المعاملة العقدية، لاسيما في المعاملات الالكترونية عبر شبكة الانترنت، فيتحتم على البائع المهني الالتزام بتزويد المستهلك المشتري بالمعلومات الكافية عن السلعة أو الخدمة، أما برؤية ومشاهدة السلعة بصورة مباشرة، أو من خلال تعريفها ووصفها وصفاً صحيحاً يقوم مقام الرؤية مع مراعاة الضوابط الشرعية لدفع الضرر، وان يقتصر على مناقشة تزويد المشتري (المستهلك) معلومات عن السلعة قبل التعاقد ومدى ارتباطها بخيار الوصف أو الرؤية وفق النقاط الآتية([272]):

  1.  إذا كان المبيع (المعقود عليه) حاضراً

     ففي هذه الحالة يمكن للمشتري المستهلك ان يطَّلع ويشاهد السلعة، مع مساعدة البائع المحترف بذلك، ويرى هل هي مطابقة للمواصفات المذكورة في الإعلام أو غير مطابقة، ويترك للمستهلك حق ابرام وتوقيع العقد والشراء، أو التخلي عن هذه المعاملة.

      قال أبو القاسم نجم الدين الحلي:”ان صحة البيع والخروج عن الغرر تتم أما بالرؤية أو التوصيف سواء أكان من البائع أم من غيره، فاذا رأى المبيع فان كان المرئي مطابقاً للموصوف، والا فله الخيار([273]) “.

وقال ابن قدامة: “ويعتبر لصحة العقد، الرؤية من البائع والمشتري جميعاً، وان قلنا بصحة البيع مع عدم الرؤية فباع ما لم يره فله الخيار عند الرؤية، وان لم يره المشتري أيضاً فلكل واحد منهما الخيار”([274]).

   كما قال الجواهري: “اذا رأى المستهلك السلعة ثم سُلّمت اليه على خلاف ما رآها سابقاً كأن انه قد

رأى السيارة الخارجية سالمة ثم سلمت له وهي غير سالمة، فيثبت للمستهلك خيار تخلف الرؤية”([275]) .

   ان هذه المعاملة وان كانت بعيدة في عقود التجارة الالكترونية، الا انها تحدث في الأخير في حالة وجود البائع والمشتري في المكان نفسه، أو رغبة المشتري بالرؤية والمشاهدة المباشرة، لأسباب كثيرة، أهمها التضليل الاعلاني، وعدم الافصاح بصورة صحيحة عن العيوب الخفية في السلعة من خلال الاعلام.

  1. .إذا كان المبيع (المعقود عليه) غائباً

       وهذه الحالة في التجارة الالكترونية التي تتم عن بعد، إذ تكون السلعة أو الخدمة غير مرئية، لأنها تعرض أو تعلن على موقع البائع المحترف، ضمن أوصاف محددة لكلّ منها وبشكل تفصيلي، حتى يتم معرفتها من قبل المشتري (المستهلك) ، وتتم هذه المعالجة من خلال وصف السلعة وصفاً يقوم مقام الرؤية، مع رفع الغرر والضرر الناجمين من التضليل الاعلامي، وفي حالة عدم التزام البائع المهني بالمواصفات التي اعلن عليها، وفق قانون اعلام المستهلك بالمعلومات الصحيحة والواقعية، ضمن مبدأ الشفافية والافصاح فيما يخص السلعة أو الخدمة، يحق للمستهلك حينها خيار تخلف الوصف.

   قال المفيد: “ولا بأس ببيع الموجود في الوقت بالصفة وان لم يشاهدها المبتاع في الحال، فان قبضه ووجده على الصفة التي ابتاعه عليها كان البيع ماضياً، وان كان بخلاف الصفة كان مردوداً”([276]) .

   وقد نصت المادة “٣١٠” من مجلة الأحكام العدلية على انه:  “إذا باع مالاً بوصف مرغوب فظهر المبيع خاليـاً عـن ذلـك الوصف كان المشتري مخيراً إن شاء فسخ البيع وان شاء أخذه بجميع الثمن المسمى ويـسمى هذا خيار الوصف، مثلا لو باع بقرة على أنها حلوب فظهرت غير حلوب يكـون المـشتري مخيراً وكذا لو باع فصاً ليلاً على انه ياقوت احمر فظهر اصفر يخير المشتري” ([277]) .

   بناء على ذلك إذا ظهر للمشتري أن السلعة على خلاف الأوصاف التي قبل شراءها وان الاعلام كان مضللاً، وذلك بسبب كتمان بعض المعلومات والبيانات أو اخفائها، ففي هذه الحالة يثبت للمستهلك خيار تخلف الوصف وجاز له فسخ العقد أو الإبقاء عليه.

   ويشبه عقد الاستهلاك الذي ينعقد بناء على أوصاف محددة مسبقاً، البيع بالنموذج وهو عبارة عن عينه من المبيع : وهو عادة ما يكون جزءاً من المبيع او المبيع في صورة مصغرة، ونحن نعتقد أن ضرورة الوصف في المبيع، وبالتالي ضرورة إلزام البائع المهني بتزويد المستهلك الالكتروني بالمعلومات اللازمة، لبيان حالة السلعة المراد بيعها، أمر لا بد منه لحماية المستهلك الالكتروني، بسبب أن التعاقد يتم بين غائبين لاسيما إذا تمَّ عبر شبكة الانترنت، والقاعدة في هذا الصدد إن الوصف في الحاضر لغو وفي الغائب معتبر([278]) .

     وهكذا يتضح لنا أن خيار تخلف الوصف الذي يشوب لزوم العقد مرتبط بركن التراضي، إذ إن اختلاف الوصف من شأنه أن يؤدي إلى اختلال في الرضا، فيترك للمتعاقد المستهلك الالكتروني الذي اختل رضاه الخيار بين أن يتم بنفسه رضاه متنازلا عن حقه في الفسخ بعد العلم بحقيقة الأمر، أو أن يختار فسخ العقد.

     ولهذا جاء في البدائع”جهالة الوصف تؤثر في الرضا فتوجب خللا فيه، واختلال الرضا في البيع يوجب الخيار”([279]) .

الفرع الخامس

ضوابط شرعية لرفع الغرر والضرر عن المستهلك الالكتروني

    الظاهر من أقوال الفقهاء إنَّ ضوابط رفع الغرر لم تحدد بفئة دون أخرى، أو بوسيلة دون غيرها، وانما وضعوا ضابط مهم لمعرفة ما يمكن تطبيقه عليها، وهو خيار تخلف الوصف، وعليه يمكن تطبيق هذه الضوابط على عقد الاستهلاك الالكتروني.

    وقد اشار أحد الفقهاء إلى الضوابط الشرعية حول ذكر اوصاف السلعة أو الخدمة التي ترفع بها الجهالة الموجبة للغرر وهي([280]) :

  1. يشترط في بيع خيار الرؤية وصف المبيع وصفاً يكتفي في السلم عندنا.
  2. اذا كان التوصيف يقوم مقام الرؤية، فيجب ان يعتبر في الرؤية ما يحصل بها الاطلاع على جميع الصفات المعتبرة في العين الغائبة مما يختلف الثمن باختلافه.
  3. ان الاوصاف ان لم تذكر تلزم الجهالة من إذ الوصف، وان ذكرت كانت قيداً فيجب الالتزام بها، والا يكون غرر أعظم، وهو غرر عدم الايفاء.
  4. ان الموجود وان لم يعد مغايراً للمعقود عليه عرفاً الا انه اشترط اتصافه بوصف، بمعنى تقَيد الرضا به فلو تخلف يكون البيع باطلاً([281]).

      فضلاً عن ذلك، ان هذه الضوابط قد أجمعت على ضرورة حماية الطرف الذي تُعرفَ له السلعة أو الخدمة عن طريق الوصف منعاً للجهالة المؤدية الى الغرر، وهذا ما نلاحظه في المستهلك في التجارة الالكترونية لكونه غائباً عن المعقود عليه، وما يعرض له على شبكات الاتصال الالكترونية من السلع والخدمات الا وصفاً، قد يكون صحيحاً أو مظللاً.

المطلب الثاني

الالتزام بالإعلام الالكتروني للمستهلك في القانون

    ان للمستهلك الحق في معرفة السلعة أو الخدمة، التي تقدم له في عملية البيع والشراء، على نحو يكون فيها المستهلك ذو دراية وتنوير في معرفة ما سيتم التعاقد عليه من المنتجات والخدمات بينه وبين المحترف الذي يتمتع بخبره واسعة في مجال التجارة الالكترونية ; لذلك سعى القانون لحمايته من ضرر ناتج عن هذا التعاقد، ضمن اجراءات وقائية تحمي المستهلك قبل ابرام العقد.

      ولكون العقد الذي سيبرم بين المستهلك والمحترف عقداً الكترونياً ينتج عنه مخاطر أكثر مما هو عليه في العقد التقليدي، ، تؤدي إلى التأثير على رضا المستهلك، فقد حرص المشرع الوضعي على اتخاذ اجراءات حديثة لمواجهة هذا الخطر، ويُعد الالتزام بإعلام المستهلك الالكتروني من أهم الاجراءات الوقائية، التي اتخذتها التشريعات الحديثة في حماية المستهلك الالكتروني، وفي هذا السياق يمكن بحث الالتزام بالإعلام الالكتروني وفق الفروع الأربعة الآتية:

الفرع الأول

مفهوم الاعلام الالكتروني

    إنَّ البحث في مفهوم الاعلام الالكتروني يمرُّ من محورين:

  1. تعريف الاعلام :

    يقصد بالإعلام : إشاعة المعلومات والحقائق والاخبار بين افراد المجتمع، وهو صورة من صور الاتصال لإعطاء المعلومات بهدف تنمية الإدراك ومواهب الاستيعاب في مختلف القطاعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ([282]) .

   ويعرّف الالتزام بالإعلام الالكتروني بانه: التزام آنف على التعاقد، يتعلق بتعهد أحد المتعاقدين بأن يوفر للمتعاقد الآخر عند إنشاء العقد البيانات الضرورية لإيجاد رضا سديد ومُطلع، وذلك بعلة وجود ظروف واعتبارات معينة قد ترجع إلى طبيعة هذا العقد، أو صفة أحد طرفيه، أو طبيعة محله، أو أي اعتبار آخر يجعل من المستحيل على أحدهما أن يسلم بيانات معينة، أو يتحتم عليه منح ثقة مشروعة للطرف الآخر الذي يلتزم بناءً على جميع هذه الاعتبارات الالتزام بالإدلاء بالبيانات ([283]) .

   ان الالتزام بالإعلام في العقد الالكتروني يجد اساسه في عدم التساو بين طرفي العقد المتفاوض عليه، من حيث العلم بعناصر العقد وظروفه، مما يوجب على الطرف المحترف بصفة خاصة الالتزام بالإدلاء للطرف الاخر المعلومات والبيانات كافة المرتبطة بالعقد حتى يتعامل وهو على إلمام كامل، ولكي يتصف التفاوض بالوضوح والشفافية وحسن النية ([284]) .

    إن المستهلك الالكتروني لا يرى السلعة أو الخدمة المراد شراؤها، وإنما يرى صورة لتلك السلعة وبعض المعلومات عن مواصفاتها وكيفية إتمام عملية الشراء والسعر والنقل لتلك السلعة، عبرالموقع الالكتروني، ولتفادي مضار ورود هذا المعلومات بصورة غير صحيحة وخادعة، دعت هذه الامور المشرع للتدخل لمنع الاعلام الخادع وذلك بسن قوانين رادعة لحماية المستهلك من التضليل.

   وقد عالجت المواد 111/21، و 113/3 من قانون حماية المستهلك الفرنسي موضوع حماية المستهلك وحقه في الاعلام([285])، كما ان العقد النموذجي الفرنسي في شأن التجارة الالكترونية والصادر عام 1997 قد أوجب تحديد ما إذا كان المستهلك قد وافق صراحة أو ضمنا على استعمال بياناته الاسمية التي تم تلقيها بمناسبة هذا العقد([286]) .

   وبموجب الالتزام بالإعلام للمشتري (المستهلك) ، أصبح على البائع الإفصاح عن كافة المعلومات الجوهرية التي تتعلق بمحل العقد المراد إبرامه، وتعيينا الخصائص والميزات الأساسية للسلعة او الخدمة محل العقد، لأجل أن يكون رضاء المستهلك واعياً ومستنيراً، ويتعاقد وهو على بينة من أمره. وتقديم هذه المعلومات في المرحلة السابقة على التعاقد يؤثر قطعًا على قرار المستهلك في التعاقد من عدمه، وعلى ما يقبل به من شروط ([287]) .

     وقد نص المشرع الفرنسي على هذا الالتزام في حماية المستهلك أنه” يجب على كل مهني بائع لسلع او مقدم لخدمات، قبل إبرام العقد، أن يمكن المستهلك من العلم بالصفات الأساسية للسلعة او الخدمة” ([288]).

      في حين لم تتردد المحاكم الفرنسية في الحكم بالتعويض، إذا ثبت لها أن العميل كان ضعيف الخبرة غير محترف، وأن هناك إخلالا من جانب المنتج بالتزامه بالإعلام والتبصير والنصح حتى ولو لم يصل إلى درجة الكذب والتضليل ([289]) .

كما نص قانون المستهلك العراقي على الالتزام في حماية المستهلك إذ ورد “للمستهلك الحق في الحصول على المعلومات الكاملة عن مواصفات السلع والتعرف على الطرق السليمة لاستعمالها أو لكيفية تلقي الخدمة بالشكل واللغة الرسمية المعتمدة”([290]) ،وكذا في قانون حماية المستهلك المصري إذ قرر:”حرية ممارسة النشاط الاقتصادي مكفولة للجميع ….. حقوق المستهلك الأساسية وخاصة:- (ب) الحق في الحصول على المعلومات والبيانات الصحيحة عن المنتجات التي يشتريها أو يستخدمها أو تقدم إليه”([291])

2- مبررات الإعلام الالكتروني

   إن تمكين المستهلك من الإعلام الإلكتروني أصبح حاجة عملية تستدعيها طبيعة الحياة المعاصرة، بسبب التطور الكبير في وسائط الاتصال العصرية وانتشارها السريع في مختلف جوانب الحياة، والهدف منه توعية إرادة المستهلك قبل إقدامه على إبرام العقد، وهذا ما يجعل هذا التمكين يحقق المساواة بين طرفي العقد من حيث المعرفة، وبالتبعية لذلك يحقق التوازن العقدي، لذا نجد أن عدم المساواة في المعرفة بين أطراف العقد تبرر تقرير الالتزام بإعلام المستهلك.

   كما إن تقرير الالتزام بإعلام المستهلك بالمعلومات الضرورية لتنوير إرادة المستهلك المتجهة إلى إبرام العقد الإلكتروني يرتبط بجهل هذا المستهلك وعدم خبرته، فجهل المستهلك هو أحد أهم مبررات هذا الالتزام، وهو جهل مشروع ([292]) .

   فضلاً عن ذلك ان المستهلك دائما الطرف الضعيف الذي لا يملك الخبرة في مواجهة البائع المحترف، مما توجب على هذا الأخير إعلامه مسبقا بكل المعلومات الضرورية حتى تتوازن الإرادتين و تتكافئ فيما بينهما.

الفرع الثاني

جزاء الاخلال بالالتزام بالإعلام الالكتروني

     يعدُّ القانون الفرنسي من أهم القوانين الوضعية التي نظمت التعاقد عن بعد في موضوع حماية المستهلك، حيث جعلت هذا النوع من التعاقد من النظام العام مما يجعل مخالفة أي التزام من طرف التاجر الإلكتروني مصيره البطلان.

      في حين لا توجد نصوصا مفصلة تحكم مخالفة الإخلال بالالتزام بالإعلام، وهذا ما جعل الفقه يغلب إعمال القواعد العامة في هذا الشأن فالإخلال بهذا الالتزام قبل التعاقد يؤدي إلى تعييب إرادة المستهلك عديم الخبرة، مما يسمح له بالمطالبة بفسخ العقد أو المطالبة بإبطاله إذا وقع في غلط أو تدليس([293]) .

   ويمكن الرجوع على التاجر الإلكتروني بمقتضى قواعد المسؤولية العقدية استنادا على وجود عقد سابق على هذا العقد الأصلي، وأن العقد السابق هو عقد ضمان مفترض قبل التعاقد، ويمكن الرجوع عليه بقواعد المسؤولية التقصيرية والمطالبة بالتعويض عما يكون قد أصابه من ضرر بسبب عدم إعلامه على نحو سليم ([294]) .

الفرع الثالث

شرعية الالتزام بالإعلام قبل التعاقدي وتمييزه عن الالتزام بالإعلام التعاقدي

   إن الالتزام بالإعلام قبل التعاقدي هو التزام قانوني سابق على التعاقد، إذ ينشأ وينفذ في مرحلة سابقة على العقد، وبالتالي لا يستمد وجوده منه وإنما يستمد وجوده من المبادئ العامة للقانون كمبدأ حسن النية قبل التعاقدي  فضلا عن ان هذا الالتزام قد تنص عليه صراحة بعض النصوص.

   وعلى العكس من ذلك، فإن الالتزام العقدي بتقديم المشورة هو التزام عقدي ينشأ في مرحلة تالية لإبرام العقد ويستمد وجوده من العقد ([295]) .

      فالالتزام بالإعلام قبل التعاقدي ينشأ في المرحلة السابقة على تكوين العقد وإبرامه، ويهدف إلى تنوير رضاء المتعاقد الذي تقدم إليه المعلومات; لذلك لا يستمد وجوده من العقد. بخلاف الالتزام بالإعلام التعاقدي، الذي ينشأ وينفذ في مرحلة لاحقة لإبرام العقد، وبالتالي هو التزام تعاقدي الغاية منه حسن تنفيذ العقد([296]) .

                                                      الفرع الرابع

محل الالتزام بالإعلام الالكتروني

     لا يختلف التاجر (البائع) عبر الانترنيت عن أي تاجر آخر، فهو ملزم بتمكين المستهلك بكل البيانات الضرورية لإتمام عقد البيع، فيجب أن يكون العرض المقدم على شاشة “الويب “محددا بدقة، وواضحا، ولابد من ظهور البيانات الإلزامية الخاصة بالتعاقد مع العرض المقدم، وهو ما استقر عليه التوجيه الأوربي وقانون المستهلك الفرنسي أي تم التأييد على ضرورة تحديد شخصية البائع وتوضيح البيانات الأساسية للسلعة أو الخدمة ([297]) .

ان الالتزام بالإعلام قبل التعاقد المبني على حسن النية، يتكون من عنصرين هما:

العنصر الأول: الكتمان العمدي.

العنصر الثاني: الإدلاء بالبيانات والمعلومات.

العنصر الاول: الكتمان العمدي

      اشار القضاء الفرنسي إلى أن السكوت عن واقعة أو ملابسة يجب التصريح بها نزولا عند حكم القانون أو الاتفاق أو طبيعة العقد وما يحيط به من ملابسات وظروف يعد تغريرًا فيطلق عليه الكتمان الذي يمثل الوجه السلبي للكذب، إذ يسكت فيه المتعاقد المحترف في الوقت الذي يجب عليه تقديم المعلومات الكافية عن الخصائص والصفات الأساسية للسلعة أو الخدمة عند التعاقد([298]).

   فإذا ثبت أن هناك أمراً من الأمور إذا أطلع عليه المستهلك تأثر به رضاؤه، وسكت من تعاقد معه عن بيانه عدَّ ذلك تغريراً أو تدليساً يجيز للمستهلك الطعن في العقد، و المعلومات التي يجهلها المستهلك عمداً، والتي تشكل محل الالتزام قبل التعاقدي بالإعلام يعد أحد الطرق الاحتيالية التي تكون الركن المادي في التغرير، والذي يعد إذا اقترن بالغبن الفاحش عيبا من عيوب الرضا.

   ذلك أن طبيعة عقد الاستهلاك تستوجب درجة عالية من الثقة بين طرفيها، مما يفرض على المحترف عدم السكوت عن الإدلاء بالمعلومات المطلوبة لشريكه في العقد.

   وهذا يستخلصه قاضي الموضوع من ظروف التعاقد، ومن هذه الظروف ما يتمتع به المنتج أو المورد في مهنته من تخصص وسمعة عالية يركن إليهما المستهلك، ومنها ألا يكون أمام هذا الأخير سبيل آخر للعلم بالأمر الذي كتم عنه كأن يكون بالمبيع عيب خفي([299]) .

العنصر الثاني: الإدلاء بالبيانات والمعلومات

      يقتضي الالتزام بإعلام المستهلك أن يقدم بائع السلعة او مقدم الخدمة وقبل ابرام العقد ان يزود من يتعاقد معه بالمعلومات الكافية عن الخصائص والصفات الأساسية للسلعة او الخدمة بمحل العقد، ويصبح الأمر أكثر إلحاحاً حينما يتعلق بسلعة حديثة العرض في الأسواق وتتميز بخطورتها الكامنة فيه([300]) .

   وفي هذا الصدد نجد أن تقنين الاستهلاك الفرنسي الصادر في 26 يوليو 1993 حدد المعلومات الواجب الإفضاء بها للمستهلك وتشمل:

أ – الخصائص والصفات المميزة للسلع أو الخدمات([301]) .

ب – الإفصاح عن ثمن وشروط البيع([302]) .

ج – فرض بيانات في بعض العقود مثل عقد القرض والتأمين والعقود التي تبرم عن طريق الدعاية والترويج يضاف إلى ما تقدم، أن المشرع الفرنسي قد ترك الحرية للمهني في اختيار الوسيلة التي يقدم بها المعلومات للمستهلكين، لكنه ألزمه بأن يقدمه باللغة الفرنسية([303]) .

كما ألزم قانون الاستهلاك العراقي المجهز(البائع) في المادة 7/ف4:بـ”التأكد من تثبيت البيانات والمواصفات والمكونات الكاملة للمنتج وخاصة بدء وانتهاء الصلاحية وبلد المنشأ قبل طرحها في السوق او قبل اجراء عملية البيع او الشراء او الاعلان عنها”([304]).

     وجاء في اللائحة التنفيذية لقانون الاستهلاك المصري في المادة 13 :”على المنتج أو المستورد أن يضع البيانات التي يلزمه القانون وهذه اللائحة بوضعها وذلك بشكل ظاهر وواضح تسهل قراءتها وعلى النحو الذي يتحقق به الغرض من وضع تلك البيانات حسب طبيعة كل منتج وطريقة الاعلان عنه او عرضه او التعاقد عليه وفقا للمواصفات القياسية المصرية”([305]).

   يرى الباحث أن الالتزام بالإعلام يعدَّ أداة فعالة لمقاومة محاذير الدعاية والإعلان وذلك عبر إعطاء معلومات منطقية وعقلانية غير متحيزة عن السلع والخدمات ; لذا فإن هذا الالتزام هو التزام بمحصلة تتمثل بتزويد المستهلك بالمعلومات، وهو ليس التزاماً بذريعة أي عمل ما بالإمكان لتزويده بهذه المعلومات.

المطلب الثالث:المقارنة والمفاضلة بين الالتزام بالإعلام في الفقه الاسلامي والقانون

     بعد عرض مفهوم الالتزام في الاعلام ومبرراته وطريقته في حماية المستهلك في الفقه الاسلامي والقانون في مجال حماية المستهلك في التجارة الالكترونية وللمقارنة والمفاضلة يمكن ايجازها بالجدول الاتي([306]):

جدول (4) : المقارنة و المفاضلة بين مفهوم الالتزام بالإعلام في الفقه الاسلامي والقانون

ت

مفهوم الالتزام بالإعلام في الفقه الاسلامي

مفهوم الالتزام بالإعلام في القانون

1

إنَّ الالتزام بالإعلام في مرحلة التفاوض في الفقه الاسلامي لا يعدَّ جزءاً من العقد بل هو مرحلة سابقة للعقد تسمى مرحلة (السوم) ، وبالتالي لا يكون البائع المهني ملزم أمام المشتري، إنّما هو مجرد ايجاب كتبي

إنَّ الالتزام بالإعلام في مرحلة التفاوض في القانون يعدَّ جزءاً من العقد

2

أن مبررات الاعلام سواء كان قبل العقد أو بعده يكون الداعي الرئيس لها هو تنوير المستهلك وارضاءه.

جعل الالتزام بالإعلام قبل التعاقد جزءاً من العقد

المبحث الثاني

منح المستهلك خيار الرجوع في الفقه الاسلامي والقانون

      يتناول المبحث الحالي عرض وسيلة اخرى لحماية المستهلك في عقود التجارة الالكترونية وهي ما يصطلح عليه بخيار الرجوع أو العدول ومدى ارتباطه بالعقد غير اللازم في الفقه الاسلامي، وسيتُّم ذلك عبر المقارنة بين مفهوم العقد غير اللازم ومفهوم خيار الرجوع ونوع العلاقة بينهما، وعليه سيتضمن المبحث ثلاثة مطالب رئيسة:

المطلب الأول

منح المستهلك خيار الرجوع ومدى ارتباطه بالعقد غير اللازم في الفقه الاسلامي

      يعتبر القانون الوضعي خيار الرجوع أو العدول عن العقد بمثابة اتمام لفرصة التبصر، فهو حماية للمستهلك من خلال عدوله عن عقد تسرع في قبوله وتوقيعه دون رضى مستنير أو معرفة كافية، إذ أشارت المادة (20-120L. ) من قانون الاستهلاك الفرنسي([307]):عن مبدأ حق المستهلك بالرجوع عن العقد المنشأ عن بعد، في مهلة أدناها سبعة أيام عمل، دون ان يكون ملزماً بأي تبرير عن عدوله عن العقد، وعليه ان يتحمل المصاريف الناجمة عن اعادة البضاعة فقط لا غير.وجاء في قانون الاستهلاك العراقي المادة 6 ثانيا :”للمستهلك وكل ذي مصلحة في حالة عدم حصوله على المعلومات المنصوص عليها في هذه المادة اعادة السلع كلا او جزءا الى المجهز والمطالبة بالتعويض امام المحاكم المدنية عن الضرر الذي يلحق به أو بأمواله من جراء ذلك([308])”.

      إنَّ خيار الرجوع في القانون الوضعي، يقابله في الفقه الاسلامي العقد غير اللازم، باعتبار ان صاحب الخيار يكون غير ملزم في فترة الخيار، كما ان أصالة اللزوم في العقود لا تشمل مورد

الخيار والعقد الاذني(*)، وقبل الخوض في غمار البحث لابد من تعريف العقد غير اللازم مع بيان أثره وأحكامه على عقد الاستهلاك ضمن الفروع الآتية:

الفرع الأول

تعريف العقد غير اللازم

     عُرِف العقد غير اللازم بانه ما يكون لأحد العاقدين فيه حق الفسخ ([309]) .

وعرفه آخر بانه عقد يمكن فسخه من قبل أحد العاقدين دون الآخر، مثل عقد الرهن والكفالة والجعالة

وغيرها من الالتزامات التي تتم بإرادة واحدة ([310]) .

   ويرى الباحث ان التعريف الأول “وهو ما يكون لأحد العاقدين فيه حق الفسخ”هو الأرجح وموضوع البحث؛ لأنَّ عقد البيع يكون غير لازماً في حالة وجود الخيار، فاذا اشترط المشتري المستهلك على البائع المهني بفترة محدودة لقبول المعاملة، فيكون المشتري غير ملزم بالعقد لحين انتهاء فترة الخيار وغيرها من الخيارت التي تثبت عند حدوث خلل في شروط العقد.

الفرع الثاني

استخدام العقد غير اللازم كوسيلة لحماية المستهلك في عقود الاستهلاك الالكتروني

      إنّ القانون الوضعي قد منح خيار الرجوع للمستهلك الإلكتروني قبول أو موافقة البائع المهني، وذلك لحمايته من تعسف البائع المحترف، لما يتمتع به الأخير من خبرة تجعله قادراً على خداع المستهلك الذي يفتقد لتلك الخبرة والدراية في اجراء المعاملة.

      إنَّ الفترة الزمنية المؤقتة التي منحها المشرع الفرنسي لخيار الرجوع –سبعة أيام عمل-، تعد كافية لمراجعة المستهلك الالكتروني عن نوع المعاملة التي ابرمها مع المحترف لدى الفقه الوضعي، وقد تم تفصيله سابقاً.

       إن في الفقه الاسلامي صُوراً من الالتزامات التي تتم بارادة واحدة وهي الايجاب، ولا تحتاج الى قبول(*) ، مثل الوقف: “الذي ينعقد بمجرد صدور الصيغة من الواقف، دون حاجة الى قبول

 الموقوف عليهم”([311]) .

والكفالة تصحُّ ولو كان المكفول له غير معين أو غائباً، أي ان المكفول له ليس بلازم لانعقاد الكفالة، كما أن الاذن من المدين المكفول عنه ليس بلازم([312]) .

والكثير من هذه العقود(* ) والالتزامات التي تتم بإرادة واحدة ولا تحتاج الى ارادة ثانية.

   أذن هل يمكن تطبيق ذلك على عقود الاستهلاك الالكتروني؟.

الجواب: ان الفقه الاسلامي قد سبق القوانين الوضعية في معرفة ووضع وسن رضائية العقود، فضلاً عن ذلك هو أول من شرع وطبق الارادة المنفردة في العقود، وعليه فان الفقه الاسلامي قد وضع الحلول والوسائل لكل حادثة ومسألة، ويمكن تطبيق ذلك على المستهلك الالكتروني وطريقة حمايته، باعتباره طرفاً ضعيفاً في العقد، من خلال وضع خيار الشرط كالتزام قانوني وشرعي لحمايته من أي ضرر أو غرر قد يصيبه من هذه الصفقة، والرجوع عنها خلال فترة محددة يضعها المستهلك الالكتروني كحق له، أما بمواصلة الاتفاق أو التخلي عنه، بفترة مؤقتة لا تخرج عن العرف، ولا يحدث منها ضرر، لأن بعض السلع الاستهلاكية قد لا تتحمل التأخير كالأطعمة والمواد الغذائية([313]).

     لهذا فإن الفقه الإسلامي يكاد يجمع على أن خيار الرجوع في التعاقد الالكتروني هو خيار مؤقت ينقضي بمدة معينة، فخيار الشرط*  وهو أحد تطبيقات الخيار الشرعي والقانوني ينقضي بمضي مدة الخيار التي يذهب الرأي الراجح عند فقهاء السنة “أبو حنيفة والشافعي”، على أنها لا تزيد على ثلاثة أيام في جميع الأحوال([314]) ، استناداً لحديث الرسول محمد e حيث قال :”إذا بايعت فقل لا خلابة ولي

 الخيار ثلاثة أيام”([315]) .

     وقد رأى الخوئي حول صحة اشتراط أحد الطرفين المشتري (المستهلك) أو البائع (المهني) في عقد البيع انه “لا خلاف في صحة هذا الاشتراط بأن يشترط أحد المتعاملين أن يكون له أو لهما الخيار الى زمان على نحو الاتصال أو الانفصال”([316]) .

    وقد ورد كلام علي الغروي :رداً على من يدعي بأن اشتراط الخيار في العقود من الشروط المخالفة للكتاب والسنة وأيضاً لقاعدة السلطنة “الناس مسلطون على أموالهم”، وذلك باعتبار ان كل عقد من العقود لازم ومنه عقد البيع،  فقد اورد الغروي “من أن اللزوم والجواز على قسمين، فقسم منها حقي والقسم الآخر حكمي، ويعرف الحقي: بجواز دخول الاقالة عليه، مثلاً اللزوم في البيع حقي، فلذا يقبل الاقالة برضا البائع والمشتري، واللزوم فيه من جهة مراعاة حق المتبايعين”([317]) .

 وللفقهاء والعلماء المعاصرين آراء عديدة حول جواز خيار العدول في صور نذكر منها ([318]) :

  1. اذا اشترط البائع (المهني) والمشتري (المستهلك) على الفسخ في مدة معينة، فانه يثبت خيار الشرط.
  2. ما دام المتعاقدان في مجلس العقد ولم يفترقا(*) ، فانه يجوز لكل منهما العدول لقول الرسول محمد “صل الله عليه وآله” (البيعان بالخيار ما لم يفترقا) الذي اثبت خيار المجلس لكل من البائع والمشتري ما داما لم يفارقا مجلس العقد.
  3. شراء الحيوان:فانه يجوز للمشتري العدول في مدة ثلاثة أيام استناداً الى خيار الحيوان الذي جعله الشارع للمشتري المستهلك في هذه المدة.
  4. اذا ظهر خلاف في الوصف أو غبن في المعاملة لم يكن معلوماً به حينها.
  5. اذا وجد عيب في السلعة ولم يتصرف المشتري بها، أو لم يتصرف البائع اذا كان الثمن معيباً، فيتمكن المتعاقد من الفسخ لوجود العيب، لان البيع قد قام على اشتراط السلامة في العوضين، وهو شرط ارتكازي.

   وغيرها من الخيارات التي وضعها الشارع المقدس لحماية المشتري (المستهلك) أو البائع وفق ميزان العدالة الشرعية.

   ان وجود الاختلاف النسبي بين الفقهاء حول امكان الاعتداد بجريان العقد بإرادة واحدة، لا يمنعنا من تأييد القول بجواز الارادة المنفردة في عقد الاستهلاك، كما اننا نرى ان عقد الاستهلاك الالكتروني لا يختلف كثيراً عن عقد الاستهلاك التقليدي، الا من حيث الطريقة والوسيلة الالكترونية([319]) ، وللأسباب الآتية([320]):

السبب الأول: ان الارادة المنفردة تكون مصدراً مهماً في بعض الالتزامات الشرعية والقانونية.

السبب الثاني: يوجد عدد غير قليل من الفقهاء الذين أجمعوا على صحة عقد الارادة المنفردة.

السبب الثالث: يمكن تضييق العمل بالإرادة المنفردة على نحو يدفع الضرر والغرر على العاقدين، بوضع خيار الشرط([321]).

السبب الرابع: ان المدة المؤقتة التي وضعها بعض فقهاء المسلمين-ثلاثة أيام-هي لخيار الحيوان، وليس للشرط، فيمكن وضع مدة أكثر أو أقل من ذلك، على ان تكون المدة غير مغررة لطرفي

العقد([322]).

السبب الخامس: كما ان إعطاء القانون الوضعي الغربي والعربي صبغة قانونية ولو بالتضييق من الجانب العربي على الارادة المنفردة، يمنحها شرعية أكثر باعتبارها من فقه المعاملات التي يكون فيها العرف المقنن الاساسي لها، مع مراقبة المشرع الاسلامي منعاً للمحظور الشرعي.

السبب السادس: يعمل العقد غير اللازم أو الارادة المنفردة في حماية المستهلك الالكتروني، أكثر مما عليه في حماية المستهلك التقليدي، لسببين رئيسيين:

      • ان تعرض المستهلك في التجارة الالكترونية للأخطار والاضرار أكثر من المستهلك التقليدي، باعتبار طبيعة العقد تكون بين غائبين مكانياً، فالمستهلك الالكتروني لا يرى السلعة أو الخدمة، وانما توصف له من خلال اعلان على موقع الشركة، وهذا معرض للتضليل والغرر أكثر.
      • ان المشرع الوضعي وبالخصوص الغربي قد وضع قوانين صارمة لحماية المستهلك الالكتروني، فالاتفاق بين طرفي العقد (العاقدان) يعني موافقتهما على هذه القوانين، والمشرع الاسلامي لا يمانع من ذلك، بل يحث على احترام وتطبيق القوانين الوضعية-اذا لم تعارض النصوص الشرعية- حفاظاً على النظام العام.

المطلب الثاني

منح المستهلك خيار الرجوع في القانون

      يقصد بخيار الرجوع(العدول) القانوني، أن يعطي المشرع المســتهلك خیــار الرجوع عن الاتفاق، حتى ولو أن التعاقد أبرم بصورة سليمة وصحيحة، واعطاء هذا الخيار للمسـتهلك لايقصد به الانتقاء من بين أشياء عديدة مثلما يكون في “الالتـزام التخییـري”، ولكن هــو خيار منحه المشرع لممنوع، وحیــث إن هــذا الخيار هــو اســتثناء مــن القاعدة العامة، لـذا فإنـه لا يحصل عليه إلا مـن منحت لـه، وهـو المسـتهلك، كمـا إنه مقتصر علـى عقـود معينة وهـي عقـود الاسـتهلاك، وما كان خلاف ذلك، فإنه يفض العقـد من قاعدته، ويخرب كل قیمة شرعية أو اقتصادية له ([323]) .

   والقاعدة الــتي يستند عليها الرجــوع التشــریعي عــن التعاقــد، هــو الــنص التشريعي الــذي أعطــى للمســتهلك خیــار الرجــوع، فــالقوة الملزمــة للعقــد، تثبــت للعقــود الصـحیحة النافـذة، مـا لـم یقـرر المشـرع أو الاتفـاق خـلاف ذلـك، وفـي عقـود الاسـتهلاك قضـى المشـرع بخـلاف المبـدأ الـذي بثبت القـوة الملزمـة للعقـد، بـأن أعطـى للمسـتهلك إمكانية الرجـوع اسـتثناء مـن المبـدأ العـام وذلـك لاعتبـارات رآهـا حَرية بـالخروج علـى هـذا المبــدأ فكــون المســتهلك فــي مركــز تعاقــدي ضعيف مــن الناحية الفعلية مــع المتعاقــد الآخــر، ولــیس فــي النظریــة العامــة للعقـــد، مــا یشــفع لهــذا المســتهلك، فــي حمایـــة مصالحه، ولم یجد المشـرع بُـداً مـن الخـروج علـى القواعـد العامـة فـي نظریـة العقـد، لكـي یقرر حمایة المستهلك؛ لذا فـإن أسـاس الرجـوع التشـریعي عـن التعاقـد هـو كونـه اسـتثناء مــن مبــدأ القــوة الملزمــة للعقــد، هــذا عــن الرجــوع بعــد إتمــام العقــد. أمــا عــن الأســاس المتدرج للعقد، فهو علـى اعتبار إن عقـود الاسـتهلاك لـم تعـد تبـرم فـي لحظـة زمنیـة واحـدة.

   وقد شبه الاساس القانوني للرجوع قبل إبرام العقد، بفكـرة التكـوین وهي لحظة ارتباط الإیجـاب مـع القبـول، ولابـدَّ مـن مـرور مـدة زمنیـة قبـل أن یرجـع المسـتهلك عـن عقـده، فـإذا لـم  یشـأ  تأكیـد رضـائه الـذي أصـدره، وعمـد إلـى سـحب هـذا الرضا، خلال مدة التروي فإنه یحول بذلك دون إبرام العقد، ومـن ثـم فإنـه ینسـحب مـن عقد غیر تام، ولیس من عقد ملزم([324]) .

 وسنقسم هذا المطلب على ثلاثة فروع:

الفرع الأول

مفهوم خيار الرجوع

وسيكون بحث مفهوم خيار الرجوع من خلال تعريفه ومعرفة مبرراته وخصائصه .

  1.  تعريف خيار الرجوع

     يعني خيار الرجوع أو العدول اعطاء المستهلك فرصة بإعادة النظر في العقد الذي أبرمه والتراجع عنه خلال فترة محددة تتباين بتباين مكان العقد ويتم برد المبيع واسترجاع القيمة ([325]) ،     ولا يكون المستهلك مجبرا عند إعادة النظر أن يبرر ذلك، لأن ظروف التعاقد، وعدم رؤية المبيع هي المبرر الكافي، ولا يكون مجبرا أيضًا بدفع تعويض عن ذلك([326]) .ويعبر عن العدول بعدة مصطلحات على سبيل المثال: إعادة النظر في المبيع([327]) ، أومهلة التروي او التفكير او حق الندم او رخصة الرجوع ([328]) .

   وقد منح المشرع الفرنسي المستهلك خيار الرجوع بشأن عقود البيع عن بعد، فقد نصت المادة الاولى من القانون الفرنسي رقم (21/88) الصادر في 6 كانون الثاني / يناير 1988على أنه (في كافة العمليات التي يتم فيها البيع عبر المسافات فإن للمشتري خلال سبعة أيام من تاريخ تسليم المبيع الحق في إعادته إلى البائع لاستبداله بآخر أو رده واسترداد الثمن دون أية نفقات من جانبه سوى مصاريف الرد)([329]) .

  ويلاحظ من هذا النص إن منح المستهلك خيار الرجوع عن التعاقد ينطبق على عقود البيع التي تتم في إطار ما يسمى بالبيوع عبر المسافات، والتي لا يتمكن فيها المتعاقد من رؤية المبيع وهو ما يصح قوله في عقد الاستهلاك الالكتروني التي يتعاقد فيها المستهلك على خدمة أو سلعة دون إمكانية المناقشة ودون رؤيتها ([330]) .

      مُنح المستهلك-قانونياً- في جميع معاملات البيع عبر المسافات الخيار في إعادة المبيع إلى البائع، واسترداد الثمن المدفوع أو استبدال المبيع خلال سبعة أيام من تاريخ التسليم، دون أن يكون المستهلك ملزماً بأي تبرير عند عدوله عن العقد.

  1.  مبررات خيار الرجوع

      يرى المشرع الوضعي ان خيار الرجوع عن العقد هو وسيلة او اجراء مكمل لمنحة التفكر والتروي، وذلك بهدف حماية المستهلك موفرا له الرجوع أو العدول عن عقد اندفع بابرامه، أو ابرمه دون دراية كافية، ودون اقتناع مستنير([331]) .

      ومن الاسباب الرئيسية لإعطاء المستهلك هذا الخيار، تتمثل في محاولة إعادة التوازن إلى العلاقة العقدية نظراً لظروف إبرام هذه العقود والمتمثلة بانعدام القدرة على رؤیة محل العقد حقیقة أو مناقشة شروط العقد صراحة .والمستهلك یستخدم الوسيلة بإرادته المنفردة دون اللجوء إلى القضاء ودون اشتراط موافقة المحترف أو البائع وحتى لو لم یخل الأخیر بالتزاماته ([332]) . ومع تقدم وسائل الاتصال العصرية والتعقيد الذي شهده استعمال الوسائل التكنولوجية في إبرام العقود وبصورة تجعل من العسير على المستهلك العادي الاطلاع بكل عروض العملية التعاقدية التي يقدم عليها، مما جعل من الضروري توفير وسائل أكثر فعالية لحماية المستهلك.

   كما تصاعدت ضرورة حماية المستهلك بسبب الرغبة بتمكين المستهلك من تكوين رضاء حر ومستنير بالنسبة للعقد الذي يبرمه، ولهذا يعد خيار الرجوع من النظام العام لا يجوز الاتفاق على خلافه وبالتالي لا يحق للمستهلك التنازل مسبقا عنه ولا يجوز بأي شكل من الأشكال تقييده ([333]) .

   ؛ويمكن القول بأن تقرير هذا الخيار جاء لحماية المستهلك من الآثار السلبية لتطور وسائل التسويق. ففي بيوع المسافة على الأغلب يتعاقد المستهلك في هذه العقود على بضاعة لم يرها، أو أنه رآها صورةً ماثلةً على شاشة الحاسوب أو التلفاز، مما قد لا يمكنه من أخذ الفكرة المناسبة والوافية عن السلعة التي يريد شراءها وفي محاولته للتحلل من العقد، قد لا يستطيع المستهلك الاستناد في ذلك إلى القواعد العامة المنظمة للتعبير عن الرضا، إذا لم يكن قد تعرض إلى إكراه أو غلط أو تدليس أو

غبن فاحش عند إبرام العقد وأصدر قراره على الصورة التي رآها والتي قد لا تعبر عن الحقيقة مما يُوجب إعطاء خيار التراجع والعدول عن العقد الذي أبرمه في هذه الظروف([334]) .

  1.  خصائص خيار الرجوع

   تتميز هذه الوسيلة- خيار الرجوع في التعاقدات بخصائص معينة تحدد معالمها، أهمها ما يرتبط بأسلوب مزاولة هذا الخيار ووقت ممارسته وانتقاله للغير وانقضائه.

أ. أسلوب مزاولة خيار الرجوع

     لا تتطلب قوانين حماية المستهلك التي أخذت بخيار الرجوع لتقريره من صفة الأصل شروطًا وإجراءات خاصة؛ لذلك يكفي مجرد تعبير المستهلك في عقود الاستهلاك عن اختياره الرجوع في تعاقده خلال مهلة محددة متفق عليها خيار الرجوع في عقد الاستهلاك بطبيعته خيار مؤقت، إذ يجب على المستهلك ممارسته خلال فترة محددة.

     وهذا التعبير عن إرادة الرجوع ككل تعبير عن الإرادة قد يكون صريحاً، وقد يكون ضمنياً، إذ يستخلص من قيام المستهلك بالتصرف بالسلعة محل عقد البيع خلال مهلة الرجوع، فهذا يدل ضمناً على اختياره إمضاء العقد وتنفيذه.

    والجدير بالذكر إن مزاولة خيار الرجوع يتمُّ بإرادة المستهلك المنفردة ودون الحاجة إلى اللجوء للقضاء أو الحصول على موافقة الطرف الآخر، كما أن هذا الخيار يعدُّ من النظام العام لا يجوز الاتفاق على خلافه ولا يجوز للمستهلك التنازل عنه مستقبلا كما يجوز بأي شكل من الأشكال تقييده. ؛لذلك فإنه يجب أن يتضمن العقد استمارة قابلة للاقتطاع يكون الغرض منها التسهيل على المستهلك ممارسة خيار العدول([335]) .

     إلا أنه قد يفرض المشرع كيفية خاصة لطريقة الرجوع في التعاقد، على سبيل المثال إن قانون الاستهلاك الفرنسي لسنة 1978 في المادة 7/1- في بعض حالات الرجوع- يلزم البائع أن يرفق بالعقد نموذج معين يجب على من تقرر له خيار الرجوع استيفائه وإعادته للمتعاقد الآخر، برسالة مسجلة مع علم الوصول([336]).

ب. وقت ممارسة خيار الرجوع

   إن خيارالرجوع في عقود الاستهلاك بطبيعتها اجراء زائل ينتفي بانتهاء المهلة المحددة، إذ يجب على المستهلك ممارسته خلال فترة محددة، إذ لا يعقل أن تتقرر هذا الخيار بصفة دائمة، ويرجع ذلك إلى ما يترتب على الرجوع من مساس بمبدأ استقرار التعامل([337]) ، فضلا عن مراعاة مصلحة المتعاقد الآخر لكي لا يبقى ملتزما بعقد لا يعرف مصيره مدة طويلة من الزمن([338]) .

   فليس من المنطق أن يقرَّ هذا الخيار بصورة دائمة؛ لأنَّ هناك آثارا تترتب على الرجوع تمس بمبدأ استقرار التعامل، لهذا كانت المدة المؤقتة لخيار الرجوع مدة قصيرة وليست مدة طويلة، وهذا ما فعلته قوانين حماية المستهلك([339]) .

الفرع الثاني

مجال تطبيق خيار الرجوع

      إنَّ مزاولة خيار الرجوع من قبل المستهلك محدود بظروف ومواقف معينة وفق القانون دون غيرها؛ لأنَّه يمثل انحرافا عن الأسس العامة التي تحكم العقود الملزمة لطرفيها منذ انعقادها والتي لا يرخص بالعدول عنها او تغييرها بمشيئة منفردة ([340]) ، الا اذا تم توضيح ذلك في نص العقد صراحة إذ إن العقد شرعة الطرفين.

   وقد أعطت القوانين الوضعية خيار الرجوع أو العدول للمستهلك في بعض أنواع العقود التي تتميز بكونها عقوداً يمثل المستهلك الطرف الضعيف فيها والذي بالضرورة يحتاج إلى توفير حماية خاصة له ([341]) ، وينطبق ذلك-أي خيار العدول- على جميع عقود البيع التي تتم بين غائبين أو بيوع المسافات.

    وحدد القانون الفرنسي أنواع تلك العقود لتتضمن: البيع عن طريق التلفزيون، والبيع عن طريق الكتيبات أو النشرات أو الإعلان عن السلع مع بيان الأسعار الجاري التعامل بها([342]) ، ولم يميِّز المشرِّع في القانون الفرنسي ومشروع القانون في ممارسة هذه الرخصة بين البيع بثمن فوري وبين البيع بالتقسيط، كما لا يشترط لممارسة هذه الرخصة أن تبلغ قيمة المبيع حدًا معينًا([343]) .

الفرع الثالث

استثناءات ممارسة خيار الرجوع

   أجمعت كل التشريعات بما فيها التوجيهات الأوروبية على أن خيار التراجع لا يمكن ممارسته في الحالات التالية([344]) :

  1. العقود التي بدأ بتنفيذها بطلب من المستهلك.
  2. العقود التي يحدد ثمنها بناءا على سعر السوق المالي
  3. عقود بيع الجرائد والمجلات والبضائع المصممة حسب احتياجات المستهلك
  4. عقود تسليم البضائع التي تتلف بإرسالها بالبريد
  5. عقود خدمات المراهنة وأوراق اليانصيب
  6. عقود التسجيلات السمعية والبصرية أو برامج المعلومات

      على الرغم من أهمية خيار التراجع او العدول عن التعاقد كوسيلة لحماية المستهلك، إلا إنَّ هناك بعض الانتقادات قد وجهت إليه، من أنَّه يمسَّ القوة الملزمة للعقد وبالوظيفة الاجتماعية له، كما أنَّه يخلُّ باستقرار المعاملات وبثبات العقد، فضلا عن أنَّه يرجِّح مصلحة المستهلك على مصلحة المورد، الا انّ ذلك كلِّه لا يمنع من كون حق التراجع من أهمِّ الحقوق التي جاء بها قانون حماية المستهلك .

المطلب الثالث:المقارنة والمفاضلة بين خيار الرجوع في الفقه الاسلامي وبين القانون

   ذهب فقهاء الاسلام الى عدم جواز الرجوع بعد تمام العقد استناداً الى قاعدة أصالة اللزوم في العقد، الاّ انه يجوز الرجوع في عده صور نذكر منها كما في الجدول رقم (5) الاتي([345]):

جدول (5) : المقارنة و المفاضلة بين مفهوم خيار الرجوع في الفقه الاسلامي والقانون

ت

مفهوم خيار الرجوع  في الفقه الاسلامي

مفهوم خيار الرجوع في القانون

1

اذا جعل المتعاقدان أو أحدهما لنفسه الخيار فترة محددة، فإنَّه خلال تلك الفترة يثبت خيار العدول

وضع فترة زمنية يكون فيها للمستهلك خيار الرجوع

2

وضع خيارات متعددة لحماية المتضرر وبالتالي يثبت له خيار الرجوع، أهمها خيار العيب وخيار الغبن وخيار تخلف الوصف أو الرؤية، وغيرها من الخيارات التي تحمي المستهلك،

هذه الخيارات غير موجودة في القانون الا خيار الرؤية فقد ذكر في القانون المدني العراقي

 (م517/1)(م523/2)،وهو مأخوذ من الفقه الاسلامي

3

وضع مدة محددة بشرط أن تكون هذه المدة معلومة وغير مبهمه

اما القانون الفرنسي إذ حدَّد الفترة لخيار الرجوع (7 أيام مع العمل) وهي فترة مبهمة ؛لأنَّ واقعاً قد تكون الفترة أطول بسبب وجود عطل رسمية

4

فان خيار الرجوع يمكن أثباته للبائع المهني في حالة تعرضه للضرر

هذا مخالف للقانون

المبحث الثالث

حماية المستهلك من الشروط التعسفية وعيوب الارادة في الفقه الاسلامي والقانون

     قد يُفرَض على المستهلك أحيانا بعض الشروط التي يرغم على قبولها لإبرام العقد، أو قد تشوب إرادة المستهلك بعض عيوب الارادة عند ابرامه للعقد، ولحماية المستهلك من تلك الشروط التعسفية أو عيوب الارادة(عيوب الرضا) فقد وضع الفقه الاسلامي والقانون وسائل معينة تحمي الطرف الضعيف الذي يرغم على التعاقد بشروط تعسفية، ويتناول المبحث الحالي الوسائل التي وضعها الفقه الاسلامي لحماية المستهلك من الشروط التعسفية وعيوب الارادة، ومقارنتها بتلك التي منحها القانون، وعليه سيتضمن ثلاثة مطالب رئيسة:

المطلب الأول

حماية المستهلك من الشروط التعسفية وعيوب الارادة في الفقه الاسلامي

     إنّ الشروط التعسفية وعيوب الارادة(الرضا) من المسائل المهمة التي تناولها الفقه الاسلامي المعاصر وان كان وجودها مشتت بين الدراسات والبحوث الفقهية، إذ تطرق اليها من عدة جوانب ونظريات، كنظرية التعسف في استعمال الحق ونظرية الغلط ونظرية الاكراه ونظرية الغبن الفاحش وغيرها من النظريات التي دخلت تحت مسمى التعسف وعيوب الارادة. وتُعدُّ هذه النظريات التي تناولها الفقهاء المعاصرين من الوسائل الوقائية والجزائية التي تساهم في حماية المشتري (المستهلك) او البائع المهني وفق المبدأ العام للشريعة المقدسة وهو تحقيق العدالة بين طرفي العقد، وعليه سنقسم المطلب على فرعين رئيسين :

الفرع الأول:حماية المستهلك من الشروط التعسفية

الفرع الثاني:حماية المستهلك من عيوب الارادة.

الفرع الأول

حماية المستهلك من الشروط التعسفية

     ان حماية المستهلك من الشروط التعسفية جاءت وفق ما تمليه هذه الشروط في عقود الاذعان باعتبارها عقود اكراه تجبر المتعاقد على قبول العقد.

      وان طبيعة الحياة المعاصرة جعلت الشركات التجارية طرفاً في أكثر تعاقدات الناس، إذ تقوم الشركات بإعداد العقد بصورة منفردة وتعرضه على الطرف الآخر الذي ليس له الا الموافقة عليه، وتسمى هذه العقود بالنمطية([346]).

ويمكن ذكر مفهوم وفوائد عقد الاذعان، قبل الدخول في الحلول والوسائل وفق ما جاء في الفقه الاسلامي:

1- مفهوم وفوائد عقد الاذعان وحكمها

أ. مفهوم عقد الاذعان

   هو علاقة تعاقدية يعدها أحد طرفي العقد بصورة منفردة ويعرضها على الطرف الاخر الذي ليس له الا الموافقة عليها كما هو، أو رفضه دون ان يكون له ان يغير في العبارات الواردة فيه أو الشروط والأحكام التي يتضمنها، وليس له أن يدخل في مساومة أو مجاذبة حقيقية على شروط المعدِ لهذا العقد([347]) .

فقد عُرِفَ عقد الإذعان بأنَّه: العقد الذي يملي فيه أحد طرفيه شروطه، ويقبلها الطرف الآخر دون أن يكون له حق مناقشتها أو تعديلها([348]) .

ب.فوائد عقود الاذعان

ويمكن ايجاز هذه الفوائد بالآتي:

“الفائدة الأولى: اختصار الوقت وتقليل الاجراءات الادارية فالصيغة جاهزة حصلت الموافقة عليها من قبل الشركة.

الفائدة الثانية: يؤدي التنميط في العقود الى جعل العلاقة بين الشركة والمؤسسة وعملائها ذات صيغة موحدة، فيكون التعامل جماعي بدلاً من العلاقات المختلفة.

الفائدة الثالثة:تسهيل عمل المحاكم في فض المنازعات لان الشروط واضحة الصياغة والعبارة([349]) “.

جـ.حكم عقود الاذعان في الفقه الاسلامي

   أما حكم عقود الاذعان في الشريعة الاسلامية فقد أجمع الفقهاء على صحة هذه العقود باعتبارها عقود حقيقية، اذ ان أغلب القوانين الوضعية والاسلامية الا ما شذ(* ) ،اثبتت ان عقود الاذعان

 هي عقود حقيقية وليست صيغة قانونية أخذت شركات الاحتكار الناس باتباعها([350]) .

     هذا من جانب صحة العقد وصيغته وآليته، أما من جانب وجود شروط تعسفية في هذا العقد، وكيف تعامل الفقه الاسلامي مع مفهوم وأصول التعسف، وما الطريقة والوسائل التي اتخذها لحماية المشتري (المستهلك) من تعسف وظلم قد اصابه من هذه الشركات المحتكرة، فسنناقشها في الفقرات الاتية:

2- مفهوم التعسف وأصوله

أ.مفهوم التعسف

     لم يرد تعريف لمصطلح التعسف في الفقه الاسلامي؛ لأنَّ المصطلح أصله من القانون الوضعي، لكنه ورد بلفظ آخر وقريب لمعناه لدى بعض الفقهاء وهو المضارة ([351]) .

ويعرّف التعسف بانه” هو تصرُّف الإنسان في حقِّه تصرُّفًا غيرَ مُعتاد شرعًا. ([352])”

وعرفه آخر “مناقضة قصد الشارع في تصرف مأذون فيه شرعاً بحسب الأصل”([353])

ب.أصول التعسف

ان أصول وأنواع التعسف يمكن اختزالها في أربعة أصول هي:([354])

الأصل الأول:

     ما إذا استعمل حقَّهُ لا يقصد من ذلك إلاّ الإضرار بغيره، وليست له مصلحة فيه، وذلك كمن يدعي على آخر جريمة أو عملاً غير لائق، لا يقصد بذلك إلا الإضرار به، هذه الدعوى لا تسمع، ويعزر المدعي إذا ثبت ذلك بالقرائن.

الأصل الثاني:

     أنْ يستعمل الإنسان حقًّا يقصد به تحقيق مصلحة له فتترتب عليه مفاسد وأضرار لاحقة بغيره، وهي أعظم من هذه المصلحة أو مساوية لها، وذلك كاحتكار ما يحتاج إليه الناس في أوقات الغلاء أو القحط، يقصد به البيع بثمن مرتفع، فإن المحتكر يريد من ذلك مصلحة الربح الكبير، لكن يترتب على هذا ضرر عظيم يلحق الجماعة.

الأصل الثالث:

     أنْ يستعمل حقه المشروع عقداً أو غيره يقصد به تحقيق غرض غير مشروع مغاير للغرض الذي وضعه له الشارع. وهذا كالبيع الذي يقصد به الربا، ومن هنا نهى النبي e عن بيع وسلف؛ لأنه يؤدي إلى الربا.

هذه الأنواع الثلاثة مبنيَّة على قاعدة سدِّ الذَّرائع عند فقهاء جمهور المسلمين(*).

الأصل الرابع:

     أنْ يستعمل الإنسان حقه لكن دون احتراس وتثبت فيما يمكن فيه الاحتراس، فيفضي هذا إلى الإضرار بغيره.

   وذلك كما إذا أراد أن يصيد طيراً فطاش سهمه وأصاب إنساناً أو حيواناً بضرر، فإنَّ الصيد حق مباح، ولكنه لم يحترس في استعماله له، ولم يتثبت فأدى إلى ضرر غيره، وهو المعروف بالخطأ في الفعل، وكما إذا ضرب دابة غيره يظن أنها دابته فأعطبها، أو قطف ثمر غيره يظن أنها ثمره، وهو المعروف بالخطأ في القصد، وهذا تعسف في استعمال الحق لانطباق تعريفه عليه.

وحكمه ضمان هذا الضرر إنسانًا أو حيوانًا؛ لأنَّ القرآن يدلُّ على تضمين المخطئ كما في قوله تعالى: )وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ(([355]) .

   كما إنَّ قواعد الفقه الإسلامي الحقة مثل قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) وقاعدة (درء المفاسد أولى من جلب المنافع) لا تجيز للشخص أن يتعسف في استعمال حقه في اضرار الغير([356]).

3- أدلة شرعية في التعسف

     بينت المصادر التشريعية على ضرورة اقامة العدل والمساواة بين أفراد المجتمع والنهي عن كلّ ضرر أو تعسف قد يصيب الانسان، ويحتاج هذا البيان الى أدلة شرعية من ( الكتاب والسنة) لإتمام بيان الاحكام المترتبة على التعسف:

أ.معنى التعسف في الاستعمال القرآني:

وردت آيات وأحاديث كثيرة في معنى التعسف نذكر منها:

قال الله تعالى )لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ(([357]) .

ودلالة هذه الآية على حثّ وأمر الناس على اقامة العدل والقسط فيما بينهم، فتدل التزاما على ترك الظلم،وقوله تعالى: )وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا(([358]) .

   الظاهر من هذه الآية الكريمة:أن الإمساك حق للزوج، وقد ندب الله تعالى إلى استعماله على نحو مشروع وهو الإمساك مع المعاشرة الحسنة، ونهى عن استعماله على نحو غير مشروع، وهو استعماله على وجه المضارة، وهذا بعينه هو إساءة استعمال الحق؛ لأنَّهُ اسْتِعمالُ حقِّ الإمساك: على وجْهٍ غَيْرِ مَشروع.

ب. في السنة النبوية الشريفة:

      أمّا الادلة في السنة النبوية فقد ورد عن الرسول محمد e قال: “لا ضرر ولا ضرار”([359]) .

     تعدُّ هذه القاعدة من الادلة الرئيسية في السنة النبوية الشريفة التي تقوم عليها نظرية التعسف في استعمال الحق في التشريع الاسلامي، وفيها نهيٌ واضحٌ عن الحاق الضرر بالآخرين.

   وقد ذكر أحد الفقهاء([360]):أنّ قاعدة لا ضرر وردت في محيط التشريع فهي تخبر عن نفي أي حكم ضرري مجعول، وبالتالي عن عدم توجّه أي ضرر الى المسلمين من جانب التشريع، فعلى ذلك لو كان رفع الحكم كافياً في نفي الضرر عن المسلم فهو، وإلاّ فلو توقف على اثبات الحكم آخر، يثبت قطعاً، مثلاً لو غصب شخص مال غيره وتملّكه، فالقاعدة لا تمضيه لكنّه لا يكفي في رفع الضرر إلاّ اذا حكم عليه بالضمان عند التلف، فلو تلف المال في يده أو أتلفه، تجعل القاعدة ذمته مشغوله بالمثل أو القيمة وإلاّ لزم الضرر، وان شئت قلت:انّ قاعدة الضرر قد ترفع الحكم عن الموضوع الضرري ان كان ذلك الحكم هو الموجب للضرر، وقد تثبت حكماً آخر له ان كان عدم الاثبات موجباً له كما في اتلاف مال الغير فانّ عدم جعل الضمان حكماً لهذا الموضوع يستلزم الضرر([361]) .

   وقال آخر في تفسير هذه القاعدة: أنّ الضرر كما يندفع بالخيار بين الفسخ والامضاء يندفع بتخيير الغابن المغبون مثلاً بين امضاء العقد بكل الثمن ورد الغابن بالمقدار الزائد، غاية الأمر يثبت الخيار للغابن لتبعّض المال عليه، وأيضاً يرتفع بتسلط المغبون على الزام الغابن بأحد الأمرين من الفسخ في الكل ومن تدارك ما فات على المغبون، ومعناه ان للمغبون الفسخ اذا لم يبذل الغابن التفاوت، والفرق بين الوجهين: أن في الأول الزام الغابن بخصوص رد الزائد بخلاف الثاني فان له الزامه بأحد الأمرين المترتبين وبذل الزائد، فان لم يبذل يفسخ([362]) .

   والظاهر من هذا الكلام ان قاعدة لا ضرر تستعمل عند حدوث خلل أو تزلزل في العقد سواء أكان في البيع أو في غيره، وذلك لغرض رفع الضرر عن المتعاقدين أو عن أحدهما، من خلال الخيار بين الفسخ والامضاء، وهذا يمكن حدوثه في عقود التجارة الالكترونية، فأي غبنٍ أو غشٍ أو تضليلٍ يستعمله البائع المهني مع المشتري (المستهلك) ،فالأخير له الحق بالفسخ او الامضاء مع الضمان ان وجد الضرر.

  1.  أحكام ووسائل حماية المستهلك من الشروط التعسفية في الفقه الاسلامي

  وحكم التعسف إما التعويض إذا أدى إلى إتلاف مال أو نفس كمن حفر في ملكه بجوار حائط جاره فانهدمت، وإما الإبطال إذا كان في التعاقد كوصية الضرار وبيع العينة، وإما رفع الضرر، كبناء المالك ملاصقًا لجاره فسدَّ عليه نوافذ الضوء والهواء، وكجباية ضرائب ظالمة ومنع المحتكر، وإما التعزير، كما في دعاوى التشهير، وإما المنع من ممارسة الحق المتعسف في استعماله، كما في منع الزوج من السفر بزوجته إذا قصد به إيذاءها، والحجر على المدين، والمفتي المحتال على المحرمات، والطبيب الجاهل([363]) .

   بِهذا يتبيَّن أنَّ التَّعسُّفَ في حكم الفِقْهِ هو من الفعل الضارِّ أو الامتناع الضَّارِّ أو العقد المحرم([364]) ،وهذا ينطبق على معاملات التجارة الالكترونية إذ كل ضرر يصيب المستهلك فهو محرم في الفقه الاسلامي،أما العقود أجمالا وكما وضحنا، فان الأصل في الشريعة الإسلامية إباحة( *) جنس العقد مطلقًا، إلَّا عقدًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا، وهذا هو رأي جمهور الفقهاء([365]) .

    يرى الفقه الاسلامي أنَّ الحلول والوسائل الكفيلة لحماية المستهلك من الشروط التعسفية لا تكون بإنكار عقود الاذعان التي تحتوي على شروط تعسفية؛ لأنَّ عقوده حقيقية، والتدخل فيها بصورة غير صحيحة يخلق اضطراباً في معاملات السوق، وتفقد هذه العقود استقرارها، مما يكبد الاسواق المالية خسارة فادحة.

   بل ان الحلول والوسائل تكمن بتقوية الجانب الضعيف حتى لا يستغله الجانب القوي كما في المشتري (المستهلك) الضعيف الفاقد للخبرة الادارية والمهنية والقانونية أمام البائع (المهني والمحترف) ، ويرى أحد الفقهاء الاسلاميون ([366]) ، ان علاج الأمر يكون بإحدى وسيلتين أو بهما معاً:

الوسيلة الأولى:

وسيلة اقتصادية، فيجتمع المستهلكون ويتعاونون على مقاومة التعسف من جانب المحتكر.

الوسيلة الثانية:

   وسيلة تشريعية فيتدخل المشرع-لا القاضي-لينظم عقود الاذعان ويضع لها حدوداً يحمي بها الجانب الضعيف، وهذه الحماية تفضل على حماية القضاء، إذ يختلف القضاة في التفسير وتتباين اجتهاداتهم فلا تستقر المعاملات، وحينئذِ فالمشرع ينظم عقد الاذعان تنظيماً تشريعياً كتنظيم عقد العمل وعقد النقل وعقد التأمين وعقد الاستهلاك ([367]) .

الفرع الثاني

حماية المستهلك من عيوب الارادة

       إنَّ أيَّ تصرف يظهر إلى الوجود لابدَّ أن يكونَ مدفوعاً بإرادة باطنة عبرت عنها الارادة الظاهرة.

     إنّ عيوبَ الارادة أو الرضا يمكن مناقشتها من خلال بعض النظريات التي طرحها فقهاء ومفكري الشريعة، وفق مناهج ورؤى جديدة، لكن ربط هذه النظرية بحماية المستهلك تحتاج الى دراية وقراءة جديدة في هذا الموضوع، وما على الباحث الا المحاولة لأثبات هذه الفرضية.

   وهناك ثلاثة مناهج حاولت عرض نظرية عيوب الارادة نذكرها بإيجاز، مع الاعتماد على المنهج الذي وضعه محمد بحر العلوم في عرضه لهذه العيوب سوف نمرُّ عليه بشيءً من التفصيل:

المنهج الأول:هو منهج الدكتور عبد الرزاق السنهوري

     حدد السنهوري عيوب الارادة “بالاكراه، والتدليس، والغلط”، “وعقد للاكراه باباً قائماً بذاته يتميز به عن سائر الموضوعات، أمّا التدليس فهو معروف في التشريع الاسلامي، له قوام ويعتد به بعد الاكراه لدى الفقهاء، وأما الغلط فهو أقل عيوب الارادة بروزاً، اذ هو أكثر العيوب نزعة ذاتية-العامل الداخلي المباشر-“([368]) .

المنهج الثاني: منهج مصطفى الزرقاء

     وضع الزرقاء منهجاً جديداً لعيوب الارادة أو الرضا متمثلاً “بالاكراه، والخلابة، والغلط، واختلال التنفيذ”، وصنف هذه العيوب الى صنفين ([369]) :

1.العيوب المرافقة لتكوين العقد وهي “الاكراه، والخلابة، والغلط”، وبحث الخلابة في الخيانة، والنجش، وتدليس العيب، والغبن”.

2.ما ينشأ بسبب طارئ بعد تكوين العقد لكنه ذو تأثير في الرضا السابق وهو”اختلال التنفيذ”.

المنهج الثالث: منهج محمد بحر العلوم

      وضع محمد بحر العلوم منهجاً سليماً لتحديد عيوب الارادة  ، إذ حددهما بعيبين أثنين هما([370]):

العيب الاول:

   اما ان تكون الارادة غير حرة وهو أن يلابسها عامل خارجي، فيضطرها لأن تأتي تصرفاً تأباه كالإكراه، أو أن يحول بينهما وبين التصرف تتوخاه، كما في بعض الحالات نقص الاهلية كالافلاس، والسفه، ومرض الموت.

العيب الثاني:

  أو أن تكون الارادة غير منورة بأن تصدر من صاحبها على غير هدى وبيِّنه وعدم اطلاع كما في حالة الخلابة والتي تظهر بوضوح في التدليس والتغرير، أو انها تنشأ عن مغايرة الحقيقة بين متطلب الارادة والمعقود عليه، فيقع في غلط جوهري نتيجة تخلف الوصف المرغوب فيه.

   ونفهم من ذلك ان عيوب الارادة، اما أن تنشأ من عدم الحرية، أي حرية المتعاقد، أو عدم المعرفة والتنوير من طرفي العقد، أو من أحدهما، ويمكن توضيح مفهوم وأقسام الارادة، مع توضيح هذين العيبين-عيوب الارادة- بصورة موجزة فضلاً عن ذلك سنبين معرفة الحلول والمعالجات التي قدمها المشرع الاسلامي لحماية المستهلك من عيوب الارادة:

1- مفهوم وأقسام الارادة

أ.مفهوم الارادة:

      يعدَّ مفهوم الارادة على انه تحرك عملي لتحقيق وانجاز ما انعقد العزم عليه، من شوق مسبوق بعلم وادراك، فان كل فعل يصدر من أي انسان لا يخلو اما أن يكون قد صدر منه عن ارادة أو لا، فالأول اما أن يصدر عن ارادة سليمة أو لا، والثاني لا تترتب عليه أثار قانونية أو شرعية، لانعدام الاهلية ([371]) .

تعرف الارادة بأنها “صفة مخصصة لأحد طرفي المقدور بالوقوع” ([372]) ، وتعرف الارادة بانها”اعتقاد النفع في الفعل أو تركه” ([373]) .

وعرَّفها آخر بأنها”صفة من شأنها ترجيح أحد الجائزين على الآخر”([374]) .

     وذكر بن قيم الجوزية تعريفاً عنها”لابد من اعتبار النيات والمقاصد (الارادة الباطنة) في الالفاظ، وانها لا تلزم بها أحكامها حتى يكون المتكلم قاصداً مريداً لموجباتها، كما أنه لابد أن يكون قاصداً للتكلم باللفظ (الارادة الظاهرة) مريداً لها، فلابد من ارادتين:ارادة المتكلم باللفظ اختياراً، وارادة موجبة ومقتضاه، بل ارادة المعنى أكد من ارادة اللفظ فنه المقصود واللفظ وسيلة”([375]) .

     وتعريف بن قيم هو الراجح عندنا للأسباب الآتية:

السبب الأول:في التعاريف السابقة لم نجد ذكر للارادة الظاهرة، والاكتفاء بالارادة الباطنة، في حين ان الارادة الظاهرة هي كاشفة وموضحة للارادة الباطنة.

السبب الثاني:غطت الصبغة الفلسفية على بعض التعاريف، لكونها تشمل مرحلتي”الباطنة والظاهرة-النفسية والعملية-“، لاعتمادهم على التعريف اللغوي وهو المشيئة.

السبب الثالث:جاء تعريف بن قيم الجوزية بالارادة “بمعناها الفقهي وقسميها الظاهرة والباطنة، وذلك باعتبار النية روح العمل، يصح بصحتها ويفسد بفسادها”([376]) .

     أما تعريف عيوب الارادة في الفقه الاسلامي، فانه لم يرد هذا المصطلح في المصادر الفقهية الاسلامية القديمة، انما تطرق الفقهاء المحدثون عن الاسباب التي تؤدي إلى انتقاص الارادة وأسماها بعضهم “بعيوب الارادة “، والبعض الاخر”شوائب أو عيوب الرضا، أو عيوب العقد”([377]) .

ب.أقسام الارادة:

قسم الفقهاء الارادة الى قسمين أساسين هما ([378]) :

القسم الأول:الارادة الباطنة

   ومناطها العزم النفسي، ومحلها القلب، فلا يمكن ان يترتب عليها آثار شرعية أو قانونية، اذ لا منفعة بعزم المشتري من الشراء، مالم يظهر هذا العزم ويترجم على الواقع الخارجي.

القسم الثاني:الارادة الظاهرة

      وهي ما يصدر عن شخص-قولاً أو فعلاً-اظهاراً لقصده ونيته، ودليلاً على رغبته ورضاه بترتب الاثار الشرعية أو القانونية عليه.

     فهي تعبير عن الارادة الحقيقية بكلام أو بفعل صادر من المتعاقد المختار([379])

2- عيوب الارادة

         نتداول في هذه الفقرة فكرة عيوب الارادة في الفقه الاسلامي بشكل أولي، إذ يمكن ان تكون الاساس في هذه النظرية، كبحوث الاكراه وبعض الخيارت كخيار الغبن، والتدليس، والغرر، والغلط، أو أي تصرف قائم على الافعال المرفوضة في الشريعة الاسلامية، كالخيانة والخداع والضرر وغيرها من العيوب، تناولتها مع اعطاء الحكم المناسب لها، لضمان حماية الفرد من الاستغلال وتسلط أصحاب النفوذ بما لا حق فيه، فضلاً عن ذلك محاولة لتفادي الضرر الواقع على أي طرف من أطراف العقد، أو دفعه عنه ذلك الضرر الذي يلحقه من جراء تصرفه وهو على غير هدى وبينه

من أمره(*).

     وعليه سنذكر عيوب الارادة وفق ما انتهجه بحر العلوم بايجاز([380]) :

العيب الأول:

      أن تكون الارادة غير حرة: وتتجه الارادة الى اجراء تصرف بدافع ضغط غير مشروع يكره صاحبها على اصدارها تجنباً للأذى المهدد به، فتكون ارادته غير حرة لأنها مشوبة بالاكراه.

     أو تتجه الارادة الى اجراء تصرف برغبة منها لتحقيقه لكن مصلحة صاحب الارادة أو من يخلفه تتدخل لإيقاف انجاز مبتغاها، فتكون الارادة غير حرة أيضا لأنها ناقصة الاهلية.

العيب الثاني:

    أن تكون الارادة غير منورة بأن تصدر من صاحبها اما على غير هدى وبينة وعدم اطلاع بكل ظروف التصرف الذي أجراه نتيجة تغرير وتدليس وقع فيه، واما أن ينشأ عن مغايرة الحقيقة بين متطلب الارادة والمعقود عليه في غلط جوهري.

    وعلى هذا فالعيب الذي يتعلق بالارادة اما أن ينشأ من عدم الحرية، كما اذا أكره على ابرام تصرف أو اذا طرأ على أهلية الشخص عارض الافلاس أو السفه أو مرض الموت فيحد من اعتبار ارادته، أو ينشأ من عدم التنور كما اذا خلب الشخص فدلَس عليه أو وقع في غلط، فالارادة في هذه

الحالات قد اتجهت الى اجراء تصرف غير طبيعي([381]) .

        إن بحر العلوم لم يخرج على العرف السائد في تحديد عيوب الارادة، وانما وضع منهجاً أكثر دقةً وموضوعيةً من المناهج السابقة، إذ حدّدها في مرحلة عدم الحرية”بالاكراه ونقص الاهلية”،

وحددها في مرحلة عدم التنور”بالتغرير والتدليس، والغلط”([382]).

وعليه يمكن تعريف كلَّ عيب من هذه العيوب:

أ.الاكراه

     عرفته مجلة الأحكام العدلية في المادة 948 بأنه ” إجبار أحد على أن يعمل عملاً بغير حق دون رضاه بالإخافة” ([383]) .

ب. ناقص الاهلية :هو كل عامل خارجي معنوي طرأ على صاحب الاهلية، كمرض الموت، أو السفه، أو الافلاس، أو عدم بلوغ سن الرشد([384]).

ج.التغرير والتدليس

        يعرف مصطفى الزرقا التغرير بأنه ” الإغراء بوسيلة قولية أو فعلية كاذبة، لترغيب أحد المتعاقدين في العقد، وحمله عليه”([385]) .

       ويعرف التدليس “بمعنى دلس العيب كتمه عن المشتري مع علمه به أو غطاه عنه بما يوهم المشتري عدمه ،فهو مشتق من الدلسة وهي الظلمة فكأن البائع يستر العيب وكتمانه جعله في ظلمة فخفي عن المشتري فلم يره ولم يعلم به”([386]) .

        ولكون التغرير والتدليس مفهوماً واحداً عند الفقهاء([387]) ، فقد عرَّفوه تعريفاً جامعاً لهما، وهو استعمال العاقد-أو من اتصل علمه بحصول-وسيلة احتيالية خادعة لحمل الطرف الأخر على شيء يعتقد أنه متوفر في المعقود عليه، والحقيقة خلاف ذلك([388]) .

د.الغلط:

     وعُرِف الغلط بأنه “الشعور بالشيء على خلاف ما هو”([389]) .

مثل الاشتباه، والنسيان، والجهل، والخطأ.

3- وسائل حماية المستهلك من عيوب الارادة

        سوف نناقش وسائل حماية المستهلك في “عقود البيع” من القواعد العامة في الفقه الاسلامي وربطها بحماية المستهلك في التجارة الالكترونية، لما لها من مدخلية وأساس يبنى عليها لتخريج الحلول ذات الصلة بموضوعنا وهو (حماية المستهلك في التجارة الالكترونية) .

     كما اننا سوف نقتصر على عيوب “التغرير والتدليس، والغلط”لما لها من صلة مباشرة في موضوعنا، أما عيوب “نقص الاهلية، والاكراه”فاكتفينا بتعريفهما مع بيان حكمهما الشرعي، وكالآتي:

أ.وسائل حماية المستهلك الالكتروني من عيب التغرير والتدليس

        بيَّنا عناصر التدليس في القانون الوضعي (القولي والفعلي) وقلنا انهما يستعملان طرق احتيالية قولية كالكذب والكتمان، أو فعلية باستعمال الطرق الاحتيالية للتأثير على المتعاقد الآخر، وهو ما موجود وبوضوح وله الاسبقية في الفقه الاسلامي([390]) .

        إنَّ الفقه الاسلامي قد بنى التدليس المؤثر على العقد وفق عنصرين “الموضوعي، والنفسي” مثلما جاء في القانون الوضعي المعاصر، والتدليس يقوم على أفعال أو أقوال تستهدف خداع وتظليل المتعاقد وترغيبه الى التعاقد([391]) .

     اما الحلول التي قام بها الفقه الاسلامي لحماية المستهلك في التجارة الالكترونية أو في غيرها،

تتقرر بالآتي([392]) :

الأول:في التدليس الفعلي في قسميه، وفيما يتعلق باستعمال الحيل في نفس المعقود عليه، كواقعة”الشاة المصراة”أو ما يكون التدليس خارجاً عن المعقود عليه كواقعة”التناجش”.

 “وهذا ينطبق على التضليل الاعلاني عبر الانترنت، عندما يقوم المهني بتوصيف السلعة أو الخدمة بطريقة مغررة لتضليل المستهلك الالكتروني(*)” .

      فقد ذهب جمهور الفقهاء بمعالجة هذا الامر، الى منح المتضرر من المتعاقدين حق الخيار بين الفسخ والامضاء([393]).

الثاني:وفي التدليس القولي، فكذلك في القسمين سواء الكذب في الثمن الاصلي أو في سعر السوق، ذهب جمهور الفقهاء بمعالجة هذا الامر، الى منح المتضرر من المتعاقدين حق الخيار بين الفسخ والامضاء.

        ونرى ذلك جلياً في عقود التجارة الالكترونية عندما يتم الاتفاق وفق محادثة chat”” بين المستهلك الالكتروني والمهني، حيث يقوم المهني باعطاء معلومات خاطئة ومضللة عن السلعة أو الخدمة من قبيل الجودة والصنع والنوع وغيرها مما يؤدي بوقع الضرر والغرر على المستهلك.

الثالث:التدليس بمحض الكتمان، كواقعة “تدليس العيب”، فقد ذهب الفقهاء الى أن اخفاء العيب يثبت للمشتري خيار التدليس.

   وهذا يحدث كثيراً في التجارة الالكترونية عندما يقوم المهني البائع بإخفاء وكتمان العيوب الخفية في السلعة أو الخدمة على المستهلك لخداعه وغشه وتمرير البضاعة عليه.

     نستنتج من هذه المعالجة :ان الفقه الاسلامي قد عالج مسألة التغرير والتدليس، وجعل للمستهلك حق الخيار، فان شاء رد وان شاء أمسك.

ب.وسائل حماية المستهلك الالكتروني من عيب الغلط

         إنَّ الانظمة القائمة في تنظيم المعاملات لها مسلك قانوني أو شرعي في معالجة المشكلات الواقعة بين الشخصية الحقيقية”الأفراد”أو بين الشخصية الاعتبارية”،”الشركات”، الانجلوأمريكي يعتمد السابقة القانونية، والنظام اللاتيني يعتمد التنظير، أما النظام الاسلامي فإنه يعتمد أحكام الوقائع المحددة.

       إن نظرية الغلط في التشريع الاسلامي قد وقع فيها خلاف واضح بين الفقهاء، ومرد هذا الخلاف هو ان خيار الفسخ هل يثبت للعاقد في حالة حدوث الغلط أم يثبت لشيء أخر قد شرط عليه، ولمعرفة حكم ومعالجة هذا العيب”الغلط”لابد من عرض أنواع الغلط حتى يتسنى لنا الدخول في كل فقرة من فقراته([394]):

النوع الأول: الغلط في وصف المعقود عليه

        وقد يقع الغلط في الشيء سواء كان متحد الجنس أم لا، وكان التفاوت بالمنفعة دون تفاحش فان الامر يقتصر في هذه الحالة على فوات الوصف المرغوب فيه فينعقد البيع صحيحاً نافذاً ولكنَّه يكون غير لازم، اذ يثبت خيار الوصف كما لو طلب المشتري ساعة صفراء فظهر أنها سوداء، ففي هذه الحالة قد تخلف الوصف المرغوب فيه عند المشتري (المستهلك) .

        ورأي الفقهاء في هذه الحالة يكاد يكون متفق عليه، وذلك لأن فوات الوصف المرغوب فيه عند المشتري يمنح له حق الخيار فان شاء فسخ العقد أو أنفذه، وهو حكم خيار الوصف ([395]) .

النوع الثاني: الغلط في القيمة

   وهذا النوع من الغلط يؤدي عادة الى الغبن، والغبن هنا يكون مصحوباً بجهل قيمة الشيء، إذ لو

تبين العاقد هذه القيمة على حقيقتها لما أقدم على التعاقد ولما رضي بهذا الغبن ([396]) ، ويمكن معرفة علاقة الغلط بالغبن من ناحيتين”نفسية ومادية”، فالنفسية:جهل المتعاقد بقيمة الشيء إذ لو تبين هذه القيمة على حقيقتها لما اقدم على التعاقد.

والمادية أو الموضوعية:وهي وجود فرق بين قيمة الشيء وبين الثمن الذي دفعه المتعاقد، وهو على بينة من هذا الفرق.

فالناحية النفسية:تعتبر غبن مصحوب بالغلط الذي يعيب الارادة.

والناحية المادية:فهي عيب بالعقد، لا في الارادة، فاللمغبون الرد اذا كان فاحشاً، في حالة المغبون جاهلاً بالقيم ([397]) .

النوع الثالث:الغلط في ذات المعقود عليه

   ويتحقق أما باختلاف جنس المقصود عليه عن المسمى في العقد، بأن يقصد المشتري جنساً معيناً فاذا به يظهر غير ما اراد، مثلاً:أن يشتري فصاً على انه الماس، فاذا هو زجاج.

   أو بان يتَّحد جنس المعقود عليه مع المسمى في العقد، لكن يظهر بين ما اراد العاقد وبين حقيقة المعقود عليه تفاوت فاحش في المنفعة، مثاله:كمن يشتري حاسبة يابانية الصنع فيظهر انها صينية الصنع، فالغلط هنا وقع على محل العقد.

     وضع الفقه الاسلامي الوسائل المناسبة لهذه الانواع لحماية المشتري من الضرر، إذ للمسألة ثلاثة اراء:

الرأي الاول:

بطلان العقد :وتعليلهم ان البيع وقع على معدوم ([398]) ، وهو رأي الحنابلة والمالكية.

الرأي الثاني:

فساد العقد:وتعليلهم؛ لانه باع المسمى وأشار إلى غيره فصار كأن باع شيئاً بشرط ان يسلم غيره ([399]) ، وهو رأي الحنفية.

الرأي الثالث:

صحة العقد:مع ثبوت الخيار، لتخلف الوصف الخاص، وهو رأي الامامية ([400]) .

والظاهر من عبارات الفقهاء ان الخيار يقع لا لعيب الغلط وانما لخلاف الشرط المضمون في شروط العقد.

 ويذهب الباحث في هذه الانواع الى ما ذهب اليه فقهاء الامامية، من صحة العقد مع ثبوت خيار تخلف الوصف الخاص، ويعود هذا الترجيح الى ثلاثة أمور:

الاول:ان عيب الغلط في الاعم الاغلب يقع في حالة النسيان أو الجهل.

الثاني: يمكن للمشتري (المستهلك) الرجوع عن العقد من خلال خيار تخلف الوصف.

الثالث: كما ان نظرية الغلط في القانون الوضعي تقابل نظرية الخيارات في الفقه الاسلامي (خيار الوصف، وخيار الرؤية، وخيار العيب) ، وهذا دليل على الاختيار لا الفساد والبطلان كما ذهب اليه بعض الفقهاء.

   والظاهر: ان هذه الانواع من الغلط مطابقة في تطبيقات التعامل عبر التجارة الالكترونية، إذ يجري معها ما يجري في التجارة والعقود التقليدية، من تخلف الوصف أو خيار الرؤية أو خيار العيب، فجميع هذه المعالجات تعمل في حماية المستهلك عبر الشبكات الاتصال الالكترونية ويثبت له حق الخيار في خيار الوصف، وخيار الرؤية، وخيار العيب:لأن المشتري (المستهلك) يجد الشيء على غير وصف الذي ذكر في اعلان السلعة على موقع أو بريد البائع (المهني) إذ يفوت على المستهلك القصد الذي دفعه الى التعاقد مع المحترف، وعليه لا يكون ركن الرضا متوفراً فيمن يقع في الغلط([401]).

جـ. وسائل حماية المستهلك الالكتروني من عيب الاكراه

     أختلف الفقهاء على تأثير الاكراه في عقود البيع والشراء الى فريقين:

الفريق الأول:

     يذهب الى أن العقد يكون موقوفاً على رضا المكره (بالفتح) بعد زوال الاكراه عنه فله حق الخيار بين فسخه أو اثباته ([402]) .

الفريق الثاني:

ذهب الى ان العقود القائمة على الاكراه باطلة ([403]) .

        ويرى مصطفى الزرقاء :إن الاكراه على اجراء عقد (عقد تقليدي أو الكتروني (*) ) ، لا يمنع انعقاد ذلك العقد، لأن الضرر فيه انما هو ضرر خاص مقصور على العقد، فيكفي لحماية العاقد المستكره منحه الخيار أي حق ابطال عقده، ، فانه يرى بعد زوال الاكراه أن ما استكره عليه لا يتنافى مع مصلحته، بل ربما يكون في الواقع راغباً ضمناً في اجراء ذلك العقد ([404]) .

     وان الفقه الاسلامي قد وضع حماية للمكره (ان كان مستهلك تقليدي أو الكتروني) يستطيع بواسطتها أن يستعيد حقه المهدر بالإكراه .

       الاَّ انَّ الاكراه أمر مستبعد حصوله في عقد التجارة الالكترونية، لان التعاقد في هذا النوع من العقود التي تتم بين طرفين يفصل بينهما مكان ومجلس عقد حكمي وليس حقيقي، فهو يبعد مسافات طويلة ويتم التعامل بين الطرفين عن بعد بوسائل الاتصال الالكترونية الحديثة؛ لذلك إنَّ هذا العيب ليس محل ابتلاء في الوقت الحالي.

      الاّ انَّ الاكراه النفسي يمكن حصوله ولو نسبياً في عقود التجارة الالكترونية، ويمكن معالجته بحق الخيار للمستهلك الالكتروني في فسخ العقد أو ابقاءه، وكما اسلفنا في حكم الاكراه، فلا تختلف العقود التقليدية والالكترونية من ناحية القواعد العامة، الا من ناحية الوسيلة المتبعة في آليات الاتصال الالكتروني عن بعد([405]).

د.وسائل حماية المستهلك الالكتروني من عيب نقص الاهلية

      تمَّ تعريفها سابقاً، اما أحكامها فقد ذهب جمهور الفقهاء على ان ناقص الاهلية”من سفه، أو مرض الموت (*) ، أوالمفلس، لا يصحَّ بيعه وشراءه، والجزاء المترتب على تصرفاتهم المالية تكون وفق معايير وأحكام خاصة:

فالسفيه:تكون تصرفاته المالية (البيع والشراء، مستهلكاً أو غيره) موقوفة على اجازة وليه فان أجاز صحت وان رد بطلت ([406]) .

      أماَّ مرض الموت فيرى السيد المرتضى(قدس)”ان من وهب شيئاً في مرضه الذي مات فيه اذا كان عاقلاً مميزاً تصح هبته، ولا يكون من ثلثه، بل يكون من صلب ماله” ([407]) .

      كما ان حكم المفلس يكون عند انتهاء أثر الحجر عن المفلس بعد تقسيم أمواله، ولا يكون للقاضي أو الحاكم الحجر عليه، لأن الوفاء حاصل وهم متمكنون من المطالبة في الحال، وهذا ما ذهب عليه الفقهاء([408]) .

وصعوبة تطبيق ذلك على عقود التجارة الالكترونية لعدم مقدرة ناقص الاهلية على ممارسة اعماله، لكون الطرف الثاني وهو المهني المحترف ذو خبرة ادارية ومالية وقانونية، فضلاً عن ذلك ان هناك بطاقة ائتمان مؤمنة برصيد مالي مع رقم سري يتم من خلاله الدخول الى حساب صاحب البطاقة، اما عدم البلوغ فان كان مميزاً فتصح معاملته وفق الشريعة الاسلامية، والتفصيل في هذا لا يخدم عنوان بحثنا([409]).

        فضلاً عن ذلك ذهب جمهور الفقهاء على اعتبار العقد الموقوف من الوسائل الشرعية الفاعلة لحماية المشتري (المستهلك) من عيوب الارادة، ويتضمن العقد الموقوف على اعطاء المتضرر من التعاقد الحق في توقف جريان التصرف في المعاملة لحين اجازته (المتضرر) ورضاه، فلا يحل مال امرىٍء مسلم إلاّ بطيب نفسه (*).

ان حماية حقوق المتضرر سواء أكان ذلك في الإكراه، أم التدليس، أم في بعض حالات عوارض نقص الأهلية؛ يؤدي لاستقرار التعامل العقدي وفق تطبيق الجزاء المترتب على هذه العيوب، ان كان هذا في التجارة التقليدية أو التجارة الالكترونية.

المطلب الثاني

حماية المستهلك من الشروط التعسفية وعيوب الارادة في القانون

        أحدثت التطورات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة في عصرنا الحالي زيادة كبيرة في الطلب على السلع والخدمات، وتزايدت العقود التي تتضمن شروطاً موحدة ومدونة سلفاً قبل التعاقد، إذ يرد في بعضها مجموعة من الشروط التحكمية التي تحمي أحد الأطراف، وتعطيه مجموعة من المميزات على حساب الطرف الآخر، مما يحدث خللا في التوازن العقدي.

    وتزداد هذه المشكلة في عقود التجارة الالكترونية، التي تتصف بعدم التوازن العقدي لصالح التاجر المحترف، وبما ان المستهلك هو الطرف الضعيف في أغلب العقود التي تتم عن بعد ان لم يكن فيها كلها، وأن العقد يتعلق بسلع أو خدمات لا غنى عنها للمستهلك؛ لذلك ولتحقيق العدالة او التوازن العقدي، فان المشرع قد عدَّ هذا النوع من العقود عقود إذعان ، وهي تسمى عقود إذعان ؛وذلك لأنَّ أحد المتعاقدين الذي هو حتما المستهلك، يذعن ويخضع للشروط التي يمليها عليه الطرف الآخر القوي اقتصاديًا([410]) .

     وقد اعتبر المشرع تلك العقود عقود إذعان وذلك كوسيلة لحماية المستهلك من تلك العقود والشروط التعسفية (التحكمية) ويكون له الحق في إبطالها([411]).

الفرع الأول

حماية المستهلك من الشروط التعسفية

     لاتمام فرع حماية المستهلك من الشروط التعسفية لابدَّ من التطرق إلى تعريف وعناصر التعسف مع ذكر وسائل حماية المستهلك من التعسف.

1- تعريف الشرط التعسفي

         يعرّف الشرط التعسفي بأنه: الشرط الذي ينفرد أحد طرفي العقد بفرضه تعسفا وتحكميا على الطرف الآخر بسبب عدم المساواة بينهما، مما ينتج عنه خلل بين في التوازن العقدي بين حقوق والتزامات الأطراف ([412]) . وفي الغالب فإن الشروط التعسفية ترد وتكثر في عقود الاستهلاك من خلال قيام المهني أو التاجر المحترف بفرض شروط تعسفية (تحكمية) تؤدي إلى الإضرار بالمستهلك بغرض الحصول على مزايا معينة.ومنح قانون الاستهلاك العراقي في المادة -6- رابعا المستهلك:”حرية اختيار السلعة أو الخدمة المعروضة مقابل ثمنها دون أي تدخل من المجهز”([413]).

2- عناصر الشرط التعسفي

يوجد عنصران هامان لاعتبار الشرط تعسفيا([414]):

أ. التعسف في استعمال القوة أو السلطة الاقتصادية للمهني

       تصف  المادة L132 – 1من قانون الاستهلاك الفرنسي الشروط التعسفية بأنها (الشروط التي تظهر أنها مفروضة على غير المهنيين أو المستهلكين عن طريق سوء استعمال القوة الاقتصادية للطرف الآخر في العقد وتمنح الأخير مزية مفرطة). هذا العنصر لا يمكن إثباته حالة بأخرى، وإنما يتم استخلاصه من الصفة الخاصة بأطراف العقد لذلك يوصف هذا بانه شخصي ([415]) . وهذه الشروط عادة ما تفرضها شركات عملاقة اقتصاديًا على مستهلك ضعيف، ولها قدرة هائلة في الدعاية والإعلان([416]) .

ب .الميزة المفرطة والمتجاوزة التي يحصل عليها المهني بمناسبة التعاقد

       وهو عنصر موضوعي يتعلق بتوفير مزايا مبالغ فيها للمهني كيفما كان نوع هذه المزايا، ويوضح بعض القانونيين ان معنى الميزة المفرطة التي يحصل عليها المهني لا تتعلق فقط بثمن السلعة بل إنها تعني الالتزامات الملقاة على عاتق المستهلك، أو عن طريق التخفيف من التزامات المهني([417]) .

  كما تفسر الميزة المفرطة بانعدام سبب العقد ولو جزئيا، وأنه يجب أن يؤخد في الاعتبار المنفعة التي حصل عليها المهني نتيجة للشرط الوارد بالعقد([418]) .

3- وسائل حماية المستهلك من الشروط التعسفية

      ظهرت عدة وسائل معاصرة لحماية المستهلك من الشّروط التعسّفية عبر استعمال طرقاً متنوعة للرقابة على شروط العقد، وهي([419]) :

 أ. الرقابة القانونية :

      وتتمثل بتعيين أو مقاومة الشروط التعسفية عن طريق مرسوم صادر من مجلس الدولة يتضمن قوائم محدّدة للشّروط التعسّفية ملحقة بالقوانين الحمائية من تلك الشّروط، ويلاحظ ذلك في قانون الاستهلاك الفرنسي لسنة 1978في المادة 35 التي نصت على ان تحديد الشروط التعسفية يكون بمرسوم يصدر من مجلس الدولة ويجب معاملة هذه الشروط باعتبارها تعسفية، بعد أخذ رأي لجنة الشروط التعسفية.

ب. الرقابة الإدارية

     تتمثل في الرقابة التي تمارسها لجنة الشّروط التعسّفية، التي تقوم بالإطلاع على نماذج العقود التي يعرضها المهنيون على المستهلكين أو غير المهنيين، وذلك من أجل إبداء رأيها حول طبيعة الشّروط المدرجة في هذه العقود، هل هي تعسّفية أم لا؟ كذلك فإنّ هناك نوع آخر من الرقابة الإدارية، حيث تباشر الحكومة رقابة إدارية على الشّرط التعسّفي وذلك من خلال إصدارها مراسيم بتحريم أو تحديد أو تنظيم الشّروط التعسّفية.

جـ . الرقابة القضائية

          وهي تتعلق باستبعاد الشروط التعسفية عن طريق اللوائح والقضاة، و تتمثل في رقابة القضاء الإداري من جهة، ورقابة القضاء المدني من جهة ثانية، إذ يتصل هذا الأخير بالدعوى بناءً على الدعوى التي يرفعها المستهلك، أو الدعوى التي ترفعها جمعيات المستهلكين، وهو عليه إبطال الشّروط التي تكون تعسّفية في حق المستهلكين أو غير المهنيين وذلك بعد التثبت من طابعها التعسّفي. فضلاً عن إبطال هذه الشّروط فإنه يجوز للقضاء الجنائي توقيع الجزاء الجنائي على المهني الذي أدرجها في العقد.

الفرع الثاني

حماية المستهلك من عيوب الارادة

       إنَّ التراضي لا يكون صحيحاً، إلا بشرطين: أن يكون منبثقا من ذي أهلية، وأن يكون منبثقا من ذي إرادة صائبة وسديدة، غير مشوبة بنقيصة أو خلل، والتي يطلق عليها عيوب الرضا (*) .

وعيوب الرضا كما حددتها المواد ( 112 -125) من القانون المدني العراقي ([420]) هي:

  1. الإكراه، 2 – الغلط، 3 –التغرير مع الغبن الفاحش، 4-الاستغلال.

     وسنقتصر على عيب الغلط وعيب التغرير مع الغبن الفاحش، لما لهما من مدخلية في بحث حماية المستهلك في التجارة الالكترونية.

العيب الأول: الغلط

     اعتبر المشرع العراقي الغلط أحد عيوب الإرادة ونظمها في المواد ( 117 -120) من القانون المدني العراقي([421]). ووردت في القانون المدني المصري في المواد (120-124)([422]).

  1.  تعريف الغلط

الغلط في اللغة – غلَطاً: أخطأ وجه الصواب([423]) .

     وفي الاصطلاح، الغلط وهم يقوم في ذهن الشخص يحمله على اعتقاد الأمر على حقيقته فيكون هو الدافع إلى التعاقد ([424]) ، فهو تخيل كاذب للواقع يؤدي بالشخص إلى إبرام تصرف قانوني ما كان ليبرمه لو تبين حقيقة الأمر، كشخص يشتري تمثالاً معتقدا أنه أثري في حين أنه ليس كذلك.

  1.  التمييز بين الغلط كعيب من عيوب الارادة

        هناك عدة أنواع من الغلط، لكن ليست كلها تفسد الرضا، فبعضها يعدم الارادة وهي لا تدخل ضمن عيوب الارادة، وبالتالي ليس للمستهلك حق في المطالبة بفسخ العقد لذا لابد من تمييز تلك الحالات واستبعاد أنواع الغلط الآتية :

النوع الأول: الغلط المانع

       وهو الغلط الذي يعدم الإرادة ولا يقتصر دوره على أن يعيبها، وسمي هذا الغلط بالمانع لأنه يمنع من لزوم العقد وهو على عدة أنواع([425])  :

  • الغلط في ذات العقد : وهو أن تتجه إرادة احد المتعاقدين إلى عقد معين وتتجه إرادة المتعاقد الآخر إلى عقد آخر، كما لو أعطى شخص لآخر شيئا باعتبار إن ذلك بيعا فإذا بالآخر يعتقد إن ذلك على سبيل الهبة، فهنا لانكون لا أمام بيع ولا هبه لوجود غلط في ذات المعقود عليه.
  • الغلط في المحل : وهو أن تتجه إرادة احد المتعاقدين إلى شيء معين بينما تتجه إرادة الآخر إلى شيء غيره، كما لو اشترى شخصا ساعة من صنع “سيتيزن” وظهر انها من صنع عادي فالغلط هنا وقع على محل العقد.
  •  الغلط في السبب : كما لو ابرم شخص عقداً اعتمادا على سبب واهم لا وجود له في الواقع، كأن يؤجر موظفا دارا للسكن في منطقة معتقدا انه نقل إليها.

النوع الثاني: الغلط المؤثر المسبب للإبطال

         هذا الغلط يعيب الإرادة فيجعل العقد قابلا للإبطال لمصلحة من وقع فيه، كما في حالتي الغلط الواقع على مادة الشيء التي كانت الدافعة للتعاقد كأن يشترى شخص أرضاً لاعتقاده أنها صالحة للبناء في حين أنها ليست كذلك، و الغلط الواقع على هوية الشخص متى كانت هويته محل اعتبار كأن يتعاقد مريض مع طبيب لإجراء عملية جراحية معتقدا بأنه الجراح الشهير، فإذا به طبيب آخر لكنه يحمل الاسم نفسه.

      وعيب الغلط في التعاقد الالكتروني مسألة محتملة الحصول ([426]) ، فمثلا قد يتخيل أحد المتعاقدين أن الطرف الآخر مشهور لديه، والذي يقدم منتجات تصنع بطريقة يدوية معروفة، وأنه يرغب في التعاقد معه لبراعته وخبرته، ثم يتبين ان المتعاقد معه شخصا غير مشهور لتشابه الاسماء أو لتشابه موقع الشبكة الذي يعرض نفس السلعة

النوع الثالث: الغلط غير المجدي

       هذا النوع من الغلط لا يؤثر على سلامة إرادة المتعاقد ولا في صحة العقد، وذلك كالغلط المادي    و الغلط في الحساب وهو الغلط الذي لا يعدو عن كونه فلتة القلم وهو غلط ينبغي تصحيحه وقد أشارت إليه المادة 120 من القانون المدني العراقي إذ نصت (لا يؤثر في نفاذ العقد مجرد الغلط في الحساب ولا الغلط المادي وانما يجب تصحيح هذا الغلط)([427]) .

  1.  شروط الغلط

  لا بدَّ من توافر عدة شروط لكي يتم اعتبار الغلط من عيوب الارادة ومن ثم يتم ابطال العقد، وهذه الشروط قد حددت في المواد (118و 119) من القانون المدني العراقي([428])، وفي المادة 121 من القانون المدني المصري([429]).

الشرط الأول: أن يكون الغلط جوهريا

نصت المادة 118 من القانون المدني العراقي على أنه لا عبرة بالظن البین خطأه فلا ينفذ العقد(:([430]

1. اذا وقع غلط في صفة للشيء تكون جوھرية في نظر المتعاقدين او يجب اعتبارھا كذلك للظروف التي تم فيها العقد ولما ينبغي في التعامل من حسن النیة.

2. اذا وقع غلط في ذات المتعاقد او في صفة من صفاته وكانت تلك الذات او هذه الصفة السبب الوحيد او السبب الرئيسي في التعاقد.

3. اذا وقع غلط في امور تبیح نزاهة المعاملات للمتعاقد الذي يتمسك بالغلط ان يعتبرها عناصر ضرورية للتعاقد.

الشرط الثاني: أن يتصل الغلط بعلم المتعاقد الآخر (الغلط المشترك)

        وجاء في المادة 119: (لا يجوز للمتعاقد الذي وقع في غلط ان يتمسك به الا اذا كان المتعاقد الآخر قد وقع في نفس الغلط او كان على علم به الا اذا كان المتعاقد الآخر قد وقع في نفس الغلط او كان على علم به او كان من السهل علبه ان يتبين وجوده)([431]).

4. وسائل حماية المستهلك من عيب الغلط

         اتخذ القانون اجراءات معينة لحماية المستهلك من عيب الغلط، ، فإذا ما توفرت شروط الغلط فان حكم العقد يكون صحيحا لكنه موقوفٌ على إجازة المتعاقد الذي وقع في الغلط الذي له الحق في إجازة العقد اونقضه، خلال فترة ثلاثة أشهر تبدأ من تاريخ تبين الغلط، فان أجازه أصبح نافذا وان لم يجزه صار العقد باطلا وينبغي عندئذ إعادة الحال إلى ما كان عليه([432]).

وجاء في القانون المدني المصري في المادة 120:”إذا وقع المتعاقد في غلط جوهري جاز له أن يطلب إبطال العقد”،كما يكون العقد قابلا للابطال:” لغلط في القانون اذا توافرت فيه شروط الغلط في الواقع”([433]).

        العيب الثاني: التغرير مع الغبن الفاحش (التدليس)

        جمع القانون المدني العراقي التغرير مع الغبن في المادة 121، وعدَّ اجتماعهما عيبا من عيوب الإرادة . ويذكر أن مصطلح التغرير والتدليس ظهر في الفقه الإسلامي بصورة واضحة ([434]) ، أما الفقه الغربي -وبعض التشريعات العربية كالقانون المصري -فيسمى التغرير في مصنفاته ” تدليساً”([435]) .

1. ماهية التغرير والتدليس

أ- التغرير

        يعرَّف التغرير لغةً بأنه الخداع، وغره –خدعه وأطعمه بالباطل، واستغر بالشيء –خدع به([436]) .

   واصطلاحا، بأنه إيهام المتعاقد بأمور غير صحيحة تدفعه الى التعاقد([437]) .

      وقد عرف التغرير هو أن يخدع أحد المتعاقدين الآخر بوسائل احتيالية قولية أو فعلية تحمله على الرضا بما لم يكن ليرضى به بغيرها ([438]) .

ب. التدليس

     في اللغة -دلَّسَ الشَّيءَ : زيّفه، غشّه، والدلس – الظلمة والخديعة، ودلس البائع تدليساً، كتم عيب السلعة عن المشتري، وتدلس الرجل -تكتم([439]) .

     وفي القانون عرف التدليس بانه:  (استعمال أحد المتعاقدين طرقاً احتيالية لتضليل المتعاقد الآخر تضليلا يحمله على التعاقد)([440]) .

     ويرى السنهوري : ان التدليس والتغرير يمثلان مفهوماً واحداً وهو:”استعمال أحد المتعاقين طرقاً احتيالية لتضليل المتعاقد الأخر تضليلاً يحمله على التعاقد”([441]) ، والتغرير مع الغبن الفاحش عيبٌ مستقلٌ من عيوب الإرادة نظمه القانون المدني العراقي في المواد 121 -124 ، وهو يقابل التدليس في القانون المدني المصري الذي نظمه في المواد: 125 و126.

2. أنواع التغرير والتدليس

         يستند التدليس على قاعدة من المكيدة والخدعة، لأنّه يقصد إضلال المتعاقد على فرض ميزات وخصائص موهومة في المعقود عليه، والتدليس على نوعين:

النوع الأول: التدليس الفعلي

     وهو أن يفعل البائع في المبيع فعلا يظن به المشتري كمالا، فلا يوجد([442]) ، فهو عبارة عن مجموعة أفعال يقوم بها احد المتعاقدين وكافيه لتضليل المتعاقد الآخر، ويعبر عنه أيضا بالتدليس الايجابي([443]) ، كمن يصبغ ثوبا قديما ليجعل منه جديدا او أن يقوم احد المتعاقدين بأعمال الطلاء واللحام بالنسبة للمكائن والمعدات لتضليل المتعاقد الآخر.

النوع الثاني: التدليس القولي

       وهو الكذب من أحد العاقدين ليدفع الطرف الآخر على التعاقد، أو ما كانت وسائل التدليس فيه قائمة على الكذب أو الكتمان([444]) ، فهو عبارة عن كلام يوجه للمتعاقد الآخر بهدف تضليله لإبرام عقد نتيجته انه مغبون غبنا فاحشا، ويعبر عن التدليس القولي أيضا بالتدليس السلبي([445]) ، كأن يقول البائع للمشتري إن هذه البضاعة سينقطع استيرادها او سترتفع أسعارها ويتم الشراء بناءا على ذلك القول فيجد المشتري نفسه مغبون غبنا فاحشا.

     وفي التعاقد الالكتروني يعتبر السكوت والكتمان نوعا من أنواع التدليس كقاعدة عامة، ولا يقتصر الأمر على حالات العقود بين المهنيين والمستهلكين بل تنطبق القاعدة حتى في علاقات المهنيين([446]) ،وهناك من يضيف نوعين آخرين للتدليس وهما التدليس في العيب، والتدليس الصادر من الغير([447]) .

3. شروط إعمال التغرير مع الغبن الفاحش

        لكي ينتج التغرير(التدليس) أثره القانوني والشرعي لاعتباره عيب من عيوب الارادة، يرى فقهاء القانون ان تتوفر فيه الشروط الثلاثة الاتية([448]) :

أ. استعمال طرق احتيالية

ب. أن يكون التغرير هو الدافع للتعاقد

ج. أن يصدر التغرير من احد المتعاقدين او أن يكون على علم به إن صدر من الغير0

  وأضاف آخرون شرطا رابعا وهو أن يقترن بالتغرير غبنا فاحشا(*) .

4. وسائل حماية المستهلك من التغرير والتدليس

          إنّ طرق التغرير والتدليس في عقد التجارة الالكترونية كثيرة ومتنوعة، ومن أهمها استعمال العلامة التجارية لشخص آخر، وتعمد نشر بيانات ومعلومات غير صحيحة على الموقع عن سلع وخدمات بقصد ترويجها…الخ.

      فإذا ما ثبت التغرير والتدليس فإن عيب التغرير والتدليس يعتبر من أهم الطرق التي يستطيع المستهلك في عقد التجارة الالكترونية التمسك بها، للمطالبة بفسخ أو ابطال العقد.

      فقد أتاح القضاء الفرنسي للمستهلك أن يطلب إبطال العقد بسبب التدليس الناجم عن كتمان المورد معلومات كانت تتيح له حسن اختيار المنتج (سلعة أو خدمة) والتعاقد وفق ارادة واعية مبصرة([449]) .

       وجاء في المادة 125من القانون المدني العراقي( ([450]🙁 اذا كان احد المتعاقدين قد استغلت حاجته او طیشه او ھواه او عدم خبرته او ضعف ادراكه فلحقه من تعاقده غبن فاحش، جاز له في خلال سنة من وقت العقد ان يطلب رفع الغبن عنه، الى الحد المعقول، فإذا كان التصرف الذي صدر منه تبرعاً جاز له في هذه المدة ان ينقضه).

    ونصت المادة 125 من ق: مدني مصري على أنه :(يجوز إبطال  العقد اذا كانت الحيل التي لجأ إليها أحد المتعاقدين أو نائب عنه من الجسامة بحيث لولاها لما أبرم الطرف الثاني العقد)[451].

       فضلاً عن ذلك تعدُّ وسيلة العقد القابل للابطال الصمام الامان والطريقة المثلى لحماية المستهلك من عيوب الارادة في القانون الفرنسي ([452]) وحذا حذوه القانون المصري(*) .

       إذ عرف العقد القابل للابطال بأنه”العقد الذي وقعت به مخالفة لشرط من شروط أركانه دون أن ينعدم الركن تماماً([453]) “.

     وعرَّفه آخر هو الجزاء الذي يترتب على عقد اجتمعت فيه سائر أركانه من رضاء ومحل وسبب، ولكنه لم يتسوف صحته، بأن كان أحد المتعاقدين ناقص الأهلية، أو كانت ارادته مشوبة بعيب من عيوب الارادة ([454]) .

      ومن خصائص وحكم هذا العقد أنه لا يتقرر إلاّ بالتراضي أو التقاضي، فاذا لم يتم الاتفاق بين المتعاقدين على ابطال العقد كان من اختصاص المحاكم النظر في ابطال العقد اذا أراد أحد المتعاقدين ذلك ([455]) .

   فليس من السهل أن يتراجع المستفيد عن عقده طالما أن العقد في صالحه، الاّ بالتراضي بين المتعاقدين، أو قرار قضائي، وهذا يكلف جهداً وضرراً.

  الاّ أن العقد الموقوف في الفقه الاسلامي لا يكلف جهداً ولا ضرراً، لأن أمر الخيار بيد المتضرر وحده، فحيث ثبت ذلك كان له الفسخ العقد أو امضاؤه.

 كما وأن فكرة العقد الموقوف في الفقه الاسلامي تتصف بالدقة والشمول فضلاً عما تحققه من حماية أكثر مما يحققه العقد القابل للابطال، وأنها تقوم على رعاية المصلحة، ودفع الضرر، كل ذلك عن طريق ما قرره الشارع من حق لكل من المتصرف له في فسخ التصرف الموقوف أو رده.

المطلب الثالث:المقارنة والمفاضلة في وسائل حماية المستهلك من الشروط التعسفية         وعيوب الارادة في الفقه الاسلامي والقانون

     وضع الفقه الاسلامي مجموعة من الوسائل لحماية الطرف المتضرر من الشروط التعسفية وعيبي الغلط والتدليس (عيوب الارادة) ، والجدول رقم (6, 7) يوضح ذلك([456]):

جدول (6) : المقارنة والمفاضلة في وسائل حماية المستهلك من الشروط التعسفية  في الفقه الاسلامي والقانون

ت

وسائل حماية المستهلك من الشروط التعسفية

الفقه الاسلامي

القانون

1

وسيلة تشريعيه

فيتدخل الفقيه الاسلامي (ولي الأمر) لينظم عقود الاذعان ويضع لها حدوداً يحمي بها الجانب الضعيف

 تدخل المشرع القانوني من خلال سن قوانين ملزمة لحماية المستهلك من الشروط التعسفية عبر الرقابة القانونية.

2

         وسيلة قضائية

إذ وضع الفقه الاسلامي أحكام ردعية على ممارسة التعسف في حق الغير، وهذه الاحكام تتراوح ما بين التعويض اذا ادى التعسف الى اتلاف مال أو نفس، وأما الابطال اذا كان التعسف في شروط التعاقد، وأما رفع الضرر، وأما التعزير،وأما المنع من ممارسة الحق

المتعسف في استعماله، وهذا كله ردع لمنع الضرر وحماية المتضرر

يتدخل القضاء في ابطال الشروط التي تكون تعسفية في حق المستهلك مع توقيع الجزاء الجنائي على البائع المهني.

3

وسيلة ادارية

إذ تباشر الحكومة الاسلامية بتشكيل لجان ادارية كما في نظام الحسبة أو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تكون مهمة هذه اللجان الاطلاع على نماذج العقود وابداء الرأي حول طبيعة الشروط المدرجة في هذه العقود

من خلال إصدار الحكومة مراسيم بتحريم أو تحديد أو تنظيم الشروط التعسفية

جدول (7) : المقارنة والمفاضلة في وسائل حماية المستهلك من عيوب الارادة( عيبي الغلط والتدليس)  في الفقه الاسلامي والقانون

ت

وسائل حماية المستهلك من عيوب الارادة عيبي الغلط والتدليس

الفقه الاسلامي

القانون

1

أ.عيب الغلط (اذا كان الغلط في ذات المعقود عليه )

 فقد اختلف الفقهاء في معالجته، فمنهم من يرى بطلان العقد وهذا ما ذهب اليه الحنابلة والمالكية وجمهور الحنفية، والشافعية.ومنهم من يرى فساده وهذا ما ذهب اليه جماعة من الحنفية كالكرخي.ومنهم من يرى صحة العقد مع ثبوت الخيار لتخلف الوصف، وهو رأي الامامية

قد أخذ القانون المدني العراقي المادة117-بابطال العقد.وهو مقارب للفقه الاسلامي (الرأي الامامي )بصحة العقد لأن ذلك يضمن استمرارية المعاملة وعدم ارباك السوق أو ضرر المتعاقدين.

ب.الغلط في وصف المعقود عليه

  اتفق اغلب الفقهاء على منح المشتري خيار تخلف الوصف، فان شاء فسخ العقد أو انفذه

أما القانون المصري المدني([457] ) مادة 120، -فقد نص على ابطال العقد.

ج.الغلط في القيمة

  وكان هذا الغلط مصحوب بالغبن فقد اشار بعض الفقهاء-كالمالكية-ان للمغبون الرد اذا كان فاحشاً وذا كان المغبون جاهلاً بالقيم، وذهب بعض فقهاء الامامية الى جعل العقد موقوفاً فان شاء المتضرر رد أو امسك،

اما في القانون العراقي مدني المادة 118ف1أ-جعل العقد موقوفاً على اجازة المتعاقد الذي وقع في الغلط الجوهري. ونلحظ ان القانون توافق مع رأي فقهاء الامامية في هذا الجانب، ،والمصري مدني المادة 121ف2،الذي جعل العقد قابل للابطال وهو مخالف للفقه الاسلامي

2

عيب التدليس

ذهب جمهور الفقهاء الى منح المتضرر من المتعاقدين حق خيار الفسخ أو الامضاء، كما يثبت خيار التدليس للمستهلك المشتري في حالة اخفاء العيب

أما في القانون فقد نص على ابطال العقد أو فسخه في حال ثبوت غبن فاحش (التدليس) ، كما نصت عليه المادة121 من القانون المدني العراقي والمادة  125 من القانون المدني المصري.الا ان القانون المدني العراقي قد جعل العقد موقوفا والقانون المدني المصري جعل العقد قابل للابطال

           يلحظ من الجدولين (7,6) ان الفقه الاسلامي قد عالج مسألة حماية المستهلك من عيبي الغلط والتدليس بوسيلة فعالة وناجعة حين أخذ بمفهوم العقد الموقوف، فان من الافضل توقيف العقد عن التنفيذ اذا داخل العقد غلط او تدليس، فهو لا يكلف جهداً ولا ضرراً، لأن أمر الخيار بيد المتضرر وحده، فحيث ثبت ذلك كان له الفسخ العقد أو امضاؤه، اما العقد القابل للأبطال الذي أخذ به القانون فانه لايمكن التراجع عنه الا بالتراضي بين المتعاقدين، وليس من السهل ان يتراجع المستفيد عن عقده طالما ان العقد في صالحه، واذا انتقلت الدعوى الى المحاكم فقد دخلت في دوامة المحاكم وهذا يستوجب صرف وقت وجهد كثير .

الخاتمة

      كان الهدف من البحث  دراسة وسائل حماية المستهلك في التجارة الالكترونية في الفقه الاسلامي مقارنة مع تلك الوسائل في القانون ، ومعرفة مدى استيعاب الفقه الاسلامي للمستحدثات والتطورات التقنية والمعلوماتية، ومدى قدرته على وضع الحلول والمعالجات الفعلية، والواقعية لحماية المستهلك والمحترف على حد سواء.

وقد أظهر البحث مجموعة من النتائج والتوصيات وكالآتي:

أولاً:النتائج

  1. ان الجذور التأريخية لفمهوم المستهلك وحمايته المستخرجة من الكتاب المجيد والسنة النبوية المطهرة تظهر لنا التاصيل الاسلامي لهذا المصطلح ، فضلاً عن ذلك أن الفقه الإسلامي عمل على تهذيب المفاهيم الوضعية بما يتناسب مع الشريعة الاسلامية.
  2. تتعلق حماية المستهلك في الفقه الإسلامي بتلك الوسائل والإجراءات المستمدّة من نصوص الشريعة الإسلامية، وتتمثل بسلسلة الخطوات التي ينبغي اتباعها لحماية المستهلك عند تعاقده مع المحترف للحصول على السلع والخدمات، والمستمدّة من مصادر التشريع الاسلامي-القرآن والسنة والاجماع والعقل، و تتضمن حماية المستهلك في الفقه الاسلامي وسائل متنوعة ومتعددة أهمها : الخيارات وقواعد الشريعة الاخرى.
  3. ان حكم المعاملات في البيع والشراء في الفقه الاسلامي ان كانا في التجارة التقليدية أو في التجارة الالكترونية هو الاباحة والجواز الا اذا وقع المحذور الشرعي، وهذا في فقه جمهور الفقهاء، اما في فقه الشيعة الامامية فلا بد من دخول المعاملة في عموم الاطلاقات والادلة حتى تكون المعاملات مباحة.
  4. ان حماية المستهلك من التضليل الاعلامي قد عالجه الفقه الاسلامي بخيار الوصف، ويعني ذلك إذا ظهر للمشترى -عن بعد- أن السلعة على خلاف الأوصاف التي قبل شرائها وان الاعلام كان مضللاً، فان ذلك من شأنه أن يؤدي إلى اختلال في الرضا، فيترك للمتعاقد المستهلك الالكتروني الذي اختل رضاه الخيار بين أن يتم بنفسه رضاه متنازلا عن حقه في الفسخ بعد العلم بحقيقة الأمر، أو أن يختار فسخ العقد.
  5. ان خيار العدول في القانون الوضعي، يقابله في الفقه الاسلامي العقد غير اللازم، وان الارادة المنفردة تكون مصدراً مهماً في بعض الالتزامات الشرعية والقانونية، كما يمكن ان تكون وسيلة ناجعة لحماية المستهلك الالكتروني.
  6. يمكن لطرفي العقد أو لأحدهما الرجوع عن العقد، من خلال خيار الشرط، أو اذا وقع خلل في أركان وشروط العقد، كالغبن والتدليس والعيب وغيرها التي تحدث ضرر لأحد المتعاقدين.
  7. ان العقد الموقوف في الشريعة الاسلامية هو وسيلة من الوسائل التي وضعها الفقه الاسلامي لحماية الطرف الضعيف في العقد (المتضرر)، مقابل العقد القابل للإبطال الذي وضعه القانون لحماية المستهلك، اذ ان العقد الموقوف يتصف بالدقة والشمول ويحقق حماية أكثر مما يحققه العقد القابل للابطال، كما أنه يقوم على رعاية المصلحة ودفع الضرر من خلال جعل الحق لكل من المتصرف والمتصرف له في فسخ التصرف الموقوف أو رده، في حين أن العقد القابل للابطال لايمكن التراجع عنه الا بالتراضي بين المتعاقدين، وليس من السهل أن يتراجع المستفيد عن عقده طالما أن العقد في صالحه.

ثانيا: التوصيات

بناء على ما ذكر أعلاه والنتائج المستخلصة من البحث، يضع الباحث جملة من التوصيات أهمها:

  1. الأخذ بالإسلام أساساً للتنظيم العام؛ لأنَّ الاسلام دين متكامل وشامل يتناول ويعالج جميع الجوانب الحياتية والمعاشية للإنسان، بشقيها الروحي والاجتماعي على حد سواء.
  2. الاهتمام بضبط المعاملات عامة والمعاملات المالية في التجارة الالكترونية خاصة داخل المؤسسات الحكومية وغير الحكومية بالضوابط  والأحكام الإسلامية ؛ لكونها تشغل حيزاً غير قليل في حجم المعاملات التجارية والأهم تجنبا للزلل وضياع حقوق الغير.
  3. دعوة للمشرع العراقي خاصة والمشرعين العرب والمسلمين عامة الى تشريع قانون (مكمل)للمعاملات الالكترونية، يضمن حقوق طرفي العقد، ويتضمن-خاصة- فصل لحماية المستهلك في العقود الالكترونية، لكونه الطرف الضعيف في هذا النوع من العقود، و بإمكان المشرع العراقي أن ينهل من الفقه الإسلامي الكثير من الحلول والوسائل التي توفر حماية فعالة للمستهلك.
  4. الأخذ بمفهوم العقد غير اللازم والارادة المنفردة وسيلة لحماية المستهلك من العقود التي يروم العدول عنها او من عقود تسرع في ابرامها ويريد ان يرجع عنها.
  5. الاشارة -في مشاريع القوانين المقترحة- الى منح المستهلك خيار العدول عن التعاقد بعد ابرامه، لان عقود التجارة الالكترونية هي عقود عن بعد ولا يتسنى للمستهلك رؤية المعقود عليه مباشرة مما يؤدي الى اتخاذ قرارات متسرعة وغير متأنية.
  6. ضرورة تنظيم مسؤولية المحترف عن بعد عن عيوب ومخاطر المنتجات لضمان سلامة المستهلك وحمايته.
  7. الأخذ بمفهوم العقد الموقوف في (القانون)([458])كونه يحقق مصلحة طرفي العقد ويضمن استقرار المعاملات المالية وعدم ارباك الاسواق والتجارة.

مصادر ومراجع البحث

أولاً: مصادر ومراجع الفقه الاسلامي

أ: الكتب

  1. الاحسائي، ابن ابي جمهور، 1406هـ، ” غوالي اللئالي”، مطبعة دار الكتاب، بيروت.
  2. الأزهري، منظور أحمد، 1422 هـ ” ترشيد الاستهلاك الفردي في الاقتصاد الإسلامي”، دار السلام القاهرة.
  3. الاسنوي، جمال الدين، 1343هـ، “نهاية السؤال في شرح منهاج الأصول”، المطبعة السلفية، القاهرة.
  4. الاصفهاني، الراغب، 1425هـ، “مفردات ألفاظ القرآن”، مطبعة كيميا، قم، منشورات الدار الشامية، بيروت، ط 4 .
  5. افندي، علي حيدر،1412هـ ،”درر الحكام شرح مجلة الأحكام”، تعريب المحامي فهمي الحسيني، مطبعة دار العلم للملايين، بيروت.
  6. الألباني، عبد العظيم بن عبد القوي المنذري زكي الدين، 1424هـ، “الترغيب والترهيب”، المحقق: محمد ناصر الدين الألباني – مشهور بن حسن آل سلمان، مكتبة المعارف
  7. الألفي ،محمد بن جبر،1429هـ ،”التعاقد الالكتروني في ميزان الشرع الاسلامي”مركز الخزامي،الرياض، www.alukah.net.
  8. الآملي، محمد تقي،1402هـ “كتاب المكاسب والبيع”، مؤسسة النشر الاسلامي، قم.
  9. أمير حاج، أبو عبد الله، شمس الدين محمد، 1403هـ، “التقرير والتحبير”، دار الكتب العلمية.
  10. الاندلسي، أبي الوليد سليمان بن وارث، 1883هـ، “المنتقى في شرح موطأ مالك”، دار الكتب العربي، بيروت.
  11. الأنصاري ،زكريا بن محمد، 1418هـ،،”فتح الوهاب”،ج1،ط1،دار الكتب العلمية،بيروت.
  12. الانصاري ،مرتضى محمد أمين، 1420هـ ،”المكاسب”،ج5، اعداد لجنة تحقيق تراث الشيخ الاعظم. مجمع الفكر الإسلامي،قم.
  13. الايرواني،باقر، 1435هـ، ” دروس تمهيدية في القواعد الفقهية”، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان.
  14. البخاري، محمد بن اسماعيل الجعفي، 1414هـ، “كتاب الرقاق”، دار ابن كثير.
  15. البهوتي، منصور بن يونس:، بدون تاريخ، “شرح منتهى الإرادات”، دار الكتب الازهر، القاهرة.
  16. بودالي , محمد,2006, “حماية المستهلك في القانون المقارن ـ دراسة مقارنة مع القانون الفرنسي” ، دار الكتاب الحديث ، القاهرة .
  17. البيهقي،أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي، 1415هـ”السنن الكبرى”:، مكتبة عاطف، القاهرة، تحقيق محمد خليل عيتاني، دار المعرفة .
  18. الترمذي أبو عيسى، محمد بن عيسى، 1422هـ ” الجامع الصحيح سنن الترمذي”، دار احياء التراث العربي، مراجعة أحمد محمد شاكر وآخرون، بيروت.
  19. جاسم،أحمد عبيد،2013م،”التأصيل الفقهي للقانون المدني-دراسة مقارنة-“منشورات زين الحقوقية،بيروت.
  20. الجرجاني، علي محمد، 1414هـ، “التعريفات”، مطبعة مصطفى البابي، مصر.
  21. الجزائري، السيد عبدالله (بدون تاريخ)، ” شرح التحفة السنية- للفيض الكاشاني”، نسخة خطية-ميكروفيلم.
  22. الجنكو، علاء الدين، 1408هـ، ” التقابض في الفقه الإسلامي”، مطبعة الكاتب، بيروت .
  23. الجواهري، حسن، 1435هـ، “الفقه المعاصر”، شركة العارف للمطبوعات، بيروت لبنان.
  24. الجوهري الفارابي، ابو نصر اسماعيل بن حماد،1407هـ، “الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية”، تحقيق احمد عبدالغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت.
  25. الحائري، كاظم الحسيني، 1428، “فقه العقود”، الجزء الأول، مجمع الفكر الاسلامي، قم ايران.
  26. الحر العاملي، محمد بن الحسن،1409هـ ” وسائل الشيعة الى تحصيل مسائل الشريعة”، تحقيق مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، نشر مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، قم، ايران.
  27. الحسب، فاضل عباس، 1404هـ، ” الماوردي في نظرية الإدارة الإسلامية العامة”، المنظمة العربية للعلوم الإدارية، عمان، الأردن.
  28. الحلي, ابو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن , 1409هـ , ” شرائع الاسلام في مسائل الحلال والحرام”, ط2, منشورات استقلال, طهران.
  29. أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا،1414هـ “معجم مقاييس اللغة” المحقق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر,بيروت .
  30. الحسيني، هاشم معروف، 1405هـ، ” نظرية العقد في الفقه الجعفري”، مطبعة مكتبة هاشم، بيروت.
  31. الحكيم، محسن، 1394هـ، ” منهاج الصالحين”، مطبعة الآداب، النجف.
  32. الحكيم، محمد تقي،1431هـ ،”الأصول العامة للفقه المقارن”،ط1،دار الفقه للطباعة والنشر،قم.
  33. ابن حنبل، أحمد، 1429هـ، “مسند الإمام أحمد بن حنبل”، المحقق: أحمد معبد عبد الكريم، جمعية المكنز الإسلامي – دار المنهاج.
  34. الحنبلي، أحمد بن رجب، 1880هـ، “جامع العلوم والحكم”، مطبعة المصطفى الباجي الحلبي، لبنان.
  35. الخطيب الشربيني، 1418هـ”مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج”، دار الكتب العلمية – بيروت
  36. الخميني، روح الله مصطفوي، 1429هـ، “تحرير الوسيلة”، الناشر: سفارة الجمهورية الاسلامية الايرانية بدمشق، الطبعة الاولى.
  37. الخوئي، أبو القاسم:
  • 1411هـ، ” مصباح الفقاهة”، تقرير أبحاث سماحة آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي (قده)، ج4، الدار العلمية، مكتبة الداوري، قم، ايران.
  • 1424هـ، “المحاضرات-محاضرات السيد ابو القاسم الخوئي”، بقلم السيد محمد علي الخرسان، مؤسسة السبطين عليهم السلام العالمية.
  • 1424هـ،”منهاج الصالحين”أبو القاسم الخوئي،ط26،مؤسسة احياء اثار الامام الخوئي،النجف.
  •   1429هـ “التنقيح في شرح المكاسب”، ج38، مؤسسة احياء آثار الامام الخوئي، مطبعة نينوى تقرير لأبحاث السيد الخوئي، تأليف:الشيخ علي الغروي دار الكتب الإسلامية – طهران – ايران
  1. داود، رزاق مخور، 1425هـ، “المرجعية الدينية والعمل السياسي”، مركز الامام الكاظم عليه السلام، البصرة، العراق.
  2. دنيا، شوقي، 1428هـ، “نظرات اقتصادية في القرآن الكريم “، نشر المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، جدة ـ
  3. الرافعي، عبد الكريم بن محمد،1378 هـ، “فتح العزيز في شرح الوجيز”، ج10، مطبعة التضامن الاخوي، مصر.
  4. ابن رشد، ابي الوليد محمد بن أحمد، 1431هـ، “بداية المجتهد ونهاية المقتصد”، ج2، تحقيق ومقارنة بآراء الامامية “جاسم التميمي، وعبد الامير الوردي”مركز الدراسات العلمية التابع للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية، ط1، طهران.
  5. الروحاني،محمد صادق،1429هـ،”فقه الصادق”ج25،منشورات الاجتهاد،ط1،قم.
  6. الزارعي السبزواري، عباس علي، 1430هـ، “القواعد الفقهية في فقه الامامية “، مؤسسة النشر الاسلامي، قم، ايران.ـ
  7. الزبيدي مرتضى، محمد بن محمد بن عبد الرزاق 1404هـ،”تاج العروس من جواهر القاموس”، 394/8طبعة الكويت، دار الهداية ط2.
  8. الزحيلي، وَهْبَة بن مصطفى، 1409 هـ،”ـالفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ -الشَّامل للأدلّة الشَّرعيَّة والآراء المذهبيَّة وأهمّ النَّظريَّات الفقهيَّة وتحقيق الأحاديث النَّبويَّة وتخريجها”، دار الفكر، دمشق، سوريا.
  9. الزرقاء، مصطفى أحمد:
  • 1381 هـ، ” شرح القانون المدني السوري”، ط3، مطبعة الجامعة، دمشق.
  • 1384 هـ، ” المدخل الفقهي العام”، مطبعة الجامعة، دمشق، سوريا.
  • 1417 هـ، “الفقه الاسلامي في ثوبه الجديد”، دار الفكر، بيروت.
  1. الزمخشري، أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، 1419هـ، ” أساس البلاغة “، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان الطبعة الأولى.
  2. الزيلعي، فخر الدين عثمان بن علي، 1315هـ، “تبيين الحقائق”، ج4، مطبعة الاميرية، القاهرة.
  3. سالم، أحمد مبارك 1433 هـ”مقاصد الشريعة وحقوق الانسان”، www.alukah.net
  4. سبحاني، الشيخ جعفر، 1414هـ، “المختار في أحكام الخيار”، مؤسسة الامام الصادق، قم ايران.
  5. السعيد، نادية محمد، 1427 هـ، ” التجارة في الاسلام وموقف الشرع من التجارة الالكترونية”، مكتبة الملك فهد الوطنية، kfnl.gov.sa .
  6.  السلطان، عبدالله بن عبدالرحمن، 1430هـ، “الضوابط الشرعية في المعاوضة على الحقوق والالتزامات”، الاحساء، السعودية.
  7. أبو سنة، أحمد فهمي،1429 هـ “نظرية التعسف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي”، مسحوب من الانترنت برابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia
  8. سند، محمد، 1433 هـ، “بحوث في القواعد الفقهية”، مؤسسة المراقد المقدسة العالمية، النجف الاشرف، المطبعة شريعت، ج1.
  9.  السنهوري، عبد الرزاق، 1418 هـ، “مصادر الحق في الفقه الاسلامي”، ج2، دار احياء التراث العربي، القاهرة.
  10. أبو سيد أحمد، محمد محمد أحمد، 1425 هـ”حماية المستهلك في الفقه الإسلامي”، دار الكتب العلمية، بيروت.
  11.  السيد سابق، 1408هـ، “خصائص الشريعة الاسلامية ومميزاتها”، مطبعة الفتح للأعلام العربي، القاهرة.
  12. السيستاني، علي الحسيني، 1431هـ، “المسائل المنتخبة، المعاملات، الخيارات”، مطبعة الكاتب، بيروت لبنان.
  13. الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى، 1416هـ، ” الموافقات”، دار المعرفة، بيروت.
  14. الشافعي، محمد بن ادريس، 1410هـ، “الأم”، ، دار المعرفة، بيروت.
  15. الشحات إبراهيم محمد منصور، 1427، “المدخل في الشريعة الإسلامية”، مركز التعليم المفتوح، جامعة بنها، مصر.
  16. شحاتة، حسين حسين 1425هـ” القواعد الفقهية والضوابط الشرعية للمعاملات المالية المعاصرة”، سلسلة أبحاث ودراسات في فقه رجال الأعمال، جامعة الازهر، مصر.
  17. الشرتوني، سعيد الخوري، 1401هـ”أقرب الموارد في فصح العربية والشوارد”، منشورات مكتبة آية الله المرعشي- ايران .
  18. الشرنباصي، رمضان علي السيد، 1424هـ، “حماية المستهلك في الفقه الاسلامي”، دار الجامعة الجديدة للنشر.
  19. الشريف الرضي، 1399هـ”نهج البلاغة –مجموع مااختاره الشريف الرضي من كلام سيدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب شرح الاستاذ محمد عبده، منشورات المكتبة الأهلية، بيروت، ج3.
  20. شلبي، محمد مصطفى، 1376هـ، “المدخل لدراسة الفقه الاسلامي”، دار التأليف، القاهرة.
  21. الساهر،شوقي عبده، 1409هـ،المدخل الى دراسة الفقه الاسلامي،ط1، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة.
  22. الشوكاني، محمد بن علي، 1413هـ، “نيل الأوطار”، ج 5، دار الحديث.
  23. الشيرازي، ابراهيم بن محمد، 1317هـ، “المهذب”، ج1، ، طبعة عيسى البابي، القاهرة.
  24. الصاوي، ابو العباس احمد، “حاشية الصاوي على الشرح الصغير”، دار المعارف.
  25. الصدر، محمد باقر، 1393هـ، “اقتصادنا”، دار الفكر للنشر، بيروت، لبنان.
  26. الصدوق، أبى جعفر محمد بن على بن الحسين بن بابويه القمى:
  • 1429هـ”من لا يحضره الفقيه: ج3″، . شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث والفكر الإسلامي.
  •  1356هـ، ” عيون أخبار الرضا”، ج 2، مطبعة العرفان، صيدا لبنان.
  1. الصغير، حميد، 1435هـ، “أصول حماية المستهلك في الفقه الاسلامي وآلياتها”، شبكة الألوكة، www.alukah.net
  2. الصفار، فاضل، 1423 هـ، “قاعدة لا ضرر”، الناشر برهيز كار، قم ايران.
  3. الطباطبائي، محمد حسين، 1417هـ، “الميزان في تفسير القرآن، المجلد الخامس، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان.
  4. الطبري، محمد بن جرير،1398هـ “تفسير الطبري”، دار المعارف,بيروت.
  5. الطوسي، محمد بن الحسن:
  • 1365هـ، “تهذيب الاحكام”، ج7، دار الكتب الاسلامية، طهران ايران.
  • 1377هـ، “الخلاف”، ج3، مطبعة رنكين، طهران.
  • 1412هـم ،”المبسوط”،ج2،ط1،دار الكتاب الاسلامي،بيروت.
  1. ابن عابدين، محمد أمين بن عمر، 1423هـ، “رد المحتار على الدر المختار-حاشية ابن عابدين”، تحقيق عادل احمد عبدالموجود- علي محمد معوض، عالم الكتب.
  2. العاملي، محمد جواد، 1323هـ، “مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة”، المطبعة الرضوية، ج4، مصر.
  3. عبد العزيز، محمود عبد العزيز، 1428هـ، “حماية المستهلك بين النظرية والتطبيق في الفترة مابين 1399-1418هـ”، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر.
  4. العطار، عبد الناصر توفيق، 1398هـ، “نظرية الالتزام في الشريعة الإسلامية والتشريعات العربية”، مطبعة السعادة، القاهرة.
  5. علاء الدين البخاري، عبد العزيز بن أحمد بن محمد الحنفي، 1308هـ”كشف الأسرار شرح أصول البزدوي” مطبعة الشركة الصحافية العثمانية، إعادة طبع : دار الكتاب العربي – بيروت.
  6. عوضيين، محمد نجيب، 1423هـ، “نظرية العقد في الفقه الإسلامي”، طبعة دار النهضة العربية.
  7. العيادي، أحمد صبحي أحمد مصطفى، 1419 هـ، ” الأمن الغذائي في الإسلام”، دار النفائس، الأردن.
  8. عيسوي، أحمد، 1406هـ، “المدخل لدراسة الفقه الاسلامي”، مطبعة دار التأليف، القاهرة.
  9. عيسوي، عبد الرحمن، بدون تاريخ، ” الإسلام والعلاج النفسي الحديث”، دار النهضة العربية، بيروت.
  10. غانم، حسين، 1411 هـ ، ” الاقتصاد الإسلامي طبيعته ومجالاته”، دار الوفاء، المنصورة.
  11. الغرناطي المواق، محمد بن يوسف، 1329هـ، “التاج الاكليل في شرح مختصر خليل”، ج4، طبعة المواهب الجليل للحطاب، مصر.
  12. الغروي، علي، 1409هـ”تقرير أبحاث السيد الخوئي”، ج 38, دار الكتاب العربي,بيروت.
  13. الفاسي، علال، 1411هـ، ” مقاصد الشريعة الاسلامية ومكارمها”، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء.
  14. الفتلاوي، سهيلة حسين، 1421هـ، ” حقوق الإنسان في الاسلام دراسة مقارنة في ضوء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”، دار الفكر العربي، بيروت .
  15. فخر، وجداني، 1386هـ ، “الجواهر الفخرية في شرح الروضة البهية”، ج6، الناشر سماء قلم، قم.
  16. الفيروزابادي، مجد الدين محمد بن يعقوب، 1407هـ، ” القاموس المحيط”، ط2، مؤسسة الرسالة، بيروت .
  17. القاسم، محمد بن عبد الله، 1422هـ، “التعاقد الالكتروني في الفقه”، مركز الخزامي، الرياض.
  18. ابن قدامه، عبد الله بن أحمد بن محمد، 1392هـ، “المغني”، مطبعة دار الكتاب العربي، بيروت.
  19. القرطبي، محمد بن أحمد الأنصاري:
  • 1428هـ”تفسير القرطبي”، دار الفكر.
  • 1385هـ، “الجامع لأحكام القرآن”، مؤسسة مناهل العرفان، بيروت.
  1. قلعجي، محمد رواس و قنيبي، حامد صادق، 1408هـ، ” معجم لغة الفقهاء عربي-انجليزي بالمصطلحات الواردة في المعجم”، دار النفائس، لبنان.
  2. القمي، ابي الحسن بن علي بن ابراهيم، 1397هـ”تفسير القمي”، تصحيح وتعليق السيد طيب الموسوي الجزائري، مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر بيروت.
  3. ابن قيم الجوزية:
  • 1389هـ “اعلام الموقعين”، ج3، مطبعة الكيلاني، القاهرة.
  • 1412هـ، “الطرق الحكمية في السياسة الشرعية”، ط2، دار الكتب العلمية، لبنان.
  1. الكاساني، أبو بكر بن مسعود بن أحمد، 1414هـ، “بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع”، ج5، مطبعة دار الكتاب، مصر.
  2. كاشف الغطاء، محمد حسين، 1403هـ، “مجلة تحرير الاحكام العدلية”، مطبعة العارف، بيروت .
  3. الكليني، محمد بن أبي اسحاق، 1383هـ، “الكافي”، تحقيق: تصحيح وتعليق : علي أكبر الغفاري، المطبعة الحديثة، طهران.
  4. اللويحق، عبدالرحمن بن معلا,1416هـ “مفهوم الحسبة في الإسلام”، شبكة الألوكة، www.alukah.net
  5. ابن ماجه، محمد بن يزيد القزويني 1416هـ، “سنن ابن ماجه-كتاب التجارات”، دار احياء الكتب العربية، القاهرة.
  6. مالك، ، بن أنس الاصبحي، 1415هـ، ” المدونة الكبرى”، دار الكتب العلمية.
  7. ابن مالك، عبداللطيف، 1308هـ، “شرح منار الانوار في اصول الفقه”، المطبعة النفيسة العثمانية-تصوير دار الكتب العلمية.
  8. المجلسي، محمد باقر:
  • 1373هـ، “بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار”، ج75، دار احياء الكتب الاسلامية، بيروت.
  • 1411هـ “مرآة العقول في شرح أخبار الرسول”، مؤسسة صادقيان، قم.
  1. مجمع اللغة العربية، 1425هـ، “المعجم الوجيز”، مطبعة وزارة التربية والتعليم، جمهورية مصر.
  2. محمد، عباس حسني، 1413هـ، “العقد في الفقه الاسلامي”،منشورات دار الكتاب، القاهرة.
  3. مدرسي، السيد محمد تقي، 1437 هـ، “الفقه الاسلامي، المعاملات، البيع”، ج2، دار المحجة البيضاء، بيروت، لبنان.
  4. مدكور، محمد سلام، 1374هـ، “التشريع الإسلامي ومصادره ونظرية الأموال”، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة.
  5. المرتضى، علي بن الحسين بن موسى، 1428هـ”الذريعة في الفقه والاصول”، ج5، مطبعة صادقيان، قم.
  6. المصطفوي، كاظم:
  • 1426هـ ، “القواعد الفقهية”، مكتب التخطيط وتدوين المناهج الدراسية، منشورات المركز العالمي للدراسات الاسلامية، ايران.
  • 1427هـ”دروس في فقه المعاملات-البيع”، المركز العالمي للدراسات الإسلامية مكتب التخطيط و تدوين المناهج الدراسية، ايران.
  1. المغربي، محمود عبد اﻟﻤﺠيد، 1416هـ، ” المدخل إلى تاريخ الشرائع”، المؤسسة الحديثة للكتاب، لبنان
  2. مغنية، الشيخ محمد جواد، 1429هـ، “فقه الامام جعفر الصادق عليه السلام”، مؤسسة أنصاريان للطباعة والنشر، قم ايران.
  3. المفيد، محمد بن محمد بن النعمان، 1410هـ، “المقنعة”، مؤسسة النشر الاسلامي، ط2، قم.
  4. مكين، محمد أحمد، 1419هـ، ” النظريات الفقهية في الفقه الإسلامي”، جامعة الزقازيق- دار الأمانة.
  5. المنذري أبو محمد، عبد العظيم بن عبد القوي،1389هـ “الترغيب والترهيب”، ج3، دار الكتب العلمية بيروت .
  6. ابن منظور، ابو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم الافريقي المصري، 1425هـ، “لسان العرب”، ج4، ط1، منشورات مؤسسة الاعلمي للمطبوعات، بيروت .
  7. موسى، محمد يوسف، 1372هـ، “الفقه الاسلامي”، مطبعة دار الكتب العربي، القاهرة.
  8. شلبي، مصطفى، 1376هـ، “المدخل لدراسة الفقه الاسلامي”، مطبعة دار التأليف، القاهرة.
  9. ابن نجيم، زين العابدين بن إبراهيم، 1405هـ، ” الأشباه والنظائر”، دار الكتب العلمية، بيروت.
  10. النيسابوري، أبو الحسين، مسلم بن الحجاج1418هـ، “صحيح مسلم”، ط 1، دار ابن حزم، الرياض.
  11. اليزدي، محمد كاظم الطباطبائي، 1406هـ، ” العروة الوثقى”، قسم الخيارات، مطبعة ستارة، قم، ايران.
  12. اليوزبكي، توفيق سلطان، 1408هـ، “دراسات في النظم العربية الإسلامية”، المكتبة الوطنية، بغداد، العراق.

ب: الدوريات

  1. عبد الواحد، السيد عطية، 1420هـ، ” تنظيم الاسواق المعاصرة في ضوء المنهج الاسلامي”، بحث منشور في مجلة العلوم القانونية والاقتصادية، جامعة عين شمس، العدد الثاني، يوليو.
  2. مجلة المجمع، 1410هـالعدد السادس، الجزء الثاني، مجمع الفقه الاسلامي، جدة.

ج: رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه

  1. بحر العلوم، محمد، 1429هـ”عيوب الارادة في الشريعة الاسلامية”، أطروحة دكتوراه في الشريعة الاسلامية، نشرت من دار العلوم، جامعة القاهرة، وتم اعادة طبعها ثلاث مرات(1400-1421-1429هـ)، والطبعة الاخيرة قد اعتمدها الباحث، نشر وتوزيع دار الزهراء، بيروت.
  2. حسن، عدنان عبد الهادي، 1426هـ، “أحكام العقود الصورية في الفقه الاسلامي”، رسالة ماجستير، كلية الشريعة والقانون، الجامعة الاسلامية، غزة..www.puoip.com
  3. الحمد، خالصة عبد الرزاق، 1435هـ، “مجلس العقد في الفقه الاسلامي-حقيقته وأحكامه”، رسالة ماجستير في الفقه الاسلامي، كلية الشريعة، جامعة دمشق.
  4. خلة، منال جهاد أحمد، 1428هـ، ” أحكام عقود الاذعان في الفقه الاسلامي”، رسالة ماجستير، الجامعة الاسلامية، غزة.
  5. الزهراني، عدنان بن جمعان بن محمد، 1430 هـ، “أحكام التجارة الالكترونية في الفقه الاسلامي”، اطروحة  دكتوراه، جامعة أم القرى، مكة، السعودية.
  6. مرشد، عبدالعزيز بن محمد، 1412هـ، “نظام الحسبة في الاسلام-دراسة مقارنة” رسالة ماجستير مقدمة الى جامعة محمد بن سعود الاسلامية، السعودية.
  7. أبو مصطفى، سليمان عبد الرزاق، 1425هـ، “التجارة الالكترونية في الفقه الاسلامي”، رسالة ماجستير في الفقه المقارن، كلية الشريعة الجامعة الاسلامية، غزة.

د: المؤتمرات والندوات والدورات العلمية

        1.  السامرائي، كمال، 1408 هـ، “مدخل الى موضوع الحسبة في الاسلام”، ورقة عمل مقدمة الى ندوة حول الحسبة، مركز احياء التراث العلمي العربي، بغداد، العراق.
        2. عابد، عبد الله عبد العزيز، 1405 هـ ، “مفهوم الحاجات في الإسلام وأثره على النمو الاقتصادي”، دراسات في الاقتصاد الإسلامي، بحوث مختارة من المؤتمر الدولي الثاني للاقتصاد الاسلامي.

ثانياً: مصادر ومراجع القانون

أ: الكتب

  1. ابراهيم، خالد ممدوح:
  • 2008، ” ابرام العقد الالكتروني”، دار الفكر الجامعي، الاسكندرية.
  • 2008، “حماية المستهلك في العقد الالكتروني”، دار الفكر الجامعي، اسكندرية.
  1. احمد، خالد جمال، 2003، “الالتزام بالإعلام قبل التعاقد”، دار النهضة العربية، القاهرة.
  2. أكاديمية السادات للعلوم الإدارية، 1999″التجارة الإلكترونية وواقع العالم العربي”، شؤون خليجية، قسم البحوث، ، القاهرة.
  3. الأيوبي، عمر,”2002 معجم الاقتصاد انجليزي- فرنسي- عربي”، دار الكتاب العربي، بيروت.
  4. بدر، أسامة أحمد، 2008، “حماية المستهلك في التعاقد الالكتروني”، دار الكتب القانونية، مصر .
  5. برهم، نضال سليم، 2009، ” أحكام عقود التجارة الالكترونية”دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، الاردن.
  6. البرواري، نزار عبد اﻟﻤﺠبد و البرزنجي، أحمد محمد فهمي، 2004، “استراتيجيات التسويق المفاهيم- الأسس- الوظائف”، دار وائل للنشر، عمان.
  7. بعلي، محمد الصغير، 2006، “المدخل للعلوم القانونية-نظرية القانون ونظرية الحق”، دار العلوم للنشر والتوزيع، الجزائر.
  8. بهاء شاهين،2000 م.” العولمة والتجارة الإلكترونية”، ط 1، الفاروق الحديثة، القاهرة.
  9. توكل، فادي محمد عمادالدين، 2010، ” عقد التجارة الالكترونية”، منشورات الحلبي الحقوقية.
  10. جبور، فريد منعم، 2010، ” حماية المستهلك عبر الانترنيت ومكافحة الجرائم الالكترونية”منشورات الحلبي الحقوقية.
  11. الجنكو، علاء الدين، 1988، ” التقابض في الفقه الإسلامي”، مطبعة الكاتب، بيروت .
  12. حجازي، عبدالفتاح بيومي، 2008، ” حماية المستهلك عبر شبكة الانترنت”، دار الكتب القانونية، مصر.
  13. حسن، أحمد إبراهيم، 2008، “أصول تاريخ النظم القانونية والاجتماعية”، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية .
  14. أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا،1994 “معجم مقاييس اللغة” المحقق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر,بيروت .
  15. الحكيم، عبد المجيد،
  • ‌أ- 1967″الوسيط في نظرية العقد”، شركة الطبع والنشر الأهلية، بغداد ،
  • 1986″الوجيز في نظرية الالتزام في القانون المدني العراقي “، ج ١، مطبعة التعليم العالي، بغداد.
  1. حوى، فاتن حسين، 2012، “الوجيز في قانون حماية المستهلك -دراسه في احكام القانون اللبناني مع الاشاره الى حماية المستهلك المتعاقد عن بعد الكترونيا”، منشورات الحلبي الحقوقيه، بيروت، لبنان.
  2. خلف، أحمد محمد محمود علي، 2005، “الحماية الجنائية للمستهلك في القانون المصري والفرنسي والشريعة الإسلامية -دراسة مقارنة “، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية.
  3. خلف، احمد محمد محمود علي، 2008، ” الحماية الجنائية للمستهلك في القوانين الخاصة دراسة مقارنة”، المكتبة العصرية، مصر.
  4. الدريني، فتحي، 1967، “الحق ومدى سلطة الدولة في تقييده ونظرية التعسف في استعمال الحق بين الشريعة والقانون”، ط1، مطبعة جامعة دمشق، سوريا.
  5. دودين، بشار محمود، 2010، “الاطار القانوني للعقد المبرم عبر شبكة الانترنيت”، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان.
  6. الديوان الوطني للتعليم والتكوين عن بعد، www.onefd.edu.dz.
  7. زنبوعة، زياد، 2001، “إستراتيجيات التسويق في ظل الأزمات الاقتصادية والتحديات المعاصرة”، كلية الإقتصاد، جامعة تشرين، اللاذقية، سوريا.
  8. أبو زهرة، محمد بن أحمد، 1993، “الملكية ونظرية العقد”، طبع دار الفكر العربي، مصر.
  9. السباتين، خالد محمد، 2011، “تقريرحول الحماية القانونية للمستهلك”، غزة. Internet: http//www.piccr.org
  10. أبو ستيت، أحمد حشمت، 1954، ” نظرية الالتزام في القانون المدني الجديد”، مصادر الالتزام، الكتاب الاول، ط2، مطبعة مصر.
  11. سليمان، عبد العزيز، 2004، “التبادل التجاري”، ط1، دار الحامد للنشر والتوزيع، الرياض.
  12. السنهوري، عبد الرزاق:
  • 1952، “نظرية العقد”، ج1، مطبعة دار النشر للجامعات المصرية.
  • 1981، “الوسيط في شرح القانون المدني”، دار النهضة العربية.
  • 1997، “مصادر الحق في الفقه الاسلامي”، ج2، دار احياء التراث العربي، القاهرة.
  1. شاهين، بهاء، 2000، ” العولمة والتجارة الإلكترونية”، ط 1، الفاروق الحديثة، القاهرة.
  2. الشرقاوي، جميل، 1976، “النظرية العامة للالتزام”، ج1، مطبعة العربية الحديثة، القاهرة.
  3. صليبا، جميل، 1997المعجم الفلسفي، ج1، مطبعة دار الكتب اللبنانية، بيروت.
  4. العامري، سعدون، 1974، “الوجيز في شرح العقود المسماة في البيع و الايجار”، ط 3، مطبعة العاني، بغداد.
  5. عبد الباقي، عبد الفتاح:
  • 1976، “مصادر الالتزام في قانون التجارة الكويتي”، ط1، مطبعة دار الوطن، الكويت.
  •   1996، “دروس في مصادر الالتزام”، مطبعة النهضة، مصر.
  1. عبد الباقي، عمر محمد، 2004، “الحماية العقدية للمستهلك دراسة مقارنة بين الشريعة والقانون”، منشأة المعارف، الاسكندرية.
  2. عبد العزيز، محمود عبد العزيز، 2008، “حماية المستهلك بين النظرية والتطبيق في الفترة مابين 1979-1998م”، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر.
  3. عبد، موفق حماد، 2011، ” الحماية المدنية للمستهلك في عقود التجارة الالكترونية”، مكتبة السنهوري، بغداد، العراق.
  4. عبدالله، هبه ثامر محمود، 2011، ” عقود التجارة الالكترونية”، مكتبة السنهوري، بغداد.
  5. عبود، سالم محمد، بدون تاريخ، “حقوق المستهلك ومنهجية حمايته مدخل حضاري مع الإشارة للعراق”، مركز بحوث السوق وحماية المستهلك جامعة بغداد.
  6. العبودي، عباس:
  • 1998، “تاريخ القانون”، مكتبة دار الثقافة، عمان.
  •  2001، ” شريعة حمورابي دراسة مقارنة مع التشريعات القديمة والحديثة”، الدار العلمية الدولية.
  1. العبيدي، علي هادي، 2005، ” العقود المسماة”، البيع والإيجار، دار الثقافة للنشر والتوزيع.
  2. عيسوي، عبد الرحمن، بدون تاريخ، ” الإسلام والعلاج النفسي الحديث”، دار النهضة العربية، بيروت.
  3. العيش، الصالحين محمد ابو بكر،2011 “الشكلية في عقود الانترنت والتجارة الالكترونية “، بحث منشور على الانترنت، http://www.tashreaat.com/
  4. الغوات، آسية وآخرون، 2015، “حق الرجوع في العقود المبرمة عن بعد”، جامعة عبدالمالك السعدي، الكلية المتعددة التخصصات، تطوان، المغرب.
  5. القاسم، محمد بن عبد الله، 2002، “التعاقد الالكتروني في الفقه”، مركز الخزامي، الرياض.
  6. القيسي، عامر قاسم،2013 “الحماية القانونية للمستهلك:” دراسة في القانون المدني والمقارن، دار الثقافة، عمان.
  7. اللقماني، سمير، 2003، “منظمة التجارة العالمية”، ط 1، دار الحامد للنشر والتوزيع.
  8. اللويحق، عبدالرحمن بن معلا,1996 “مفهوم الحسبة في الإسلام”، شبكة الألوكة، www.alukah.net
  9. أبو مجاهد، أسامة ابو الحسن، 2003، ” خصوصية التعاقد عبر الانترنيت”، دار النهضة العربية، القاهرة .
  10. مجمع اللغة العربية، 2005، “المعجم الوجيز”، مطبعة وزارة التربية والتعليم، جمهورية مصر، 2005.
  11. محمد، بودالي، 2005، ” تطور حركة حماية المستهلك”، مجلة العلوم القانونية والادارية، مكتبة الرشاد للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر.
  12. محمود، كيلاني عبد الرضا، 2005، “مفهوم المستهلك كأساس لتحديد نطاق تطبيق تقنين الاستهلاك الفرنسي”، القاهرة.
  13. المرتضى، علي بن الحسين بن موسى، “الذريعة في الفقه والاصول”، ج5، مطبعة صادقيان، قم.
  14. المطالقة، محمد فواز، ٢٠11، ” الوجيز في عقود التجارة الالكترونية”، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان.
  15. منصور، محمد حسين، 2006، ” المسؤولية الالكترونية”، دار الجامعة الجديدة، الاسكندرية .
  16. المهدي، نزيه محمد الصادق، 1983، “الالتزام قبل التعاقدي بالإدلاء بالبيانات المتعلقة بالعقد وتطبيقاته على بعض أنواع العقود دراسة فقهية قضائية مقارنة”، دار النهضة العربية، القاهرة.
  17. موسى، احمد كمال الدين، 1402هـ، “الحماية القانونية للمستهلك في المملكة العربية السعودية “، مطبعة معهد الادارة العامة، الرياض.
  18. المومني، عمر حسن، 2003 “التوقيع الالكتروني وقانون التجارة الالكترونية”، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان.
  19. أبو الهيجاء، محمد ابراهيم، 2011، “عقود التجارة الالكترونية”، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان.
  20. اليعقوب، بدر جاسم، 1981، “أصول الالتزام في القانون المدني الكويتي”، جامعة الكويت.

ب: الدوريات

  1. خرابشة، عبد و عدينات، محمد، 1990، “دور الدولة في الرقابة على النشاط الاقتصادي والحياة الاقتصادية”، مجلة الادارة المالية في الاسلام، مؤسسة آل البيت عمان الاردن ،العدد 3 ، ص ص:925-1012.
  2. الدسوقي، أبو زيد، ، يوليو 1993، ” دور المستهلك المصري في تحقيق الحماية له دراسة ميدانية”، مجلة العلوم الإدارية، العدد السادس، السنة الثالثة.
  3.  ساجد، يزن خلوق محمد و محمود، فائز صالح، 2005، “حقوق الإنسان بين الشريعة الإسلامية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948″، مجلة مركز الدراسات الاقليمية، جامعة الموصل.
  4. عبد المؤمن، عبدالحي القاسم، 2014، “أركان العقد الإلكتروني”، مجلة جامعة بخت الرضا العلمیة، السودان، العدد الحادي عشر یونیو.
  5. أبو عرابي، غازي خالد، 2009، ” حماية رضاء المستهلك دراسة مقارنة بين قانون حماية المستهلك الإماراتي وتقنين الاستهلاك الفرنسي ومشروع قانون حماية المستهلك الأردني”، مجلة دراسات، علوم الشريعة والقانون، المجّلد 36، العدد1.
  6. الفتلاوي، سلام عبدالزهرة، 2013، “نظرات في قانون حماية المستهلك العراقي رقم 1 لسنة 2010″، مجلة الكلية الاسلامية الجامعة، العدد 22، النجف الاشرف.
  7. محسن، منصور حاتم و مظلوم، اسراء خضير،2014 ” العدول عن التعاقد في عقد الاستهلاك الالكتروني” مجلة المحقق الحلي للعلوم القانونية والسياسية العدد الثاني / السنة الرابعة بابل.
  8.  مساعدة، أيمن و خصاونة، علاء، 2014، ” خيار المستهلك بالرجوع في البيوع المنزلية وبيوع المسافة”، مقال منشور في مجلة حماية المستهلك، منشورات مجلة القضاء المدني، الطبعة الأولى، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط.

ج: رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه

  1. أمين، سي الطيب محمد، 2008، ” الشّروط التعسّفية في عقود الاستهلاك “، رسالة ماجستير قانون، تلمسان، الجزائر، رسالة منشورة.www.groups.com
  2. بغدادي، مولود، 2015، “حماية المستهلك من الشروط التعسفية في عقد الاستهلاك”، رسالة ماجستير، جامعة الجزائر.رسالة منشورة . www.mouhakiq.com
  3. حسن، عدنان عبد الهادي، 2006، “أحكام العقود الصورية في الفقه الاسلامي”، رسالة ماجستير، كلية الشريعة والقانون، الجامعة الاسلامية، غزة.رسالة منشورة .www.puoip.com
  4. حفیظة، بتقة، 2013، ” الالتزام بالإعلام في عقد الاستهلاك”، رسالة ماجستير مقدمة الى جامعة أكلي محند أولحاج – البویرة كلیة الحقوق والعلوم السیاسیة.
  5. خلوي، نصيرة، 2013، “الحماية القانونية للمستهلك عبر الانترنت” رسالة ماجستير قانون، تيزي وزو، الجزائر. رسالة منشورة www.ummto.dz/IMG
  6. العجمي، فلاح فهد، 2011، “الحماية المدنية للمستهلك”، رسالة ماجستير، كلية الحقوق، جامعة الشرق الأوسط.
  7. ميدني، نجاح، 2008، “آليات حماية المستهلك في الاقتصاد الاسلامي”، رسالة ماجستير، جامعة الحاج لخضر، الجزائر.

د: المؤتمرات والندوات والدورات العلمية

  1. بلقاسم، زايري و علي، دلوباشي، مايو 2002 “طبيعة التجارة الإلكترونية وتطبيقاتها المتعددة”، المؤتمر العلمي السنوي الثاني لتكنولوجيا المعلومات ودورها في التنمية الاقتصادية، كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية، جامعة الزيتونة.
  2. حلس، سالم، 2000، “التجارة الإلكترونية”، بحث مقدم لمؤتمر غرفة التجارة الدولية عمان، الاردن.
  3. حمودة، محمود عفيفي، 1981، “مفهوم حماية المستهلك”، بحث مقدم للجنة العلوم الادارية بالمجلس الاعلى للثقافة، القاهرة.
  4. الخاجة، فاطمة عبدالحميد، 2001، ” ندوة حماية المستهلك لعام 2001 “، الإمارات العربية المتحدة www.mctmnet.gov.om
  5. سرور، محمد شكري، 2003، “التجارة الإلكترونية ومقتضيات حماية المستهلك”، بحث مقدم إلى المؤتمر العلمي الأول حول “الجوانب القانونية والأمنية للعمليات الإلكترونية” دبي، 28 أبريل – الإمارات العربية المتحدة، المجلد الثاني .
  6. القره داغي، علي محي الدين علي، 2006، “التجارة عبر الوسائل الحديثة “، الندوة العلمية بكلية الشريعة، جامعة قطر.
  7.  محيى الدين، محمود و نصر، سحر، 2005، “البعد الاقتصادي لحماية المستهلك”، ورقة مقدمة لمنتدى المرأة وحماية المستهلك”، فى القاهرة، المجلس القومي للمرأة.
  8. المركز العربي للبحوث القانونية والقضائية، 2015″حماية حقوق المستهلك العربي بين الواقع وآليات تطبيق القانون”، ورقة عمل مقدمة الى المركز، جامعة الدول العربية.
  9. هللو، محمد محمود، 2002، ” التجارة الإلكترونية”، محاضرات لدورة تدريبة في دائرة المشاريع والتدريب، عمادة خدمة المجتمع والتعليم المستمر، الجامعة الإسلامية بغزة.

ثالثا: القوانين والمجموعات القضائية

  1. التوجيه الاوروبي رقم 93/13 لسنة 1993
  2. قانون الاستهلاك الفرنسي رقم 949-92، الصادر بتاريخ 26 يوليو، 1993. JOURNAL OFFICIEL DE LA RÉPUBLIQUE FRANÇAISE
  3. قانون الاستهلاك الفرنسي رقم 344 لسنة 2014، JOURNAL OFFICIEL DE LA RÉPUBLIQUE FRANÇAISE Texte 1 sur 96
  4. قانون الاستهلاك الفرنسي، رقم 665، في 4/8/1994. JOURNAL OFFICIEL DE LA RÉPUBLIQUE FRANÇAISE Texte 1 sur 96
  5. قانون الأونسيترال النموذجي بشأن التجارة الإلكترونية لعام 1996
  6. قانون الأونسيترال النموذجي للتوقيع الإلكتروني لسنة 2001 ، https://www.uncitral.org/pdf/arabic/texts/electcom/ml-elecsig-a
  7. القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951. www.e-lawyerassistance.com/Legislations/iraq/civiallawar.
  8. القانون المدني المصري رقم 131 لسنة 1948، www.incometax.gov.eg/New%20LAWs/law-131-1948.
  9. قانون حماية المستهلك العراقي رقم (1) لسنة 2010، www.moj.gov.iq/uploaded/4143(lll).
  10. قانون حماية المستهلك المصري رقم 67 لسنة 2006،
  11. القرار الوزاري في فرنسا والصادر في 14 يناير 1972 بتنظيم الاعلان عن اسعار السلع JOURNAL OFFICIEL DE LA RÉPUBLIQUE FRANÇAISE Texte 1 sur 96
  12. اللائحة التنفيذية لقانون الاستهلاك المصري رقم 67 لسنة 2006،www.wipo.int/wipolex/ar/details.jsp?id=13547

رابعاً: المراجع الأجنبية

  1. Al – Manar An English، Arabic Dictionary، Hasan S. Karmi، Longman Group Limited، London 1970.
  2. BOYER:L”obligation de renseignements dans la formation du contrat. These Aix-Marseille. 1975. No. 15.
  3. Calais – Auloy (J) le droit de la consummation. 1992. Dalloz. No. 87
  4. Cass. Com. 24 mai 1994. B.C.
  5. Ghestin (J) Traité de droit civil، la formation du contrat. 3e ed. L. G. D. J. Paris 1993. no 571. Cass. Civ. 19 mai 1958. Bull. Civ. 3 no 173.
  6. Kenneth c. Laudon & Carol Guericio، ، E-commerce، by Eyewire، USA، (2001).
  7. Malinvaud (Ph) note. Sous. Cass. Com. 16. oct 1973 J. C.P.
  8. Modern Dictionary، Arabic، English Ed. Elias، Elias، Modern press Cairo، 1969.
  9. Oxford Advanced Learner’s Dictionary of Current English as Hornby with Ap Cowie AC Gimson، Oxford university press، 1978، .
  10. www.safinow.com
  11. www.wipo.int/wipolex/ar/details.jsp?id=14490

الملحـق

بسمه تعالى

له الحمد وبه نستعين

الى/

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته…

نحاول في كتابنا الحالي الموسوم بـ (وسائل حماية المستهلك الالكتروني في الفقه الاسلامي والقانون).تبيان بان شريعة السماء هي شريعة كاملة وشاملة وتستوعب كل المتغيرات والتطورات الحضارية في جميع جوانب الحياة في كل زمان ومكان وبخاصة فيما يتعلق بحماية المستهلك في التجارة الالكترونية،وبين ايديكم مجموعة اسئلة واستفسارات مختارة حول هذا الموضوع راجين منكم التفضل بالإجابة التفصيلية عنها ، خدمة للعلم والعمل الصالح.

والله ولي التوفيق.

                                                                                الباحث

                                                                       رزاق مخور داود الغراوي